الهيمنة لا الهوية: في القومية ونقادها ومقاومة بلا عدو

الهيمنة لا الهوية: في القومية ونقادها ومقاومة بلا عدو

الصورة من الانتفاضة الفلسطينية الاولى 1988

مقال طويل حجته المركزية كالتالي: يمتلك البشر حاجة عميقة ومتكررة إلى هوية جمعية تمنح الانتماء والاستمرار والفاعلية؛ والقومية ليست هذه الحاجة في ذاتها، بل أحد أوعيتها التاريخية الحديثة. وقد دفعت التجربة الأوروبية الكارثية نمطًا مهيمنًا من التراث الليبرالي إلى معاملة القومية بوصفها علامة على عدم النضج، ثم اكتسب هذا الحكم قدرة مؤسساتية على تعريف صورة الشعب المتقدم وتصديرها عبر بعض مشاريع بناء الدول والأمم والتنمية. لكن رفض القومية لم يُلغِ الحاجة إلى «نحن»؛ بل أعاد إنتاجها في هويات ليبرالية وأوروبية وكونية تقدم نفسها بوصفها تجاوزًا للهوية. لا يحاكم المقال هذا التحول بوصفه خيرًا أو شرًا، بل يكشفه جينالوجيًا؛ وحين ينتقل لاحقًا إلى الحكم الأخلاقي يجعل الهيمنة، لا مجرد وجود الهوية، معيار التقييم.

رابط المقال على substake: الهيمنة لا الهوية: في القومية ونقادها ومقاومة بلا عدو

مدخل

حين يعلن مجتمعٌ ما أنه تجاوز القومية، لا يعني ذلك بالضرورة أنه تجاوز حاجته إلى أن يقول «نحن». قد تصبح الحماسة القومية موضع ريبة، وقد تُعامَل الهوية الكثيفة بوصفها أثرًا من ماضٍ لم يبلغ أصحابه النضج السياسي بعد؛ لكن السردية المشتركة، والفخر بالانتماء، وحدود الداخل والخارج، والصورة التي ترسمها الجماعة عن ذاتها لا تختفي. إنها قد تعود تحت أسماء أكثر كونية وحيادًا في الظاهر: «أوروبا»، و«الديمقراطيات»، و«العالم الحر»، و«المجتمع الدولي». من هذه المفارقة يبدأ هذا المقال: لا من الدفاع عن القومية ولا من إدانتها، بل من الشك في أن حاجة البشر إلى هوية جمعية تزول لمجرد أن أحد أوعيتها التاريخية فقد شرعيته. فربما لم تختفِ الهوية حين أُعلن تجاوزها؛ ربما اغتربت عن اسمها، وأصبحت معاداة القومية نفسها هويةً لا ترى نفسها كذلك.

١. الحاجة التي لا تختفي

أنطلق من فرضية أريد اختبارها لا تهريبها بوصفها حقيقة مكتملة: البشر لا يعيشون بالمصالح والعقود والمؤسسات والتعاون العقلاني وحده؛ إنهم يحتاجون أيضًا إلى «نحن» تمنحهم الانتماء والاستمرار والمعنى والقدرة على الفعل المشترك. وأسمي هذه الحاجة طبيعية بمعنى محدود: ليست اختراعًا أيديولوجيًا يمكن محوه بقرار، بل ميلًا إنسانيًا متكررًا ومتصلًا بكون البشر كائنات اجتماعية متجسدة لا توجد إلا داخل علاقات وذاكرات مشتركة. لا يعني ذلك أن القومية نفسها مكتوبة في تكوين النوع البشري، ولا أن لنا غريزة بيولوجية في الدولة والعَلَم والحدود؛ فالقومية وعاء تاريخي حديث نسبيًا، أما الحاجة التي حملتها فأقدم وأوسع منها، وقد حملتها قبلها القبيلة والملّة والمدينة والطبقة وغيرها.

المشكلة إذن ليست أن أوروبا جرّبت القومية ثم رفضتها. ثمة نمط مؤثر من التراث الليبرالي الأوروبي (مع تحفظ شديد من السقوط في التعميم المفرط) تشكّل تحت وقع تجربة تاريخية ذات خصوصية: التنافس الإمبراطوري، والحربان العالميتان، والفاشية، والنازية، والإبادة. داخل هذه التجربة ارتبطت القومية في الوعي السياسي بما ينبغي للمجتمعات الناضجة أن تتجاوزه. ثم لم يبق هذا الحكم شأنًا أوروبيًا داخليًا؛ فقد اكتسب، عبر تفوق المؤسسات التي حملته، قدرة على تعريف الشعوب «المتقدمة» وتعليم المجتمعات الأخرى الصورة المقبولة للأمة والهوية والمواطنة، بما في ذلك عبر بعض مشاريع بناء الدول والأمم والتنمية والإصلاح.

