

قصه حياتي-مذكرات حياة كما عشتها
────────── ✦ ──────────
✦ المقدمة
هذه ليست قصة بطلة خارقة، ولا حكاية حياة مثالية.
هذه مجرد ذاكرة... شخص عاش تفاصيل كثيرة لم يختَرها، وتعلّم منها أكثر مما توقع، وبقي يحاول يفهم كيف مرّ بكل ذلك وهو ما زال واقف.
هنا لن تجد تزييناً للأحداث، ولا محاولة لجعل الماضي أجمل مما كان. ستجد فقط حياة كما حدثت، بكل ما فيها من ضعف، خوف، صمت، وانكسارات صغيرة كانت تكبر مع الوقت.
قد تبدو بعض الصفحات ثقيلة، وبعضها صادم، وبعضها الآخر صامت أكثر مما ينبغي... لكن كلها حقيقية في شعور صاحبها على الأقل.
إذا وصلت هنا، فأنت لا تقرأ رواية عادية...
أنت تمشي داخل ذاكرة شخص يحاول أن يفهم نفسه من جديد.
هذه هي قصتي... كما عشتها أنا، لا كما رآها الآخرون.
1 يوليو 2026
اليوم قررت أبدأ كتابة قصة حياتي...
────────── ✦ ──────────
✦ الفصل الأول: البداية
في تاريخ 2010/8/27 الساعة 9:30 "ولدت تلك الفتاة البائسة... ولم تكن تعلم أن الفضول سيقودها يومًا إلى حب الفلسفة والأمن السيبراني والفضاء."
زينب ٠
كنت فتاة رضيعة ولدت في بغداد - الحسينية.
كانت والدتها تعاني من ضرب زوجها لها وقساوة حماتها عليها، وكانت تُحاسب على الربع دينار. كان يخرج كل يوم في الليل ويعود الفجر. وكانت أمي فتاة صغيرة عمرها 13 عاماً، تزوجت وهي لا تعرف معنى الزواج والإنجاب. وكانت هذه أسوأ أيامها.
وأنا كنت طفلة رضيعة، كنت أسبب مشاكل لوالدتي ووالدي بسبب الحفاظات والحليب.

────────── ✦ ──────────
✦ الفصل الثاني: الأخ الأول والمأساة
مرت سنة كاملة على وجودي في هذه الدنيا، وأصبحت والدتي حاملاً بأخي جواد. وبعد 9 أشهر وُلد طفلها الثاني، وكان الجميع فرحانين به لأنه ولد.
لكن أخي أصيب بتكسر في الدم، ومات وهو في عمر 8 أشهر. وكان الجميع حزينين على موته، وأكثرهم والدتي. وكان هذا أول طفل يرحل إليها وهي في عمر 14-15 سنة.
────────── ✦ ──────────
✦ الفصل الثالث: الأخوة والمرض
مرت السنين، وأصبحت في عمر 5 سنوات، وأصبح لدي أخ اسمه عبدالله يعاني من ضمور في الدماغ، لا يفهم شيئاً، لا يتحدث، لا يمشي، ولا يعرف ماذا يفعل. كان أصغر مني بسنتين.
────────── ✦ ──────────
✦ الفصل الرابع: أول إدراك للخوف
أصبحت في عمر 7 سنوات، وكانت هذه أول مرة أكتشف فيها أن أبي أب سيئ.
كنت نائمة في الغرفة التي ينام فيها أهلي، وكان فراشي بجانب فراش أبي وأمي. صحوت على أبي وهو يلمسني بطريقة غير مريحة، ويلمس منطقتي الحساسة. لم أكن أعلم ماذا يفعل، لكنني شعرت أن هناك شيئاً خطأ.
نظرت إلى الباب، ورأيت شخصاً يقترب، وكانت أمي. وعندما اقتربت أكثر، فزع أبي وابتعد. دخلت أمي، وتوقفت لثوانٍ وهي تنظر إلي، وأنا أنظر إليها. ولا أعلم ما الذي حدث بعدها، لأنني نسيت كل شيء.

────────── ✦ ──────────
✦ الفصل الخامس: المدرسة
في نفس العمر، قررت والدتي إدخالي إلى المدرسة. كنت سعيدة جداً لأنني سأتعرف على أصدقاء جدد.
