كنت أكتب مشهداً في روايتي الجديدة (ملحمة ماسينيدور) ووقفت عند تساؤل أرهقني: ماذا يحدث عندما تهدم التكنولوجيا والعلوم الديانة القديمة والأسس الأخلاقية، وتترك لنا 'منهج بحث' دقيقاً لكن دون 'معايير' واضحة لما هو صواب وما هو خطأ؟ في هذا العالم، يناقش الملك فكرة 'الهندسة الاجتماعية' كحل للفراغ الذي تركه سقوط الإمبراطورية. هل تعتقدون أن المجتمع يمكن أن ينضبط بقوانين هندسية بحتة، أم أننا كبشر نحتاج دائماً لـ 'وهم' أو 'إيمان' ما لكي لا تنهار جسورنا الاجتماعية؟ أشارككم هذا المقتطف من الحوار: «ما نحدد به الصواب من الخطأ... صار فراغاً.» أهتم جداً بسماع آرائكم الفلسفية حول هذه النقطة، وهل تعرفون روايات عربية ناقشت صراع (العلم ضد المعايير الأخلاقية) بشكل عميق؟"
u/A_normal_human-_
أرى أن الإنسان ليس إنسانًا بمجرد شكله البيولوجي، بل بما يمتلكه من وعي وقصدية. الإنسانية عندي درجات: كلما امتاز المرء بالوعي والفكر واستخدمهما لغاية محددة، ازداد إنسانية. هذا الأمر لا يتعلق بالأخلاق في المقام الأول، بل بوجود قصدية معينة وإبراز للفكر والوعي لتحقيقها. فالقصدية قد تكون للخير والإصلاح والحفاظ على النظام، وقد تكون للأنا والأنانية المطلقة التي قد تؤدي إلى الفساد، مع السعي إلى الاستقلال والحرية فوق الجميع. وأما الكائن المنحط الذي لا قصدية له، مجرد ردود فعل وعبد لشهواته، فهذا هو الأقل إنسانية، الأقرب إلى الحيوان.
أعتقد أن الإنسان كائن محايد في أصله، ليس شريرًا بالفطرة ولا خيرًا محضًا. لكن الله خلقه على هذه الفطرة، وجعل معها المنهج الأخلاقي الإلهي الذي ينظم حياته في كل جوانبه، مع تقييد لحريته من أجل الارتقاء الجماعي؛ لأن البشر بطبيعتهم لا يستطيعون العيش في سلام يحقق مصلحة الجميع وحرية محدودة دون إطار أخلاقي يؤطر حريتهم. والله خلق الشر في الوجود لأن طبيعة الحياة اختبار، ولم تصمم لتكون حياة مثالية. وخلق في الإنسان حرية الاختيار بين اتباع المنهج الإلهي، وبين الحرية المطلقة والأنانية. وهذا الأخير هو ما نسميه شرًّا: فعل يصدر عن الإنسان لرغبته في الاستقلال وجشعه في الحرية المطلقة.
لن أبتعد عن الواقع، سأضرب مثالًا: طفل قُتل أبوه. في البداية، لو ارتكب جريمة، فهو غير مدرك لوزن المعيار الأخلاقي، فحتى لو قتل، فهو غير واعٍ تمامًا. لكن حين كبر وبدأ يدرك أن الثأر خطأ، وأن السعي إليه لم يمنحه الراحة التي توقعها، لم يتغير، بل قرر أن يواصل القتل وارتكاب الجرائم، وبدأ يبرر موت أبيه، ويشعر بأنه ملعون، وأن المجتمع ظالم. ما نفهمه من هذه القصة أن الوعي الأخلاقي يتدرج، لكن الأخطر ليس الجهل، بل أن تدرك الصواب وتظل تكذب على نفسك وتستمر في الخطأ، لأنك وجدت عذرًا يبرر أفعالك.
لا أعتقد أن وجود الشر في العالم يعني أن الإله شرير. بل الأمر متعلق بطبيعة الحياة نفسها. الدنيا لم توجد لتكون مثالية، بل لتكون اختبارًا. والاختبار لا يكون اختبارًا حقيقيًا إلا إذا منح الإنسان حرية حقيقية: حرية أن يفعل ما يهواه، محاولًا الوصول إلى الحرية المطلقة، منغمسًا في أنانيته التي تنفعه دنيويًا ولو دمرت المجتمع من حوله، أو أن يعيش بالمنهج الإلهي الذي وُجد لينظم حياة البشر، ليعيشوا بأفضل شكل ممكن. فبدل التفرد والأنانية الناتجة عن مخالفة أوامر الله، نعيش جميعًا في نظام يرقى بنا ويحقق غاية وجودنا التي هي العبادة.