لا أتعامل هنا مع «الغرب» بوصفه عقلًا واحدًا أو كتلة بشرية متجانسة. ففي داخله قوميات قوية، وتقاليد اشتراكية ومحافظة وأناركية وما بعد استعمارية، وحركات قاومت الإمبراطورية والحرب والعنصرية. موضوعي أضيق: تشكيلة ليبرالية مهيمنة امتلكت من القدرة المؤسسية ما جعل تجربتها الخاصة معيارًا عامًا للنضج السياسي. والمفارقة التي أريد فحصها هي أن هذه التشكيلة لم تُلغِ الحاجة إلى «نحن»؛ بل أعادت تنظيمها تحت أسماء مثل «أوروبي»، و«ليبرالي»، و«ديمقراطي»، و«العالم الحر»، و«المجتمع الدولي». لقد اغتربت الحاجة عن اسمها: صار رفض القومية نفسه، لدى كثيرين، أساسًا لهوية جمعية تتخيل أنها تجاوزت الهوية.

هذا ليس حكمًا بأن التحول جيد أو سيئ. قد تكون الهوية الجديدة أوسع وأقل عنفًا من قوميات سبقتها، وقد تكون بعض مؤسساتها قد قيّدت الحرب وحمت أفرادًا من تغوّل جماعاتهم. سؤالي وصفي وجينالوجي قبل أن يكون معياريًا: كيف تحولت خبرة تاريخية بعينها إلى صورة كونية للمجتمع الناضج؟ وكيف استمرت وظائف الهوية تحت خطاب يعلن تجاوزها؟

٢. الحاجة إلى «نحن»

لنبدأ من الأسفل. هل يستطيع البشر أن يعيشوا معًا بالمصالح والعقود والمؤسسات والتعاون العقلاني وحدها؟ يقدم توماس هوبز في الليافيثان نموذجًا صارمًا لاجتماع سياسي لا يحتاج إلى محبة متبادلة. ومع ذلك، لا يكفي عنده توافق المصالح ولا العهد وحده؛ فلا يصبح الاتفاق ثابتًا إلا حين تتحد الكثرة في شخص سياسي واحد، هو الدولة أو «الإله الفاني»، يمتلك القوة اللازمة لحفظ السلم والدفاع المشترك. أما هيغل فقلب المسألة رأسًا: الحرية لا تتحقق في فرد مجرد يوقّع العقود، بل في حياة أخلاقية مشتركة يتعرّف فيها الأفراد على أنفسهم في مؤسساتهم، ويعترف بعضهم ببعض ذواتًا حرة. الانتماء عنده ليس قيدًا على الحرية بالضرورة، بل الوسط الذي لا تكتسب الحرية مضمونها الاجتماعي إلا فيه.

ومن خارج هذا النسب الأوروبي، صاغ ابن خلدون فكرة قريبة بمفردات أخرى: العصبية ليست انفعالًا قبليًا فائضًا عن حاجة السياسة، بل قوة اجتماع ونصرة لا يقوم الملك من دونها، ثم يهددها الترف حين يستقر السلطان. لا تتطابق هذه الأنساب الفكرية الثلاثة، ولا يصح جمعها في نظرية واحدة؛ لكنها تلتقي عند حد أدنى: الاجتماع السياسي لا يقوم طويلًا على المصلحة العارية.

لكن ينبغي هنا تمييز حاجتين لا حاجة واحدة. الأولى سوسيولوجية وظيفية: تحتاج المجتمعات الكبيرة قدرًا من التماسك والثقة المعممة والسرديات المشتركة كي تعمل مؤسساتها، وألا تتحول كل معاملة إلى مواجهة بين غرباء متوجسين. والثانية فردية متجسدة: يحتاج الإنسان انتماءً وأمانًا واستمرارية ومعنى؛ يحتاج أن يكون جزءًا من «نحن» تسبق ولادته وتبقى بعد موته، وتمنح حياته المحدودة موضعًا في قصة أطول منها. الأولى تتصل بشروط انتظام المجتمع، والثانية بكيفية عيش الفرد لنفسه بين الآخرين. والخلط بينهما ينتج مغالطتين متعاكستين: اختزال الانتماء إلى «غراء اجتماعي» نافع يمكن استبدال أي لاصق به، أو تضخيمه إلى غريزة قبلية حتمية تبرر كل تعصب.