في يومي الأول ذهبت مع بنت عمي رقية، لكنها كانت في فصل للإناث فقط، وأنا في فصل مختلط. اكتشفت أن صديقتي أيات انتقلت معها، وهي كانت صديقتي الوحيدة. شعرت بالحزن، وبدأت أتغير وأصبحت منطوية، أجلس وحدي، وأتعرض للتنمر من الطالبات والمعلمات الذي كانو يضربونني على أي شيء افعله وفقط لأنني فتاة لم تحصل الإهتمام ولا تعرف تجاوب بشيء بسبب انقطاعها عن الدراسه بين فتره وفتره، ولا أملك أصدقاء أبداً حتى صديقتي أيات ابتعدت عني.
────────── ✦ ──────────
✦ الفصل السادس: الانكسار الدراسي
مرت السنين، وأصبحت في الصف الثاني الابتدائي.
كانت والدتي تمنعني من الدراسة عندما تغضب مني بسبب أخطاء بسيطة. كانت تمزق كتبي وتجعلني أترك الدراسة ثم أعود لها.
وبدون أن تعلم، كانت تبني فتاة تعاني من الاكتئاب المبتسم، والتوتر والحزن الدائم.
وبقيت إلى الصف الثالث الابتدائي أترك المدرسة وأعود بسبب والدتي التي كانت متقلبة المزاج وعصبية. كانت أحياناً تحرق أغراضي المدرسية في ألشارع بما فيها الزي المدرسي والشنطة.
────────── ✦ ──────────
✦ الفصل السابع: الفوضى والطفولة الضائعة
لم أتعلم أي شيء في المدرسة، لا قراءة ولا كتابة. كنت في الصف الثالث ألابتدائي لا أعرف الحروف ولا أي شيء مثل باقي الأطفال.
وبعد أن أصبحت في عمر 9 أو 10 سنوات، تركت المدرسة، وأصبحت لدي أخت اسمها بنين وأخت اسمها أيات، وكانت أيات تعاني من ضمور في الدماغ مثل أخي عبدالله.
في أحد الأيام استيقظت ولم أجد أمي وأبي وعبدالله في المنزل. وكانت أختي بنين تبكي. كانت الغرفة فوضى والأبواب مفتوحة وأنا مصدومه لا أعلم مالذي يحدث.
دخلت أمي علي وهي تبكي وتصرخ، وبدأت في ترزيلي وقالت إن أخي في المستشفى ومريض جداً، وأعطتني فلوساً وأخذت معها أوراقاً لا أعلم ما هيَ وذهبت دون أن تقول لي شيء أخر.
────────── ✦ ──────────
✦ الفصل الثامن: المسؤولية المبكرة
بقيت وحدي مع أخواتي. كنت أنظف البيت وأحاول أن أجد طعاماً. لم أجد إلا البيض، فطهيته وأطعمتهم، وأكلت لقمتين فقط.
مر اليوم الأول والثاني والثالث، ولم يعد أحد. وبقيت أبكي بجانب أخواتي بسبب الحزن والقهر،

────────── ✦ ──────────
✦ الفصل التاسع: الجوع والخذلان
لم أستطع الذهاب إلى الأسواق لكي أحظر الطعام بسبب صغر أخواتي.
ثم جاءت جدتي وأنا أبكي لأنني لا أعلم ماذا أفعل ومعها طعام قليل (تمن ومرق). كان لا يكفي، لكننا أكلنا. أكلت القليل وتركت الباقي لأخواتي، وبقيت جائعة جداً حتى آلمني بطني وبدأت في البكاء.
────────── ✦ ──────────
✦ الفصل العاشر: بيت العم
ذهبت إلى بيت عمي مع أخواتي. لكنهم كانوا منزعجين بسبب أختي أيات لأنها كانت تكسر الأشياء ومنزعجين من وجودنا بختصار.
قالوا أن تبقى خارج الغرفة عند الدرج ألذي بجانب الحمام، فربطتها من رجل واحدة حتى لا تخرج ألى الشارع أو تكسر الأشياء. وكنت حزينة جداً عليها والدمعه في عيوني.