ولأن الحياة اختبار، فقد أراد الله — وهو العادل الحكيم — ألا يكون لنا عذر أمامه. فجعل هذا الاختبار، وجعل لنا شهودًا على أعمالنا، كل هذا كي لا يقول بنو آدم: لم تختبرنا. فأنت تختبر، وتعلم أنك السبب، وأنك اتخذت الأسباب، فإما أن تكون فائزًا فتعلم لماذا فزت، وإما أن تكون خاسرًا فتعلم لماذا خسرت. هذه حقيقة أؤمن بها. لقد أنزل الله الإنسان إلى هذه الحياة لغاية. لماذا؟ لأن الحياة وجدت لتكون صعبة. والإيمان ليس مجرد معرفة، بل هو جواب يحتاج إلى اليقين، وجهاد نفس، وبحث، حتى تستحقه. لأنه اختبار. لو أرانا الله نفسه، لآمنا جميعًا دون عناء. لو تذكرين الأمر، فما الفائدة من الاختبار إذن؟
خذوا مثالًا: إبليس. لم يكن ملاكًا، بل كان من الجن، تربى بين الملائكة، وكان من أكبر المؤمنين في زمانه. ثم خلق الله آدم، وجعله وذريته خلفاء في الأرض. أمر الله الملائكة وعزازيل — وهو اسم إبليس قبل أن يلعنه — بالسجود لآدم الذي خُلق من طين، بينما إبليس جان خُلق من نار. أتاه الغرور والكبر، وسوست له نفسه، فلم ينتبه للأمر، وسمح لغروره بالسيطرة عليه. ثم تنبه لماهية الأمر، وتعهد الله بإغواء بني آدم وجرهم إلى النار معه. ومع ذلك، إبليس آمن بالله ورأى عظمته حقًّا، وعرض على الله توبة في عصر نبي موسى، فأمره الله أن يذهب إلى قبر آدم ويسجد، لكنه مرة أخرى سمح لنفسه وغروره ورفض الأمر. فإبليس والكفار — أكثرهم — مدركون أن هذا الدين هو الحق، ولهم حرية الاختيار التامة حقًّا، لكنهم اختاروا طريق الخطأ امتثالًا لرغباتهم وشهواتهم وأخطائهم. ومع ذلك فهم أحرار. الله يرزق العبد فرصًا، ويعطيه إدراكات وتنبيهات وإشارات، وهو حر.
ثم أرسل الله الرسل والأنبياء، كل إلى قوم معين، لتذكيرهم برسالة الرسل من قبلهم. لكن محمدًا — عليه الصلاة والسلام — مختلف. فقد أُرسل برسالة إلى كافة البشر، رسالة للبشر في عصره وما بعده، وحفظها من التحريف. وهي رسالة تتضمن القرآن والسنة، منهاج حياة شامل مبني على الفهم العميق للطبيعة البشرية. الرسالة التي أرسلها محمد مختلفة، لأن ما أرسل سابقًا كان مرسلًا إلى أقوام لهم خصائص اجتماعية وشخصية خاصة، بينما البشر بعد النبي وفي عصره يتمتعون بنزعة مختلفة، مما يجعل منهاج محمد — عليه السلام — لا يحتاج إلى رسول بعده.
إذا كان كلام الله هو الأكمل، وإذا كان الله خالق الإنسان، فهذا يعني أنه يفهم الإنسان وجانبه النفسي فهمًا تامًا. فما يأمر به، كونه كاملًا ومبنيًّا على هذا الفهم العميق، هو الأصح والأكمل. ومهما تطور البشر في محاولة ابتكار نظام، سيجدون أنفسهم يقلدون النظام الإلهي دون شعور. وإذا قرروا الاعتماد على عقولهم فقط، متخذين من أنفسهم آلهة تحدد الصواب والخطأ، فسينتهي الأمر بكارثة، لا بنظام حقيقي. الإنسان بطبيعته، دون نظام يؤطره، يسعى للنجاة والفائدة الأنانية؛ لأن الحياة صُممت لتكون اختبارًا: لمن يتبعون هذا النظام الذي يخدم البشر ويرتقي بهم، أو لمن يتخلون عنه بناءً على مصلحتهم الشخصية. خروج الإنسان من الهيكلة الأخلاقية — أي الخروج عن النظام الإلهي — يكون بدافع رغبته الذاتية وطموحه الفردي وإرادته غير المؤطرة، وهذا هو الذي أسميه شرًّا.