لذلك لا أزعم أن القومية ضرورة بيولوجية، ولا أحتاج إلى ردّها إلى علم النفس التطوري. يكفيني ادعاء بسيط: صور «النحن» تتكرر بعناد في التاريخ، بينما تتغير أوعيتها وحدودها ومضامينها. الحاجة ثابتة نسبيًا، والوعاء منتَج؛ بل إن ما يبدو تجاوزًا للوعاء قد يكون أحيانًا انتقالًا للحاجة إلى وعاء آخر.

على أن لكل «نحن» حدًا يفصلها عما ليس منها، لكن رسم الحد ليس هو الهيمنة بعد. قد يكون الحد منفذًا أو مسوّرًا، سياسيًا أو عرقيًا، قابلًا للعبور أو مغلقًا بالدم؛ وقد ينظم اختلافًا بين جماعتين من غير أن يرتبهما، كما قد يتحول إلى سلّم يضع جماعة فوق أخرى. بل إن جماعات كثيرة لا تكتفي بإقصاء الآخر بعد اكتمالها، وإنما تتماسك عبر إقصائه. لا ينبغي إذن تبرئة الهوية، كما لا ينبغي مساواتها سلفًا بالعدوان: التمييز شرط تكوّن الجماعة، أما تحويله إلى تراتب وإخضاع فمسألة سياسية وتاريخية أخرى.

٣. القومية وعاءً لا جوهرًا

القومية أحد أوعية الانتماء الجمعي، وهي وعاء حديث نسبيًا مهما ادعت القِدم. سمّى بنديكت أندرسون الأمة «جماعة متخيّلة»، وأسيء فهم العبارة أحيانًا كأنها فضح لزيفها. لكن المتخيّل عند أندرسون ليس الكاذب؛ فكل تضامن يتجاوز المجال الذي يعرف أفراده بعضهم بعضًا وجهًا لوجه يحتاج إلى وسائط تجعل الملايين الذين لم يلتقوا قط يشعرون بأنهم يسيرون معًا في زمن وقصة ومصير. والسؤال الجاد ليس: هل الأمة حقيقية أم متخيّلة؟ بل: كيف يجري تخيّلها، ومن يدخل في صورتها، ومن يُمحى منها، وماذا يتيح هذا التخيل وماذا يمنع؟ أما رينان فأمسك بوجه آخر للمسألة حين ربط الأمة بذاكرة مشتركة ونسيان مشترك، وبإرادة متجددة في مواصلة الحياة معًا، لا بمعطى دموي خالص.

فماذا يفعل هذا الوعاء؟ إذا عُلّقت الأحكام لحظة وسئل عن وظائفه، ظهرت قائمة يصعب الاستهانة بها: يحوّل جموعًا متفرقة إلى ذات سياسية قادرة على الفعل والمطالبة؛ ويوسع دائرة التضامن إلى ما وراء القرابة والمعرفة الشخصية؛ ويمنح الأفراد إرتكازا نفسيًا واستمرارية عبر الأجيال؛ ويعبئ للبناء والتضحية؛ ويوفر، في السياقات المناهضة للاستعمار، لغة تحوّل «الأهالي» و«السكان الأصليين» من موضوعات للإدارة إلى شعوب تطالب بتقرير مصيرها. هنا لم تكن الحرية شأنًا فرديًا فحسب، بل استعادة جماعية للقدرة على تسمية الذات وتقرير المستقبل.

وفي القائمة المقابلة أمراض القومية المعروفة: شوفينية تحوّل الاعتزاز إلى احتقار؛ وعرقنة (أي إضفاء معنى عرقي على الانتماء) تحوّل العضوية السياسية إلى دم ونقاء؛ وإقصاء داخلي لمن لا يطابق الصورة؛ وغزو خارجي باسم الرسالة أو المجال الحيوي. لقد حضرت القومية في تحرر الجزائر، وحضرت في النازية، لكن جمعهما تحت الاسم نفسه لا يساوي بينهما أخلاقيًا ولا يزعم أنهما ظاهرة تاريخية واحدة. ما يكشفه هذا الجمع أدق: أن كلمة «قومية» وحدها لا تمنحنا حكمًا أخلاقيًا كافيًا، لأن القدرة على صناعة ذات جمعية وتعبئتها قد تتجه إلى التحرر من إخضاع قائم، كما قد تتجه إلى إخضاع الآخرين.

