سجن الادرك ماذا لو
حين تمسّك الشاهد الوحيد بروايته، صدر حكم المملكة سريعًا.
الإعدام حرقًا.
لكن قبل ذلك بيومٍ واحد، كانت القلعة ما تزال تؤمن بأنها العالم كله.
أسوارها الترابية امتدت فوق التلال منذ أجيال، حتى بدا للناس أن ما وراءها لا يمكن أن يحتوي شيئًا مهمًا. الحراس يحرسون الحدود، الفلكيون يراقبون النواة المضيئة في السماء، والعلماء يفسرون كل ظاهرة ضمن القوانين المعروفة.
كان العالم مفهومًا. وهذا وحده كان كافيًا ليشعر الجميع بالأمان.
في صباح الحادثة، خرجت دورية الشمال كعادتها.
ثمانية جنود عبروا الممر الحجري الضيق قرب الحافة العليا للتلال. الريح خفيفة، والضوء ثابت، ولا شيء يوحي بأن الكون على وشك أن يكشف جزءًا صغيرًا من نفسه.
ثم اختفى الضوء.
ليس تدريجيًا، بل دفعة واحدة، كأن شيئًا مرّ فوق السماء.
توقفت الدورية.
رفع أحد الجنود رأسه أولًا، ثم تبعه البقية.
شيء هائل كان يتحرك فوقهم.
لم يعرفوا ماذا رأوا بالضبط. لم تمتلك لغتهم كلمات تكفي لوصفه. كل ما أدركوه أنه أكبر من أي شيء عرفوه، وأن السماء نفسها اختفت خلفه للحظة قصيرة.
ثم جاءت الريح.
ضغطٌ ساحق هبط على التلال بعنفٍ مفاجئ، فتهشمت الصخور، وانقلب التراب، وسُحقت الأجساد تحت قوةٍ لم تفهمها عقولهم حتى وهم يموتون.
وبعد ثوانٍ فقط… عاد كل شيء هادئًا.
عاد الضوء. عادت السماء. وكأن شيئًا لم يحدث أصلًا.
من بين الحجارة، خرج ناجٍ واحد.
ظلّ أيامًا لا يتكلم. وحين تكلم أخيرًا، لم يسأل عن رفاقه.
قال فقط:
“نحن لسنا وحدنا.”
في القاعة العليا، حاول العلماء تفسير الكارثة كما يجب أن تُفسَّر الكوارث دائمًا: ضمن حدود العالم المعروف.
قال كبير الفلكيين إن ما حدث اضطراب جوي نادر. وقال مهندس الأسوار إن التلال أطلقت ضغطًا حراريًا مجهولًا. وبدا الجميع مرتاحًا ما دامت الظاهرة قد حصلت على اسم.
ثم وقف الجندي.
كان شاحبًا بصورة أزعجت الحاضرين أكثر من جروحه.
قال:
“لم يكن شيئًا طبيعيًا.”
ساد الصمت.
“كان هناك… كائن.”
انخفضت بعض الرؤوس. ليس خوفًا، بل حرجًا.
أكمل بصوتٍ متقطع:
“شيء ضخم جدًا مرّ فوقنا. ربما لم يرنا أصلًا. ربما نحن صغار إلى درجة أن وجودنا لا يعني له شيئًا.”
ضحك أحد العلماء.
أما كبيرهم، فظل ينظر إليه طويلًا قبل أن يسأله:
“وهل تريد من المملكة أن تعيد بناء فهمها للعالم بسبب ما ظننته رأيته في لحظة رعب؟”
لم يُجب الجندي مباشرة.
رفع عينيه نحو سقف القاعة، كأنه ما يزال عاجزًا عن النظر إلى السماء دون خوف.
ثم قال بهدوء:
“أنا لا أطلب منكم التصديق. أنا فقط رأيته.”
في اليوم التالي، أُعلن أنه مختل.
وبعد انتشار قصته بين الناس، أصبح زنديقًا.
أما الحقيقة، فكانت أخطر من أن تُناقش.
لأن الاعتراف بكلامه يعني أن القلعة العظيمة ليست سوى مكان صغير داخل عالم أوسع بكثير من قدرة المملكة على الإدراك.
ويعني أيضًا أن علومهم كلها قد لا تكون أكثر من محاولات بدائية لفهم آثار أشياء لا تعلم أصلًا بوجودهم.
لهذا، كان موته أسهل من التفكير فيما قاله.
احتشد الناس في ساحة الإعدام قبل الغروب.
رُبط الجندي إلى العمود، بينما تلا القاضي الحكم أمام الحشود المرتجفة:
“لقد نشر هذا الرجل أوهامًا تهدد استقرار العالم.”
حين سمع الجملة، ابتسم.
ليس سخرية. بل تعبًا.
ثم اشتعلت النيران.
ارتفعت ألسنة اللهب ببطء، وتصاعد الدخان نحو السماء الهادئة فوق القلعة العظيمة.
وفي لحظاته الأخيرة، لم ينظر الجندي إلى الناس، ولا إلى النار.
كان ينظر إلى الأعلى فقط.
وكأنه ينتظر أن يمر ذلك الشيء مرة أخرى…
ذلك الكائن الهائل، الذي ربما عبر فوقهم صدفةً ذات يوم، دون أن يدرك أبدًا أن هناك، تحت ظله العابر، مملكة كاملة أحرقت نمله لأنه رآه.
و انت يا من تقراني الان انها فقط مملكات نمل و هذا لم يحدث معانا بعد و ربما حدث و احرقنا الشهود ربما