في الحقيقة، لا إكراه في الدين، ويجب أن يكون هناك احترام متبادل بين الناس. الإسلام كمنهج إلهي، حتى لو كرهه البعض، ينظم حياة الفرد ويجعلها للأحسن، ويبعده عن الانبطاح لعبادة شيء آخر: الأصنام، الخرافات، أو عبادة النفس والشهوة. لأن الإنسان ببساطة مختلف عن الحيوان: له عقل وإدراك، ويبحث عن قيمة في الحياة. والإسلام جاء من الإله الذي يعرف ماهية الإنسان ونفسيته كاملة كونه خالقه، فوضع منهجًا ينقذه ويجرده من عبادة شهوته، والانبطاح للعيش كحيوان. لا إكراه في الدين، ولا أحد له الحق أن يفرض عليك شيئًا. لكن أتمنى أن تتقبلي حقيقة أن كل شخص هو عبد لشيء ما: إما لشيء لا يستحق، أو للإله الذي خلقه، وهو حر في الاختيار بينهما.
إذا كان الله خالق كل شيء، فهو الذي يحدد الأخلاق الحقيقية وما هو صحيح أو خاطئ، ليس المجتمع أو العالم أو البشر، بل الإله نفسه. من الغريب أننا نناقش الإله في جودة الأخلاق حينما يكون هو المتحكم فيها وهو بادئها وهو من يحددها. يستمد الإنسان قيمته من الشيء الذي يملأ به فراغه الروحي، فدون عبودية الإله يسعى الإنسان لملء الفراغ بشتى الطرق: سواء الاعتراف، أو الانتماء، أو التجاهل وعبودية الشهوة. كل إنسان عبد لشيء ما، هو فقط له الحرية لاختيار معبوده. فعندما يختفي الإله، يبحث عن سلطة أخرى يخضع لها، أو يتجاهل ملء الفراغ ليصير حيوانًا مستهلكًا، أو يحاول تكوين جماعات كي يستطيع النجاة من جنون أنانيته.
إن تشكيل البشر لمجموعات ليس إلا وعيًا باستحالة البقاء سالمًا، كون كل شخص يبتغي حرية مطلقة تدعم أنانيته، وهذا يسبب قتلًا وفوضى، ولا أحد يخدم مصلحته خوفًا من أن تناله مصلحة الآخر وأنانيته. فيكون مجتمعًا ويصنع نظامًا يحرمه من أمور ويمنحه حرية نسبية، وذلك كي يستطيع ضمان نسبة من مصلحته دون أن يعيش في فوضى وحرب باستمرار. ولكن هذا النظام، دون فطرة إلهية أو مع اختفاء الإله من المعادلة، لا يمكنه الصمود طويلًا، كون البشر أنانيين بطبعهم. في لحظة يرون فيها أن مصلحتهم أعلى من مصلحة تماسك النظام، سيبدؤون بالثورة عليه. لذا يحتاج البشر إلى إله يحدد الخير من الشر بمعاييره الخاصة، وذلك كونه السلطة العليا، وعبوديته هي غاية الوجود. فكونه إلهًا ونحن عبيد، وكونه خالقًا ونحن مخلوقاته، هو الذي يحدد شرعية أفعاله.
إذا كنت سأعيش حياتي، فلماذا أضيعها في عبودية شهوتي؟ أليس هذا مقرفًا؟ كإنسان، أنا مختلف عن الحيوان، فلماذا أعيش مثله؟ الفراغ وعبودية الشهوة وتجاهل السؤال شيء مرعب ومخيف حقًا، وقد يشعرك بالقيمة، لكنه يرفض أن يجعلك صادقًا مع نفسك لتفكر. أو ربما تفكر وتختار عبودية الأنا والغرور والتكبر والشهوة بملء إرادتك. ولكن ماذا بعد؟ ستموت. فإن كنت ستحيا، فخير لك أن تعيش بأعظم شكل ممكن. فما الأعظم شكلًا من تلبية غايتك كبشري وعبودية إله يستحق؟ لا غاية لوجودي دون إله، فكل فعل أخلاقي أو قصدية معينة يسير الإنسان لها دون وجود الله ما هي إلا محاولة ليشعر بالقيمة، سواء الاعتراف أو أي شيء آخر.