فانون، الذي عاش المسألة لا بوصفها تمرينًا نظريًا، رأى الوجهين معًا. فالوعي القومي عنده لحظة لا يستطيع المستعمَر القفز فوقها، لأنه أحد الأشكال التي يستعيد بها شعب محطّم فاعليته. لكنه خصص كذلك نقدًا لعثرات هذا الوعي حين تستولي عليه برجوازية وطنية ترث موقع المستعمِر وتعيد إنتاج البنية القديمة تحت علم جديد. لا يعالج فانون المسألة بوصفها اختيارًا مجردًا بين تمجيد القومية وإدانتها في ذاتها؛ تعامل معها كلحظة تاريخية ضرورية في بعض السياقات ومحفوفة في الوقت نفسه، وما بعدها معركة أخرى على شكل المجتمع الذي سيحمل الاستقلال اسمه.

>

٤. حين صار رفض القومية معيارًا للنضج

من أين جاءت القناعة الراسخة، في تيار مؤثر من الفكر الليبرالي الأوروبي، بأن القومية مرض في ذاتها؟ لم تنشأ من تأمل كوني معلق فوق التاريخ، بل صاغتها خبرة يمكن تأريخ عناصرها: تنافس إمبراطوري انفجر عام ١٩١٤؛ وقتل جماعي في الخنادق؛ ثم صعود الفاشيات؛ ثم قومية عرقية نظمت إبادة صناعية؛ ثم قارة خرجت من عام ١٩٤٥ مدمرة تنظر في المرآة. وفي إحدى السرديات المؤسسة للمشروع الأوروبي بعد الحرب، صار التكامل فوق القومي جوابًا عن الكارثة: تقييد قدرة الدول الأوروبية على خوض الحرب بعضها ضد بعض، وتحويل ذاكرة الحربين إلى مصدر لشرعية سياسية جديدة.

هذا النقد صادق مع جراحه، ولا معنى للسخرية منه. لكنه ليس الشكل الوحيد لمعاداة القومية، كما أن أوروبا بعد الحرب لم تتخلّ ببساطة عن دولها وهوياتها الوطنية أو عن مصالحها الإمبراطورية. الأدق أن نقول إن خبرة الكارثة منحت نمطًا بعينه من الشك في القومية سلطة أخلاقية استثنائية. ومع الوقت، لم يعد الابتعاد عن القومية مجرد درس أوروبي من تاريخ أوروبي؛ صار علامة على أن المجتمع عقلاني ومتقدم وقادر على ضبط انفعالاته الجمعية، في مقابل مجتمعات توصف بأنها لا تزال أسيرة القبيلة أو الطائفة أو القومية الساخنة.

والمفارقة الزمنية صارخة: ففي العقود التي كانت فيها أوروبا الغربية تبني مؤسسات تتجاوز بعض وظائف الدولة القومية، كانت شعوب في آسيا وأفريقيا تنتزع السيادة الوطنية بوصفها إحدى أدوات الخروج من الخضوع. لم تكن القومية عند هذه الشعوب ذكرى الكارثة فحسب، بل وعدًا بالكرامة والفاعلية. وهذا لا يجعل القوميات المناهضة للاستعمار بريئة؛ فكثير منها ورث حدودًا استعمارية، وهمّش أقليات، وحوّل وحدة التحرر إلى قيد على التعدد بعد الاستقلال. لكنه يجعل مطالبة هذه الشعوب بتجاوز الدولة القومية فور امتلاكها إياها موضع سؤال: من يملك تعريف «النضج السياسي»؟ ولماذا تُعامل ساعة أوروبا كأنها ساعة العالم؟

الأهم أن التراث الليبرالي الذي ارتاب بالقومية لم يتوقف عن صناعة الأمم. ففي مشاريع بناء الدول والأمم، لم يكن الهدف في العادة إلغاء كل هوية وطنية، بل إنتاج صيغة تعدّ أكثر نضجًا وقابلية للإدارة: مواطنة قانونية، ومؤسسات موحدة، ودولة ذات سيادة، وولاء وطني مضبوط لا ينازع الإجراء الليبرالي، مع دفع الانتماءات الأكثر كثافة إلى المجال الخاص أو تصنيفها بوصفها عائقًا أمام الاستقرار. لذلك لا تقف المفارقة بين قومية ولا قومية، بل بين صورتين للأمة: أمة تُعَد مدنية وعقلانية ومنخفضة الانفعال، وأمة تُقرأ بوصفها عرقية أو قبلية أو زائدة عن الحد.

