استيقظتُ متأخرًا ككل يومٍ أمرّ به منذ قرابة عشرين سنة. كهلٌ وحيد في منزلٍ صغير، لديه إطلالة ممتازة، على الأقل كان هذا نجاحي الوحيد في هذه الحياة. أنظر من نافذتي كل ليلة إلى المحيط، أتغنّى بأصوات الموج المرتطمة بالرمال. تارةً أتخيّل أغاني الحوريات التي تناديني باستمرار للالتحاق بهم.
ليلة هادئة ينيرها ضوء القمر، منظرٌ وددت الموت من أجله، ولكن لا يوجد من أشاركه فيه. وحيدًا في عالمٍ أنظر نحوه من نافذة فقط.
قد تخلى عني الجميع، أو بالأحرى قد تخليتُ عنهم. لم أستطع الانسجام معهم، لم يفهم أحدٌ ما يجول في عقلي. قد كنتُ الفاشل بينهم، بشريٌّ تجسدت فيه معظم الخطايا السبع المميتة، فكيف لبشرٍ أن يسير مع العتمة إلى الأبد؟
ولكن كانت نقطة الانهيار عند استيقاظي، حين لم أرَ ظلي يتبعني. كان جالسًا أمامي، والصمت يعمّ المنزل، وكأن العالم قد توقف. حتى الطيور لم يعد لها صوت، عمّ السكون، وأصبح للجماد كلام، فأصبحت أفهم ظلي دون أن يكلمني.
قد أصابه الملل واليأس مني، فأراد الفراق. هو الآخر لم يعد باستطاعته البقاء ساكنًا مثلي، حتى إن لونه الأسود بدأ يزول، مما أثار سخطه. أراد الحياة رغم أنه مجرد جماد.
أصبحت وحيدًا تمامًا الآن، حتى إنني بدون ظل. فهل أنضم للحوريات؟ قد سمعتُ أنه يجول العالم، ولا ينظر إليه من نافذة صغيرة. قد حقق حلمي ولم يعد وحيدًا، لقد وجد الأمان والسعادة، سدّ الفراغ الذي لطالما وُجد بداخلي عندما كنت فاقدًا لهويتي.
اخترع لنفسه حياة لن يملّ منها. قد قصّها عليّ عندما رجع بعد عقود من هجراني. لم يجد صعوبة في لقائي، لازلتُ في مكاني، لم أتحرك منه. كان الغبار يملأ المكان، فلم أقوَ على الحركة في أيامي الأخيرة.
سيموت هو أيضًا، ولكن الفرق بيننا أنه حقق حلمي، ولم أستطع يومًا الخروج من عالمي. قد تجسدت كل الخطايا الآن بعدما شعرت بالجشع والحسد. كيف لجمادٍ أن يعيش كإنسان، وأن أعيش أنا كجماد تقتله الوحدة باستمرار؟