إذا صنع البشر الأخلاق، فقد صنعوها لتنظمهم، لأنهم يعرفون أنهم لا يستطيعون العيش بدونها، لأنها تمنحهم إطارًا يمكنهم العيش فيه جميعًا دون أن يلتهموا بعضهم البعض، وكي تشعرهم أنهم يفعلون شيئًا له قيمة معينة. عندما يكون الدين مرجعية، تقوى الأنظمة، وهذا مرتبط بصلاح الدين. وعندما يكون الدين أداة أو رمزًا، تضعف الأنظمة.
إن الحياة كلها صممت لتكون اختبارًا للبشر، يخرج كل ما فيهم كمخلوقات معقدة. وإن الحياة لم تخلق كي تكون مثالية. وإنه لا يمكن للبشر تحديد الجيد من السيئ، كونهم مخلوقات أنانية تريد النجاة والبحث عن غاية. وإن عدم وجود إطار أخلاقي يجعلهم في حالة فوضى وحرب. وإن النظام الإلهي وحده من له القوة ليضمن تأطيرهم، كونه من الإله نفسه. وإن البشر يستطيعون العيش بنظامهم، ولكن ليس فيه ثقل يجعله إلزاميًا، أو وزن أو شرعية تجعله قويًا. وإن نظام الحيوانات والحياة ككل صمم ليكون بيئة مثالية لاختبار الكائن البشري.
في النهاية، أعود إلى ما بدأت به: الإنسان مخلوق واعٍ عاقل ذو قصدية معينة. كلما امتاز بالوعي والتفكير واستخدمهما لقصدية معينة، ازداد إنسانية. الأمر ليس مرتبطًا بالأخلاق وحدها، بل بوجود قصدية وإبراز للفكر والوعي للوصول إليها. سواء كانت القصدية للخير والإصلاح، أو للأنانية المطلقة التي قد تؤدي إلى الفساد، فصاحبها يحاول الاستقلال والحرية فوق الجميع. وأما الكائن المنحط دون قصدية، مجرد ردود فعل وعبد لشهواته، فهذا هو الأقل إنسانية، الأقرب إلى الحيوان.
هذا ما أراه، وهذا ما أؤمن به.
أرى أن الإنسان ليس إنسانًا بمجرد شكله البيولوجي، بل بما يمتلكه من وعي وقصدية. الإنسانية عندي درجات: كلما امتاز المرء بالوعي والفكر واستخدمهما لغاية محددة، ازداد إنسانية. هذا الأمر لا يتعلق بالأخلاق في المقام الأول، بل بوجود قصدية معينة وإبراز للفكر والوعي لتحقيقها. فالقصدية قد تكون للخير والإصلاح والحفاظ على النظام، وقد تكون للأنا والأنانية المطلقة التي قد تؤدي إلى الفساد، مع السعي إلى الاستقلال والحرية فوق الجميع. وأما الكائن المنحط الذي لا قصدية له، مجرد ردود فعل وعبد لشهواته، فهذا هو الأقل إنسانية، الأقرب إلى الحيوان.
أعتقد أن الإنسان كائن محايد في أصله، ليس شريرًا بالفطرة ولا خيرًا محضًا. لكن الله خلقه على هذه الفطرة، وجعل معها المنهج الأخلاقي الإلهي الذي ينظم حياته في كل جوانبه، مع تقييد لحريته من أجل الارتقاء الجماعي؛ لأن البشر بطبيعتهم لا يستطيعون العيش في سلام يحقق مصلحة الجميع وحرية محدودة دون إطار أخلاقي يؤطر حريتهم. والله خلق الشر في الوجود لأن طبيعة الحياة اختبار، ولم تصمم لتكون حياة مثالية. وخلق في الإنسان حرية الاختيار بين اتباع المنهج الإلهي، وبين الحرية المطلقة والأنانية. وهذا الأخير هو ما نسميه شرًّا: فعل يصدر عن الإنسان لرغبته في الاستقلال وجشعه في الحرية المطلقة.
لن أبتعد عن الواقع، سأضرب مثالًا: طفل قُتل أبوه. في البداية، لو ارتكب جريمة، فهو غير مدرك لوزن المعيار الأخلاقي، فحتى لو قتل، فهو غير واعٍ تمامًا. لكن حين كبر وبدأ يدرك أن الثأر خطأ، وأن السعي إليه لم يمنحه الراحة التي توقعها، لم يتغير، بل قرر أن يواصل القتل وارتكاب الجرائم، وبدأ يبرر موت أبيه، ويشعر بأنه ملعون، وأن المجتمع ظالم. ما نفهمه من هذه القصة أن الوعي الأخلاقي يتدرج، لكن الأخطر ليس الجهل، بل أن تدرك الصواب وتظل تكذب على نفسك وتستمر في الخطأ، لأنك وجدت عذرًا يبرر أفعالك.