لا أقدّم هذه الصيغة حكمًا شاملًا على كل مشروع لبناء الدول أو الأمم؛ فهذه المشاريع متباينة، وبعضها حاول معالجة انهيار سياسي أو حرب أهلية أو غياب مؤسسات عامة. ما أريد تثبيته هو منطق متكرر يحتاج إلى أمثلة ودراسات حالة: الجهة التي تعلن أن القومية مرحلة ينبغي تجاوزها قد تعود فتصنع للشعوب هوية وطنية «مقبولة» وفق معيارها. إنها لا تلغي الحاجة إلى «نحن»، بل تمنح نفسها سلطة تحديد شكلها الناضج.

٥. درس طلال أسد وهوية تنكر اسمها

يقدّم طلال أسد هنا أداة منهجية مهمة. ففي تحليله للعلماني، لا يتعامل معه بوصفه مجرد غياب للدين أو حياد للدولة تجاهه، بل بوصفه تشكّلًا تاريخيًا أعاد تعريف ما يُعَد دينًا وما يُعَد سياسة، وشكّل تصورات مخصوصة عن الذات والاعتقاد والألم والعنف المشروع والحضور المقبول في المجال العام. لذلك لا يكون السؤال فقط: هل حررت العلمانية الأفراد من سلطة دينية؟ بل أيضًا: أي «دين» أعادت الدولة تعريفه وتنظيمه، وأي ذوات صنعتها شروط هذا التنظيم؟ يمكن لتشكيلة واحدة أن تحرر في علاقة، وأن تؤدب وتقصي في علاقة أخرى.

والقياس الذي أقترحه — بوصفه امتدادًا لمنهج أسد لا دعوى منقولة عنه — هو أن معاداة القومية الحديثة ليست غيابًا محايدًا للهوية الجمعية، ولا موقفًا يطل على التاريخ من خارجه. إنها قد تحمل تعريفًا مخصوصًا للسياسة الناضجة: سياسة ما بعد قومية، إجرائية، منخفضة الانفعال؛ وتعريفًا للتضامن المقبول: إنسانيًا عامًا أو مصلحيًا محسوبًا، لا «نحن» كثيفة؛ وتعريفًا للهوية المشبوهة: كل هوية جمعية ساخنة، ما عدا الهوية التي ينتجها هذا الخطاب عن نفسه.

هنا تقع المفارقة في مركزها: المجتمعات التي ترتاب رسميًا بالقومية تواصل العمل عبر هويات جمعية قوية. «أوروبي»، و«غربي»، و«ليبرالي»، و«العالم الحر»، و«ديمقراطيات العالم»، و«المجتمع الدولي»؛ ليست هذه العبارات كلها قوميات مقنّعة، ولا يصح محو الفرق بين هوية حضارية أو سياسية وبين قومية ترتبط بدولة وشعب وسيادة. لكنها تؤدي بعض الوظائف نفسها: تمنح سردية عن الذات، وترسم حدًا بين داخل وخارج، وتنتج فخرًا وانتماء، وتعبئ حين يُستشعر التهديد، وقد تحدد من يملك الكلام باسم «العالم» ومن يبقى موضوعًا لخطابه. ليست المسألة أن القومية اختفت، ولا أن كل هوية جديدة قومية بالمعنى الدقيق؛ بل أن الحاجة إلى «نحن» استمرت في صيغة تقدم نفسها بوصفها تجاوزًا لهذه الحاجة.

وحين تقترن هذه المعايير بسلطة مؤسساتية — عبر بعض صيغ خطاب حقوق الإنسان أو عمل المنظمات الدولية أو شروط التمويل أو مشاريع الإصلاح وبناء الأمم — فإنها لا تكتفي بحماية الأفراد من تغول جماعاتهم، وهي تفعل ذلك فعلًا في حالات كثيرة، بل قد تكتسب كذلك سلطة تعليم المجتمعات أي مشاعرها مشروع وأيها متخلف، وأي مطالبها كوني وأيها «قبلي»، وأي غضبها مفهوم وأيها همجي. لا يعني هذا أن هذه المؤسسات تؤدي الوظيفة نفسها دائمًا؛ فتعميم كهذا يحتاج دراسات حالة. المقصود تحديد آلية ممكنة: يتحول تصور تاريخي مخصوص للذات الناضجة إلى معيار إداري حين يقترن بالقدرة على التصنيف والمنح والمنع.