────────── ✦ ──────────
✦ الفصل الحادي عشر: العودة للبيت والألم داخل العائلة
أتى أبي أخيراً بعد وقت طويل وقرر أن يأخذنا إلى المنزل مرة أخرى رفضت لاكنه أصر على ذالك ألى أن وافقت. جلسنا قليلاً وسألته عن وضع أخي ومتى سيخرج، فقال بأنها مطوّلة جداً. شعرت بالحزن، وجلس أبي يتابع هاتفه، وأختي أيات مربوطة وتلعب، وبنين بجانبه تتابع معه وتمزح، وأنا كنت في الزاوية أفكر وأشعر بالوحدة وعدم الارتياح. كنت أفكر... ثم غفوت.
وصحيت مرة أخرى على وجود أبي بجانبي، وكان يتحرش بي وأنا نائمة. شعرت بالخوف، وحاولت أن أبعده، لكنه لم يتركني.
وفي هذه اللحظة اتصلت أمي على والدي، ولا يمكنني وصف فرحتي لأنه بسرعة ابتعد عني وأجاب على الهاتف. أمي اتصلت فيديو وسألت عني وعن أخواتي، وقال أبي إنهم بخير، وهذه زينب. ولف الهاتف علي، وأنا كنت جالسة وخائفة جداً، وواضح على ملامحي ذلك بوضوح.
وعندما لاحظت أمي أنني أحاول أن أوصل لها بطريقة غير مباشرة أن هناك شيئاً، سألتني: "بيج شي؟"
هززت رأسي بمعنى لا، وأنا ألدمعه في عيني. وهنا عرفت أمي أن أبي قد تحرش بي، لأنها ليست أول مرة ولا ثاني مرة، بل أكثر من مرة.
لم تغلق الهاتف، وجلست تتحدث معنا، وأنا أخبرتها أنني كنت أريد أن أبقى عند بيت عمي مع البنات، لكن أبي لم يوافق وأخذني معه. فقالت له: خليها تروح لهم ويا البنات. رفض أبي في البداية، ثم وافق.
وبقي الهاتف مفتوحاً إلى أن ذهبت إلى بيت عمي مرة أخرى. وفي الصباح حاولت أن آخذ هاتف أي أحد لأتصل بها، لكن الجميع رفض إعطائي الهاتف. وفي هذه اللحظة أتى عمي وأعطاني هاتفه.
اتصلت عليها، وكانت نبأ وزوجة أحمد، التي تكن ابن عمي الثاني، بجانبي. وتكلمت معها وأنا متوترة، وقلبي ينبض بسرعة، وقلت لها هذا ما حدث: "أبي تحرش بي". وهنا نسيت أن نبأ وابنة عمي الثانية بجانبي، وخفت كثيراً، وأخبرتهم بكل شيء، لكنهم لم يصدقوني تقريباً...

────────── ✦ ──────────
────────── ✦ ──────────
✦ الفصل الثاني عشر: حضن جدتي
بعد مرور يوم كامل، وأنا أشعر بالقلق والصدمة من كل ما حدث، وجدت أحنّ شخص عليّ، وأكثر إنسانة أحب وجودها في حياتي، جاءت لتأخذني معها وتستقبلني بكل حب.
كانت جدتي، أم أمي، عزيزة روحي.
أخذتني وهي خائفة علي، وكان خوفها واضحاً في عينيها، وقالت لي:
"تعالي عيشي وياي للأبد."
هذه الجملة لا يمكنني نسيانها.
ورغم المعاناة التي عشتها معهم أيضاً، لأنهم كانوا يسكنون في الريف، وكانت حياتهم وقواعدهم وكل شيء عندهم مختلفاً، إلا أنني كنت أشعر بالسعادة بينهم.
كنت أقضي وقتي مع خالي، الذي يكبرني بسنة واحدة فقط. ألعب معه، وأضحك، وأشعر بسعادة حقيقية.
لكن رغم كل ذلك، كان يوجد جزء داخلي يشتاق إلى أمي، وحزن دائم لا أستطيع التخلص منه أبداً.
────────── ✦ ──────────
✦ الفصل الثالث عشر: صلاة ودموع
كلما بدأت بالصلاة، كنت أبدأ بالبكاء بحرقة وألم.
كنت أشعر وكأن بداخلي ناراً لا يمكن أن تنطفئ.