لا أعتقد أن وجود الشر في العالم يعني أن الإله شرير. بل الأمر متعلق بطبيعة الحياة نفسها. الدنيا لم توجد لتكون مثالية، بل لتكون اختبارًا. والاختبار لا يكون اختبارًا حقيقيًا إلا إذا منح الإنسان حرية حقيقية: حرية أن يفعل ما يهواه، محاولًا الوصول إلى الحرية المطلقة، منغمسًا في أنانيته التي تنفعه دنيويًا ولو دمرت المجتمع من حوله، أو أن يعيش بالمنهج الإلهي الذي وُجد لينظم حياة البشر، ليعيشوا بأفضل شكل ممكن. فبدل التفرد والأنانية الناتجة عن مخالفة أوامر الله، نعيش جميعًا في نظام يرقى بنا ويحقق غاية وجودنا التي هي العبادة.
ولأن الحياة اختبار، فقد أراد الله — وهو العادل الحكيم — ألا يكون لنا عذر أمامه. فجعل هذا الاختبار، وجعل لنا شهودًا على أعمالنا، كل هذا كي لا يقول بنو آدم: لم تختبرنا. فأنت تختبر، وتعلم أنك السبب، وأنك اتخذت الأسباب، فإما أن تكون فائزًا فتعلم لماذا فزت، وإما أن تكون خاسرًا فتعلم لماذا خسرت. هذه حقيقة أؤمن بها. لقد أنزل الله الإنسان إلى هذه الحياة لغاية. لماذا؟ لأن الحياة وجدت لتكون صعبة. والإيمان ليس مجرد معرفة، بل هو جواب يحتاج إلى اليقين، وجهاد نفس، وبحث، حتى تستحقه. لأنه اختبار. لو أرانا الله نفسه، لآمنا جميعًا دون عناء. لو تذكرين الأمر، فما الفائدة من الاختبار إذن؟
خذوا مثالًا: إبليس. لم يكن ملاكًا، بل كان من الجن، تربى بين الملائكة، وكان من أكبر المؤمنين في زمانه. ثم خلق الله آدم، وجعله وذريته خلفاء في الأرض. أمر الله الملائكة وعزازيل — وهو اسم إبليس قبل أن يلعنه — بالسجود لآدم الذي خُلق من طين، بينما إبليس جان خُلق من نار. أتاه الغرور والكبر، وسوست له نفسه، فلم ينتبه للأمر، وسمح لغروره بالسيطرة عليه. ثم تنبه لماهية الأمر، وتعهد الله بإغواء بني آدم وجرهم إلى النار معه. ومع ذلك، إبليس آمن بالله ورأى عظمته حقًّا، وعرض على الله توبة في عصر نبي موسى، فأمره الله أن يذهب إلى قبر آدم ويسجد، لكنه مرة أخرى سمح لنفسه وغروره ورفض الأمر. فإبليس والكفار — أكثرهم — مدركون أن هذا الدين هو الحق، ولهم حرية الاختيار التامة حقًّا، لكنهم اختاروا طريق الخطأ امتثالًا لرغباتهم وشهواتهم وأخطائهم. ومع ذلك فهم أحرار. الله يرزق العبد فرصًا، ويعطيه إدراكات وتنبيهات وإشارات، وهو حر.
ثم أرسل الله الرسل والأنبياء، كل إلى قوم معين، لتذكيرهم برسالة الرسل من قبلهم. لكن محمدًا — عليه الصلاة والسلام — مختلف. فقد أُرسل برسالة إلى كافة البشر، رسالة للبشر في عصره وما بعده، وحفظها من التحريف. وهي رسالة تتضمن القرآن والسنة، منهاج حياة شامل مبني على الفهم العميق للطبيعة البشرية. الرسالة التي أرسلها محمد مختلفة، لأن ما أرسل سابقًا كان مرسلًا إلى أقوام لهم خصائص اجتماعية وشخصية خاصة، بينما البشر بعد النبي وفي عصره يتمتعون بنزعة مختلفة، مما يجعل منهاج محمد — عليه السلام — لا يحتاج إلى رسول بعده.
