هل كان حلماً؟.. الجزء الثاني من 'لحن المعاناة'
بناءً على طلبكم، هذا هو الجزء الثاني من 'لحن المعاناة'. الحقيقة أنني أكتب هذا وأنا لا أزال أشعر ببرودة تلك الغرفة.. أخبروني، هل تعتقدون أن ما حدث كان حقيقياً أم أنها مجرد هلوسة؟
بمجرد أن أطبقتُ ذراعيّ حوله، شعرتُ بـ ‘شرارة’ باردة تسري في جسده. لم يكن يعانقني، بل كان ينهار. بدأت خصلات شعره ترتجف تحت ذقني، ثم تحولت الرجفة إلى ارتجافٍ عنيف هزّ أركان المكان. تراجعتُ خطوة، لكنني توقفتُ حين لمست يدي شيئاً لزجاً على وجهه.. لم يكن دمعاً، بل كان دماً يتدفق من أنفه بغزارة. نظرتُ إلى يدي، ثم إليه؛ كان ينظر إليّ بعينين زائغتين، غير مدرك لما يحدث لجسده، بينما بدأ رأسي أنا الآخر يضجُّ بضغطٍ مفاجئ، وكأن عروقي استجابت لدمائه.. وفجأة، شعرتُ بقطراتٍ ساخنة تلسع شفتي العليا. لمسته بيدي؛ لقد بدأتُ أنزف أيضاً.
لم يكن النزيف مجرد حادث. سقط جسده بين يديّ كأنما انتُزعت منه الحياة دفعة واحدة، وبدأ الظلام يبتلع وعيه في غيبوبةٍ باردة. في تلك اللحظة، لم أصرخ، ولم أستنجد بأحد.. أصابني جنونُ الفقد. رأيته يذبل، فضممته إليّ بقوةٍ مفرطة، كأنني أريد إعادة ضخ الحياة في عروقه الميتة. شعرتُ بالدم الساخن يلوث قميصي، وبدلاً من أن أنفر، غمرني شعورٌ بالنشوة الممزوجة بالرعب. عرفتُ في تلك اللحظة وبوضوحٍ مرعب أنني مستعدة لفتح عروقي لأجلِ أن ينهض. لم يكن مجرد حب، كان رغبةً في التماهي. اقتربتُ منه والدم يقطر من أنفي على وجهه، كنتُ أبحث عن نقطة التقاء بين دمي ودمه. هل كان هذا هو العهد؟ أن نتحد في السقوط؟ حملتُ وجهه بين كفّي الملطختين، وهمستُ في أذنه وسط غيبوبته: “خذ ما تشاء.. خذني كاملة، فقط لا تغادر”.
توقف الزمن، ومن فرط التعب والجنون، غرقنا في غفوةٍ عميقةٍ تشبه الموت. تشابكت أطرافنا الملطخة، وغلبتنا السكينة وسط ركام هذا الانهيار، وكأننا في معزلٍ عن فوضى العالم. لكن، أيقظتني أصواتُهم في الخارج.. طرقاتٌ عنيفة على الباب، نداءاتٌ باسمي تكسر صمت الغرفة. فتحتُ عينيّ بذعرٍ لأجد الغرفة فارغة. لا دماء، لا أثر لرجفته، ولا هو.
نظرتُ إلى يديّ؛ كانت نظيفةً تماماً، كأنها لم تلمس قط تلك الهاوية. قمتُ مفزوعة، والنداءات تتعالى؛ هل كانت غيبوبةً طويلة؟ هل عشتُ هذا في بُعدٍ آخر، أم أنني استيقظتُ من حلمٍ ترك في دمي رائحةً لا تزال تلسعُ روحي؟ خرجتُ إلى ضجيج الصباح، أمشي وأنا أشعر أنني لا أنتمي لهذا العالم، وأن نصف روحي ما زال عالقاً في تلك الغرفة التي لم توجد أبداً.
لم أكن أفكر في معنى وجوده، بل كنتُ أبحث عن أثرٍ له في هذا العالم. وحين عدتُ لأبحث، وجدتُ قلادته المعدنية التي رأيتها في الحلم؛ كانت لا تزال دافئة، دافئة بشكلٍ مرعب. دفعتها في جيبي وخرجتُ من الغرفة وأنا أرتجف؛ لم يكن البرد هو السبب، بل شعورٌ غريب بأن ثقلاً ما يتبع خطواتي. في ممرات الجامعة، كنتُ أراقبُ الوجوه بتركيزٍ جنوني. لم أكن أبحث عن طالبٍ أو صديق، كنتُ أبحث عن ‘تلك’ الرجفة؛ عن شخصٍ يحمل نفس الشحوب الذي رأيته في الغرفة. أصابعي لم تغادر جيبي، كنت أضغط على القلادة بقوة لدرجة أن حوافها المعدنية جرحت جلدي.
لم أعد أهتم بالدراسة ولا بضجيج المدرسة. كل ما كان يشغلني هو السؤال الذي يطاردني في كل ممر: إذا كانت الغرفة فارغة.. فمن أين جاءت القلادة؟
توقفتُ فجأة عند مدخل الجامعة حين سمعتُ صوتاً.. ليس صوتاً عادياً، بل نبرةً مألوفة، نبرةً جعلت دمي يتجمد في عروقي. التفتُ ببطء، والقلادة في يدي تزداد حرارتها كأنها تحذرني.. كان واقفاً هناك، عند زاوية الممر، بنفس المعطف الاسود الذي رأيته يرتديه في الغرفة. كان حياً، حقيقياً، وكان ينظر في اتجاهي...
اللحظة التي واجهته فيها.. كانت البداية لشيءٍ أكبر مما توقعت. هل الحقيقة في انتظارنا، أم أننا نسير نحو الهاوية؟ نلتقي في الجزء الأخير لنغلق هذه الدائرة.
رابط الجزء الاول https://www.reddit.com/r/dz_readers/comments/1uahomz/a_story_about_obsession_distance_and_emotional/