كنت متعبة من رعايتي لأختي المريضة، التي كانت تحتاج إلى اهتمام ورعاية مستمرة.
وفي بيت جدتي، لم يكن أحد يعرف كيف يتعامل معها سواي، لذلك كنت أنا من يهتم بها أغلب الوقت.
لكن زوجة خالي أيضاً لم تقصر معي، وكانت تساعدني، فتغير لها ملابسها، رغم أن أيات كانت تنزعها كل مرة.
وكانت أيات تستيقظ الساعة الرابعة فجراً ونحن نيام، وتخرج من البيت.
ولحسن الحظ، كان خالي يستيقظ في ذلك الوقت، فيجدها قد خرجت إلى الشارع، في المنطقة التي كانت مليئة بالكلاب المتوحشة.
فكان يوقظني بسرعة، لأذهب وأربطها حتى لا تخرج مرة أخرى.
واستمر هذا الحال أربعة أشهر كاملة.
────────── ✦ ──────────
✦ الفصل الرابع عشر: انتظار لا ينتهي
بعد أربعة أشهر، خرجت والدتي أخيراً من المستشفى.
لكن فرحتي لم تستمر طويلاً.
فبعد أسبوع واحد فقط من خروجها، عادت مرة أخرى إلى المستشفى.
وهنا تحطمت أكثر فأكثر.
لكنني كنت أردد دائماً بيني وبين نفسي:
"اصبر، إن الله مع الصابرين."
لأنني في تلك الفترة كنت أفكر في إنهاء حياتي، وكانت هذه الأفكار السلبية تهاجمني كل يوم وتستنزفني أكثر.
────────── ✦ ──────────
✦ الفصل الخامس عشر: لباس واحد
في تلك الفترة، لم يكن لدي سوى قطعة ملابس واحدة.
كانت ملابس شتوية سميكة جداً، بينما كنا نعيش في فصل الصيف، وحرارة بيت جدتي لا تُطاق.
كنت أغسلها، ثم أرتديها مرة أخرى.
ولم أكن أطلب من أحد أن يشتري لي ملابس.
ليس لأنني لا أحتاجها...
بل لأنني كنت أخجل.
كانت جدتي أيضاً تمر بظروف مادية صعبة.
وكنت، رغم صغر سني، أفكر أكبر من عمري.
كنت أفكر أن أعمل وأعتمد على نفسي.
وكان أهلي يعطونني خمسةً وعشرين ألف دينار فقط، ولم تكن تكفيني لشراء احتياجاتي.
وكل ما كان يصلني من مال، كنت أصرفه على أخواتي الصغيرات واحتياجاتهن.
────────── ✦ ──────────
✦ الفصل السادس عشر: عودة أمي
بعد مرور ثلاثة أشهر، خرجت والدتي أخيراً من المستشفى.
كنت في قمة السعادة.
بقيت أبكي لمدة ساعتين متواصلتين.
كانت دموع فرح، وخوف، وتوتر...
كنت أخشى أن تعود مرة أخرى إلى المستشفى، وأن تبدأ تلك المعاناة من جديد.
لكن هذه المرة بقيت معنا.
إلا أن التعب لم ينتهِ.
فبعد ذلك، بدأت المشاكل بيني وبين والدتي تزداد.
كانت تدخلني في أمور لا علاقة لي بها.
إذا أخطأت أختي، كانت تعاقبني أنا.
وكانت تفرغ غضبها فيّ بالضرب، والشتم، والإهانة.
حتى وأنا نائمة، كنت أستيقظ على صراخها، ودعائها عليّ بالموت، وأنا لا أعلم ما الذي فعلته.
────────── ✦ ──────────
✦ الفصل السابع عشر: رحيل أيات
في عام 2021، كانت ابنة عمتي، رانيا، عندنا، لأنها قررت أن تبقى معي يومين.
وكنا نأكل الساعة الثانية وإحدى وثلاثين دقيقة بعد منتصف الليل.
كانت أمي تطعم أختي أيات.
وفجأة انتبهت أنها نائمة.
فنادت رانيا، وطلبت منها أن تحضر فراشها.
وعندما جاءت رانيا، وفرشت لها مكاناً لتنام، حملت أمي أيات.
لكنها لاحظت أن يدها سقطت، ورأسها أيضاً.