إذا كان كلام الله هو الأكمل، وإذا كان الله خالق الإنسان، فهذا يعني أنه يفهم الإنسان وجانبه النفسي فهمًا تامًا. فما يأمر به، كونه كاملًا ومبنيًّا على هذا الفهم العميق، هو الأصح والأكمل. ومهما تطور البشر في محاولة ابتكار نظام، سيجدون أنفسهم يقلدون النظام الإلهي دون شعور. وإذا قرروا الاعتماد على عقولهم فقط، متخذين من أنفسهم آلهة تحدد الصواب والخطأ، فسينتهي الأمر بكارثة، لا بنظام حقيقي. الإنسان بطبيعته، دون نظام يؤطره، يسعى للنجاة والفائدة الأنانية؛ لأن الحياة صُممت لتكون اختبارًا: لمن يتبعون هذا النظام الذي يخدم البشر ويرتقي بهم، أو لمن يتخلون عنه بناءً على مصلحتهم الشخصية. خروج الإنسان من الهيكلة الأخلاقية — أي الخروج عن النظام الإلهي — يكون بدافع رغبته الذاتية وطموحه الفردي وإرادته غير المؤطرة، وهذا هو الذي أسميه شرًّا.
في الحقيقة، لا إكراه في الدين، ويجب أن يكون هناك احترام متبادل بين الناس. الإسلام كمنهج إلهي، حتى لو كرهه البعض، ينظم حياة الفرد ويجعلها للأحسن، ويبعده عن الانبطاح لعبادة شيء آخر: الأصنام، الخرافات، أو عبادة النفس والشهوة. لأن الإنسان ببساطة مختلف عن الحيوان: له عقل وإدراك، ويبحث عن قيمة في الحياة. والإسلام جاء من الإله الذي يعرف ماهية الإنسان ونفسيته كاملة كونه خالقه، فوضع منهجًا ينقذه ويجرده من عبادة شهوته، والانبطاح للعيش كحيوان. لا إكراه في الدين، ولا أحد له الحق أن يفرض عليك شيئًا. لكن أتمنى أن تتقبلي حقيقة أن كل شخص هو عبد لشيء ما: إما لشيء لا يستحق، أو للإله الذي خلقه، وهو حر في الاختيار بينهما.
إذا كان الله خالق كل شيء، فهو الذي يحدد الأخلاق الحقيقية وما هو صحيح أو خاطئ، ليس المجتمع أو العالم أو البشر، بل الإله نفسه. من الغريب أننا نناقش الإله في جودة الأخلاق حينما يكون هو المتحكم فيها وهو بادئها وهو من يحددها. يستمد الإنسان قيمته من الشيء الذي يملأ به فراغه الروحي، فدون عبودية الإله يسعى الإنسان لملء الفراغ بشتى الطرق: سواء الاعتراف، أو الانتماء، أو التجاهل وعبودية الشهوة. كل إنسان عبد لشيء ما، هو فقط له الحرية لاختيار معبوده. فعندما يختفي الإله، يبحث عن سلطة أخرى يخضع لها، أو يتجاهل ملء الفراغ ليصير حيوانًا مستهلكًا، أو يحاول تكوين جماعات كي يستطيع النجاة من جنون أنانيته.
إن تشكيل البشر لمجموعات ليس إلا وعيًا باستحالة البقاء سالمًا، كون كل شخص يبتغي حرية مطلقة تدعم أنانيته، وهذا يسبب قتلًا وفوضى، ولا أحد يخدم مصلحته خوفًا من أن تناله مصلحة الآخر وأنانيته. فيكون مجتمعًا ويصنع نظامًا يحرمه من أمور ويمنحه حرية نسبية، وذلك كي يستطيع ضمان نسبة من مصلحته دون أن يعيش في فوضى وحرب باستمرار. ولكن هذا النظام، دون فطرة إلهية أو مع اختفاء الإله من المعادلة، لا يمكنه الصمود طويلًا، كون البشر أنانيين بطبعهم. في لحظة يرون فيها أن مصلحتهم أعلى من مصلحة تماسك النظام، سيبدؤون بالثورة عليه. لذا يحتاج البشر إلى إله يحدد الخير من الشر بمعاييره الخاصة، وذلك كونه السلطة العليا، وعبوديته هي غاية الوجود. فكونه إلهًا ونحن عبيد، وكونه خالقًا ونحن مخلوقاته، هو الذي يحدد شرعية أفعاله.
