مِيلُ الظِّلالِ وسَكِينَةُ التَّكْلِيف
في سورة النساء، يتجلى ميزان الله كحصنٍ مشيد لحماية كل مستضعف؛ يتحدث الخالق عن اليتامى، والأموال، والبيوت، والعهود، ليرسم للبشر طريقاً أبيض لا جور فيه ولا ظُلم. وفي قلب هذه الأحكام، وضع الله شروطاً صارمة لتعدد الزوجات، لم تجعل التعدد نزهة ترفيهية للنفس، بل جعلته منظومة رعاية وفداء، قوامها كفالة يتامى الحروب، ومسح دموع الأرامل بعرق الجبين.
الآية واضحة في سياقها الروحي والاجتماعي العظيم:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾
لقد جاء هذا الحكم تطييباً لقلوب كافلي الأيتام الذين خشوا الحرج الاجتماعي والسمعة في بيئة صلبة، ففتح الله لهم باباً شرعياً لضمّ الأمهات وأطفالهنّ تحت سقف واحد لتتحول الكفالة إلى أُبُوّة كاملة. واشترط الله في هذا الجمع ميزاناً حاداً كالشفرة: "العَدل"؛ ليس فقط في النفقة والمبيت، بل في عدم التفرقة بين يتيمٍ ويتيم، وبين طفلٍ وطفل من أمهات مختلفات. فإن اهتزّ هذا الميزان في قلب الرجل بمجرد الخوف:
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾
لكنّ النفس البشرية، في جبلّتها الأولى، تميل نحو التخفف من الأعباء، واقتناص الرخص، وترك الواجبات. وحين يغيب التأمل في كتابٍ يحوي آلاف الآيات، يستسهل الكثيرون أخذ جواب الشرط وطمس سببه الوجودي، فيحولون "التكليف الثقيل" إلى "شهوة عابرة"، تضيع في زحامها حقوق الزوجة الأولى أو الأيتام. وهنا تحديداً، يفتح القرآن نافذة كبرى تكشف لِماذا يميل الناس إلى المفاهيم المغلوطة، فيقول الله في ذات السورة:
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾
إن الاندفاع خلف التأويلات التي تخدم الهوى، هو "الميل العظيم" الذي يجرف الإنسان بعيداً عن جوهر الشريعة الطاهرة. ولعل مأساة واقعنا تكمن في أننا ارتضينا أن نتلقى أحكام هذا الدين العظيم من أفواه الناس، ومن عادات "ساداتنا وكبراءنا" الذين ورثوا المفاهيم كابراً عن كابر دون تمحيص. لقد استسهل المجتمع سماع الأحكام مُعلّبة ومفصلة على مقاس الأهواء، بدلاً من ردّها إلى ميزانها الأول والأوحد: إلى الله ورسوله، إلى محكم القرآن وصحيح السُّنّة.
إن الاكتفاء بـ "قالوا لنا" وهجران النص الإلهي الحَكَم ليس مجرد خطأ معرفي، بل هو إثمٌ نتحمل وزنه فرادى يوم القيامة. هذا الاتكال الأعمى هو الذي قادنا إلى الشكوى الوجودية المريرة التي خلدها الفرقان:
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾
لقد هُجِر القرآن حين عُطِّل ميزان العدل فيه، وحين حُوِّلت آيات الحماية والرأفة بالضعفاء إلى رخص للمتعة والتهاون بالعهود. أصحاب الشهوات لا يريدون من الدين ضوابطه ومسؤولياته، بل يريدون تسويغ رغباتهم، فإذا جئتَ تذكرهم بأصل الحكم وشروطه الإنسانية النبيلة، استوحشوا من النور، ونعتوا الصادق بالغرابة أو الكذب، تماماً كما قال قوم صالح لنبيهم: ﴿قَدْ كُنْتَ فيِنَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَٰذَا﴾.
نحن لا نكتب لننتصر لأنفسنا، ولا لنشعل حرباً في بيئةٍ اعتادت عتمة الموروث؛ فمن عاش في الظلمة دهراً يحتاج إلى نبعٍ من الرفق واللين كي يبصر، لا إلى شمسٍ تحرقه. نحن نكتب لنرفع عن أنفسنا وزر "الهجران"، ولنذكر فقط بأن ميزان الله لا يجور، وأن بيوته تُبنى برحمته لا بانكسار القلوب، وأن "الغرابة" الحقيقية اليوم هي أن نعود للقرآن غضاً طرياً كما أُنزل، ليرشدنا إلى رب الأسباب في زمن كثر فيه المتفرجون خلف الزجاج.