بدأت تحركها وهي تقول:
"أيات... أيات... ماما... أيااات..."
لكن أيات لم تستيقظ.
فنظرت إلى أبي، وقالت بصوت منخفض ومصدوم:
"أيات ماتت."
نظر إليها أبي وقال:
"لا يمعودة، البنية نايمة... شنو ماتت."
لكن أمي بدأت تصرخ وتبكي، وتنادي باسم أبي:
"ماتت والله... أيات ماتت... أيااات... كوم... كوم... جيب سيارة!"
نهض أبي بسرعة، وبدأ يركض.
وتجمع الجميع على صراخ أمي وبكائها.
خرجت أمي من شدة الصدمة دون حجاب، ودون أي شيء يغطيها.
وذهبوا مسرعين إلى جارنا الذي يملك سيارة.
وخرج جميع الجيران بسبب صراخها.
وركضت أم أبي لتحضر لها شيئاً تستر به نفسها.
أما أنا...
فكنت مصدومة.
لا أستوعب أي شيء.
نزلت إلى الطابق السفلي، فوجدت أكثر من ثلاثين امرأة جالسات في الصالة، وجميعهن يرتدين الأسود.
وقفت في مكاني لثوانٍ، ثم صعدت إلى الأعلى مرة أخرى.
وبعد دقائق، عاد أبي.
وكان الحزن واضحاً على وجهه.
ركضت إليه بكل سرعتي، وقلت:
"ها يابه... أيات شبيها؟ يابه... شبيها؟"
نظر إلي، وقال جملة واحدة فقط...
الجملة التي كنت أتمنى ألا أسمعها أبداً.
"أيات ماتت."
وقفت في مكاني دقيقة كاملة.
لم أستوعب ما سمعته.
ثم ذهب أبي، وكان يحمل بيده بعض الأوراق.
وعندما خرج، ذهبت وأغلقت الباب خلفه بكل قوتي، حتى امتلأ المكان بصوت ارتطامه.
ثم جلست خلف الباب، وسقطت على الأرض.
وبقيت أبكي، وأصرخ، وأشد شعري بقوة...
بقهرٍ لم أشعر بمثله من قبل.
كنت أعلم في داخلي أن هذا اليوم سيأتي يوماً ما...
لكنني لم أتخيل أبداً أن يأتي بهذه الطريقة.
وهنا تنتهي هذه الذكرى.
أما ما حدث بعد ذلك، فلا أتذكره جيداً.
لكن موت أيات ما زال يؤلمني حتى اليوم.
لأنني كنت أحبها كثيراً وتعبت في رعايتها... حتى أصبحت أشعر وكأنني أمها.
────────── ✦ ──────────
────────── ✦ ──────────
✦ الفصل الثامن عشر: رماد الفقد وعام القيود
مرت الأيام والبيت باقٍ حزين على موتها.
كنت أرى أمي كل يوم تنظر إلى صورها وتبكي، وكنت أتحطم ونفسيتي تتدهور.
مرت سنة كاملة على موت آيات...
والجميع رجعوا إلى طبيعتهم، يضحكون ويمزحون بشكل طبيعي.
وفي بداية سنة 2022، كان وقت بلوغي وعذابي الثاني.
بلغتُ وانسلبت حريتي أكثر.
أجبروني على ارتداء الحجاب غصباً عني.
وبقيت حبيسة في البيت لأشهر، تصل إلى 5 أو 6 أشهر دون أن أرى الشارع.
كنت أي شيء أفعله يقولون لي:
"لا، ما يصير.. أنتِ فتاة مالكِ غير بيت زوجكِ."
كرهتُ حياتي ومعتقداتهم، وحاولت الانتحار لأكثر من 6 مرات، وجميعها كانت تفشل.
────────── ✦ ──────────
✦ الفصل التاسع عشر: المحاولة السابعة
والمرة السابعة كانت في العصر، عند الساعة الرابعة تماماً.
بعدما قلت لأمي إنني أريد الخروج، حبستني في الزاوية وضربتني على رجلي بالحديدة.
هنا... لم أفكر في أي شيء سوى الموت.
ذهبت وجهزت المشنقة، وحسبت المسافة، وحسبت الوقت الذي سيخرج فيه أهلي.