إذا كنت سأعيش حياتي، فلماذا أضيعها في عبودية شهوتي؟ أليس هذا مقرفًا؟ كإنسان، أنا مختلف عن الحيوان، فلماذا أعيش مثله؟ الفراغ وعبودية الشهوة وتجاهل السؤال شيء مرعب ومخيف حقًا، وقد يشعرك بالقيمة، لكنه يرفض أن يجعلك صادقًا مع نفسك لتفكر. أو ربما تفكر وتختار عبودية الأنا والغرور والتكبر والشهوة بملء إرادتك. ولكن ماذا بعد؟ ستموت. فإن كنت ستحيا، فخير لك أن تعيش بأعظم شكل ممكن. فما الأعظم شكلًا من تلبية غايتك كبشري وعبودية إله يستحق؟ لا غاية لوجودي دون إله، فكل فعل أخلاقي أو قصدية معينة يسير الإنسان لها دون وجود الله ما هي إلا محاولة ليشعر بالقيمة، سواء الاعتراف أو أي شيء آخر.
إذا صنع البشر الأخلاق، فقد صنعوها لتنظمهم، لأنهم يعرفون أنهم لا يستطيعون العيش بدونها، لأنها تمنحهم إطارًا يمكنهم العيش فيه جميعًا دون أن يلتهموا بعضهم البعض، وكي تشعرهم أنهم يفعلون شيئًا له قيمة معينة. عندما يكون الدين مرجعية، تقوى الأنظمة، وهذا مرتبط بصلاح الدين. وعندما يكون الدين أداة أو رمزًا، تضعف الأنظمة.
إن الحياة كلها صممت لتكون اختبارًا للبشر، يخرج كل ما فيهم كمخلوقات معقدة. وإن الحياة لم تخلق كي تكون مثالية. وإنه لا يمكن للبشر تحديد الجيد من السيئ، كونهم مخلوقات أنانية تريد النجاة والبحث عن غاية. وإن عدم وجود إطار أخلاقي يجعلهم في حالة فوضى وحرب. وإن النظام الإلهي وحده من له القوة ليضمن تأطيرهم، كونه من الإله نفسه. وإن البشر يستطيعون العيش بنظامهم، ولكن ليس فيه ثقل يجعله إلزاميًا، أو وزن أو شرعية تجعله قويًا. وإن نظام الحيوانات والحياة ككل صمم ليكون بيئة مثالية لاختبار الكائن البشري.
في النهاية، أعود إلى ما بدأت به: الإنسان مخلوق واعٍ عاقل ذو قصدية معينة. كلما امتاز بالوعي والتفكير واستخدمهما لقصدية معينة، ازداد إنسانية. الأمر ليس مرتبطًا بالأخلاق وحدها، بل بوجود قصدية وإبراز للفكر والوعي للوصول إليها. سواء كانت القصدية للخير والإصلاح، أو للأنانية المطلقة التي قد تؤدي إلى الفساد، فصاحبها يحاول الاستقلال والحرية فوق الجميع. وأما الكائن المنحط دون قصدية، مجرد ردود فعل وعبد لشهواته، فهذا هو الأقل إنسانية، الأقرب إلى الحيوان.
هذا ما أراه، وهذا ما أؤمن به.
يستمد الانسان قيمته من الشيء الذي يملأ به فراغه الروحي فدون عبودية الاله يسعى الانسان لملأ الفراغ بشتى الطرق سواء الاعتراف او الانتماء او التجاهل وعبودية الشهوة ،كل انسان عبد لشيء ما هو فقط له الحرية لختيار معبوده فعندما يختفي الاله يبحث عن سلطة اخرة يخضع لها او يتجاهل ملأ الفراغ ليصير حيوان مستهلك او يحاول تكوين جماعات كي يستطيع النجاة من جنون انانيته اي تشكيل البشر لمجموعات ليس الا وعي باستحالة البقاء سالما كون كل شخص يبتغي حرية مطلقة تدعم انانيته وهذا يسبب قتلا وفوضى ولا احد يخدم مصلحته خوفا من ان تناله مصلحة الاخر وانانيته فيكون مجتمعا ويصنع نظاما يحرمه من امور ويحعله حرية نسبية وذالك كي يستطيع ضمان نسبة من مصلحته دون ان يعيش في فوضى وحرب باستمرار ولكن هذا النظام دون فطرة الهية او اختفاء الاله من المعادلة لا يمكنه صمود طويلا كون البشر انانيون بطبعهم في لحظة يرو ان مصلحتهم اعلى من مصلحة تماسك النظام سيبدون بثورة عليه لذا يحتاج البشر الى اله يحدد الخير من الشر بمعايره الخاصة وذالك كونه السلطة الاعلى وعبوديته هي غاية الوجود فكونه اله ونحن عبيد كونه خالقا ونحن مخلوقاته هو لذي يحدد شرعية افعاله
The first:
“What we used to tell right from wrong… has become a void.”