وبالفعل خرجوا...
ورحت كتبت رسالة لأهلي، لكن وأنا أكتب دخل عليّ أبي.
وبسرعة مزقت الورقة وأنزلت المشنقة، وفشلتُ مرة أخرى في فعلها.
كان يوماً متعباً جداً... نفسياً وجسدياً.
────────── ✦ ──────────
✦ الفصل العشرون: لغات خلف الجدران
مرت الأيام والأشهر، وأنا في مشاكل مع أمي لا تنتهي أبداً.
بدأتُ التعلم في القراءة والكتابة، وخلال سنة واحدة فقط أتقنت القراءة والكتابة جيداً.
وبدأت أهتم بتعلم الثقافات الأخرى ولغات ثانية.
أحببتُ فرنسا كثيراً وحاولت تعلم لغتهم، لكنها كانت صعبة جداً عليّ.
تعلمتُ القليل من التركي، والتايلاندي، والإنجليزي، والروسي، والكوري.
كانت ونستي وراحتني هي تعلم الثقافات الأخرى واللغات، والتعمق في الفلسفة، وقراءة الكتب، ومشاهدة الأفلام، وسماع الموسيقى.
وهنا... بدأت أشك في ديني.
بقيت أبحث لمدة طويلة، إلى أن أصبحت "لاأدرية".
كانت سنة جيدة نوعاً ما.
────────── ✦ ──────────
✦ الفصل الحادي والعشرون: الكرامة المهدورة
سنة 2023 كانت سنة سيئة جداً.
دخلت أمي إلى المستشفى بأخي عبد الله، وعملوا له غسيل معدة.
وبقي أسبوعاً تقريباً في المستشفى أو أكثر، لا أتذكر بالضبط، ثم خرج.
لكن بعد شهر واحد فقط، دخل للمستشفى مرة أخرى.
كانت سنة سيئة من جميع النواحي.
بقيت أنتقل فيها من بيت إلى بيت، والجميع كانوا يكرهوننا ولا يريدونني.
لا أحد كان يريد أن يستقبلني...
لكن جاء عمي وأخذني عنده بعد أن تحدثت معه جدتي، أم أبي.
بالفعل أخذني، لكن كانوا جميعهم يتقرفون مني أنا وأختي.
كانوا يعطوننا أكلنا ويجعلوننا نأكل بعيداً عنهم وبمفردنا.
كنت أشعر بأن كرامتي مُسحت بالأرض.
وبقيت هناك 3 أسابيع.
────────── ✦ ──────────
✦ الفصل الثاني والعشرون: رحيل عبد الله
وفي يوم، اتصل أهلي على عمي وقالوا إن عبد الله حالته خطرة جداً.
أنا هنا انهرت، وبدأت أبكي وأبكي بقوة دون أن يعلم أي أحد.
لكن بعد يوم واحد فقط جاني الخبر...
موت عبد الله.
كان خبر موته صادماً، كنت واقفة لا أعلم ماذا أفعل.
كنت أنظر إلى المكان الذي كان يجلس فيه، وأنظر دون أي تعابير... كنت مصدومة صدمة كبيرة.
وشعوري لا يوصف، الحزن الذي كان في داخلي كبير كبير لدرجة غير طبيعية.
شفت أمي تبكي وتصرخ وتمزق ملابسها، وشعرها كانت تشده بكل قوة، وكانت تضرب على صدرها بكامل قوتها.
كان منظراً غير طبيعي... كنت أول مرة أرى أمي بهذه الحالة من القهر.
كانت ردة فعلها أقوى من ردة فعلها بموت آيات، ورأيت أبي لأول مرة يبكي.
مر يومان على موت عبد الله، وكنا على الفطور نأكل.
ونحن نأكل رأيت أبي وأمي يبكيان... أمي تبكي وتردد اسم عبد الله، وتتذكر عندما كان يجلس بجانب أبي ونطعمه.
قلبي أحسسته في هذه اللحظة يتمزق إلى أشلاء.
بقيت أشوف أمي تخرج صورته وتبكي بجانب أبي، وأنا... أنا كنت أبكي دون علم أحد.
كنت أبكي بحرقة، وكل ما أتذكر عبد الله أبدأ في البكاء.
بيتنا بقي يذكرني بعبد الله ويحزنني أكثر فأكثر، كانت سنة فظيعة ومحزنة جداً جداً.
────────── ✦ ──────────
✦ الفصل الثالث والعشرون: صدمات متتالية
في عام 2024، أصبحت أمي حاملاً بأختي ونور حياتي وفرحة المنزل "وتر".
لكنها سنة سيئة أيضاً...
فبعد ولادة وتر بـ 9 أيام فقط، مات جدي، أبو أبي.
لم نلحق أن نخرج من صدمة حتى أتت صدمة ثانية.
مات جدي الذي كنت متعلقة به وأحبه أكثر من أبي، بتاريخ 2024/10/24 الساعة 1:30 بعد منتصف الليل.
كنا متجمعين في بيتنا، وكان بنات عمي الاثنتان موجودات، وزوجة عمي الأولى، وزوجة عمي الثانية وابنتها، وعمتي.
كنا نضحك ونمزح، فاتصل أبي على أمي والجميع كانوا يضحكون، وقال لها:
"أبوي تعبان كلش."
هنا زوجة عمي الثاني خرجت لتجلب ابنتها التي خرجت في الخارج.
ولما جاءت وشافت أمي تتكلم بالهاتف وسمعت طاري جدي، جلست تصرخ وشققت ثيابها تعتقد بأن جدي قد مات.
هنا الكل صاروا يضحكون بشكل غير طبيعي ويقولون لها لا ما فيه شيء، واستمر الضحك لمدة 4 دقائق على زوجة عمي وردة فعلها.
لكن في منتصف الضحك... اتصل أبي مرة أخرى.
وهنا الكل انصدم وخاف وصاروا يصرخون وصارت فوضى في المكان.
أمي كانت تحاول تهدئتهم وتقول لهم: "اوقفوا خلوني أرد"، إلى أن فعلاً هدأت الفوضى.
وفتحت أمي الخط، وأول ما فتحته سمعت كلمة:
"أبوي مات."
وصوت صراخ قوي عند أبي.
هنا أمي قالت: "عمي مات!!!" والكل سمعوها وبدأ الصراخ وشد الشعر وتمزيق الثياب.
أنا وضعت يدي على رأسي وأنا لا أفهم شيئاً... شنو جدي مات؟!
بقيت أنظر إليهم وأسمع أمي تصرخ وتقول: "ضعنا ضعنا بدون عمي ضعنا" وبقت تلطم وتبكي.
بعدما ذهبنا إلى بيت جدي، وأمي التي كانت قد أجرت عملية ولادة حديثاً، بقيت تصرخ وهي واقفة وماسكة الجدار.
بعد 34 دقيقة اتصلوا بأمي وقالوا لها إن زوجكِ ضرب يده بزجاج سميك جداً وأوتاره تقطعت وصار عنده نزيف قوي جداً أدى إلى فقدانه وعيه.
بسرعة نادتني وقالت لي: "روحي جيبي رصيد".
وأنا أخذت معي طفلاً ورحت أركض بكامل سرعتي، جلبت الرصيد ورجعت.
بدأ الكل يبكون ويتذكرون جدي، وكانت أياماً فظيعة جداً.
────────── ✦ ──────────
✦ الفصل الرابع والعشرون: اعتراف وصمت
سنة 2025 هي سنة إلحادي.
وفي هذه السنة أيضاً اكتشفت ميولي، التي هي "البايسكشوال".
انعجبت بـ رقّية، ابنة عمي التي تزوجت قبل شهر ونصف.
واعترفتُ لها قبل كم يوم، وتبين أنها تبادلني نفس المشاعر، وقالت لي:
"بس أنا متزوجة، وما كنت أريد أن أتزوج بسبب حبي لكِ."
كنت فرحانة هنا جداً، فرحتي لا توصف برغم أنها متزوجة...
لكن أهم شيء أنني قدرت أن أعترف لها وطلعت تبادلني الشعور.
أما سنة 2026... فهي سنة فارغة بصراحة، سنة ليس فيها سوى المشاكل مع أهلي.
"بعد كل ما مررت به، أصبحت أعاني من فراغ داخلي، وقلق دائم، ونوبات هلع، وأعراض نفسية كثيرة لم أفهمها حتى اليوم."
────────── ✦ ──────────