He stopped. Let the word settle. Then went on:
“When Violette dismantled the old faith. When he demolished its foundations. He left us ‘the method of inquiry’, yes. But he did not leave us ‘the standards’. He did not leave us anything to measure by. What was right yesterday… who says it is right today? What was wrong… who says it is still wrong?”
He looked directly at Anir. There was no challenge in his eyes, only explanation.
“The standards we follow now… we follow them out of necessity. Out of the necessity to preserve the cohesion of society. The cohesion of the state. And because they give us a value. A value that stops us from collapsing into the void Violette left behind.”
He leaned forward slightly. His voice dropped, but grew heavier:
“So if the interest of the state… is the supreme value that grants us cohesion… then the interest of the state is higher than morals that no longer hold any value. As it stands.”
The second:
“Religion… is no longer an end. Religion has become a symbol.”
He stopped. The words were coming out of him with difficulty, as if each one was tearing something out of his chest.
“The end… is what we live for. It is the reason for our existence. It is what gives life meaning. It is what fills ‘here’. And religion… it should have been that end. It should have been the reason. It should have been what we live and die for. But it…”
He lifted his eyes at last. Looked at the men around him. At their waiting faces.
“It has become secondary. It has become a symbol. It has become an identity… not a creed. It has become something we carry to know who we are in the face of others… not to know who we are in the face of ourselves. In the face of our Lord.”
He lowered his gaze to the ground again. His voice dropped further.
“And this is our real sickness. It is not the terrorists. It is not the secularists. It is not the Sultanate of Fuj Danesh. These are all symptoms. The disease… is that religion is no longer an end. It has become a symbol. And symbols… are raised and set aside. Used and abandoned. As for the end… the end is what raises us. Or abandons us… if we abandon it.”
A long silence fell. No one wanted to speak. They knew he had said what was in all their chests. What they had been afraid to utter.
اي باختصار الخير خير لان الله امر به كذالك اذا كان الله خالق كل شيء فلذي يحدد الاخلاق الحقيقية وماهو صحيح او خاطئ ليس المجتمع او العالم او البشر بل الاله نفسه من الغريب اننا نناقش الاله في جودة الاخلاق حينما يكون هو المتحكم فيها وهو بادئها وهو من يحددها يستمد الانسان قيمته من الشيء الذي يملأ به فراغه الروحي فدون عبودية الاله يسعى الانسان لملأ الفراغ بشتى الطرق سواء الاعتراف او الانتماء او التجاهل وعبودية الشهوة ،كل انسان عبد لشيء ما هو فقط له الحرية لختيار معبوده فعندما يختفي الاله يبحث عن سلطة اخرة يخضع لها او يتجاهل ملأ الفراغ ليصير حيوان مستهلك او يحاول تكوين جماعات كي يستطيع النجاة من جنون انانيته اي تشكيل البشر لمجموعات ليس الا وعي باستحالة البقاء سالما كون كل شخص يبتغي حرية مطلقة تدعم انانيته وهذا يسبب قتلا وفوضى ولا احد يخدم مصلحته خوفا من ان تناله مصلحة الاخر وانانيته فيكون مجتمعا ويصنع نظاما يحرمه من امور ويحعله حرية نسبية وذالك كي يستطيع ضمان نسبة من مصلحته دون ان يعيش في فوضى وحرب باستمرار ولكن هذا النظام دون فطرة الهية او اختفاء الاله من المعادلة لا يمكنه صمود طويلا كون البشر انانيون بطبعهم في لحظة يرو ان مصلحتهم اعلى من مصلحة تماسك النظام سيبدون بثورة عليه لذا يحتاج البشر الى اله يحدد الخير من الشر بمعايره الخاصة وذالك كونه السلطة الاعلى وعبوديته هي غاية الوجود فكونه اله ونحن عبيد كونه خالقا ونحن مخلوقاته هو لذي يحدد شرعية افعاله لا غاية لوجودي دون اله فكل فعل اخلاقي او قصدية معينة يسير الانسان لها دون وجود الله ماهي الا محاولة ليشعر بلقيمة سواء الاعتراف او اي شيء اخر اذا صنع البشر الاخلاق فقد صنعوها لتنظمهم لانهم يعرفون انهم لا يستطيعون العيش بدونها لانها تمنحهم اطار يمكنهم العيش فيه جميعا دون ان يلتهمو بعضهم البعض وكي يشعرهم انهم يفعلون. شيئا له قيمة معينة