السؤال المستلهم من أسد ليس: هل نقد القومية صحيح؟ فقد يكون صحيحًا وضروريًا في مواضع كثيرة. وليس: هل الهوية الليبرالية الجديدة أفضل أم أسوأ من الهويات القومية التي تنتقدها؟ قد تكون أوسع وأقل إقصاء بالفعل. السؤال هو: كيف تنكر تشكيلة تاريخها وخصوصيتها، وتعرض نفسها بوصفها الموقف الذي لا هوية له؟ وماذا تفعل حين تصبح معيارًا يُدار به الآخرون؟

٦. من الوصف إلى المعيار: الهيمنة لا الهوية

حتى هذه النقطة، لم تكن حجتي أن القومية خير، ولا أن معاداتها شر. كانت الحجة أن الحاجة إلى الهوية الجمعية لا تختفي بمجرد إدانة أحد أوعيتها، وأن الهوية قد تستمر في صورة من ينكرها. فإذا انتقلنا الآن من الوصف إلى الحكم، فلا يكفي أن نسأل عن وجود «نحن» أو كثافتها؛ فالمركز الأخلاقي للمسألة يقع في مكان آخر. لم يكن الشر الجوهري في النازية أن جماعة امتلكت «نحن»، بل أن هذه «النحن» عُرّفت عرقيًا، ثم سُخّرت لها قدرة هائلة وغير متكافئة على تصنيف الآخرين وتجريدهم وإخضاعهم وإفنائهم. المشكلة الأخلاقية المركزية ليست الهوية في ذاتها، بل علاقة الهيمنة التي تنتجها الهوية أو تبررها أو تخفيها.

وهذا لا يبرئ الهوية، بل يغيّر السؤال الموجّه إليها. بدلًا من أن نسأل جماعة: «هل أنتم شديدو الشعور بذاتكم؟»، نسأل: «كيف تُبنى جماعتكم، ومن يدفع ثمن بنائها، وما القدرة التي تمنحها لنفسها على تقرير إمكانات غيرها؟». قد تكون هوية ليبرالية معلنة أكثر هيمنة من هوية قومية صريحة في سياق معين، وقد تكون قومية ما جهازًا قاسيًا لإخضاع أقلياتها أو جيرانها. الاسم لا يحسم الحكم؛ توزيع القدرة هو الذي يفعل.

يقدّم التقليد الجمهوري، في صياغة فيليب بيتيت المعاصرة، تعريفًا نافعًا للحرية باعتبارها غياب الهيمنة، لا مجرد غياب التدخل الفعلي: فقد يتركك طرف أقوى وشأنك اليوم، وتظل غير حر ما دام يملك قدرة غير خاضعة لرقابتك على التدخل في حياتك متى شاء. يظل العبد ذو السيد الرحيم عبدًا، لأن حياته رهن إرادة لا يملك ردها أو محاسبتها. وبمفردات مختلفة، يساعد فوكو على ألا نتخيل السلطة شيئًا تحتكره يد واحدة؛ فهي تعمل في شبكة من المؤسسات والمعارف والممارسات، وقد تتصلب علاقات القوة فيها حتى يضيق على طرف مجال الفعل والرد. لا تتطابق لغة فوكو مع الجمهورية، لكن كليهما يوجّه النظر من إعلان الهوية إلى توزيع القدرة الفعلية.

يتضح الفرق في جملتين: «أهتم لأن هؤلاء مني»، و«أهتم لأن علاقة هيمنة قائمة». الأولى أخلاق قرابة الهوية: صادقة ودافئة، لكنها موزعة وفق حدود التماهي. والثانية أخلاق البنية: تطمح إلى إدانة الهيمنة حيثما وجدت، بما في ذلك حين يمارسها «أهلي» على غيرهم أو على بعضهم بعضًا. أتبنى الثانية معيارًا، لكن البشر الفعليين لا يبدأون منها غالبًا؛ فالانتباه والحزن والغضب تجري في قنوات التماهي قبل أن يصل الحكم المعياري. ليست المشكلة أن نملك موقعًا نرى منه، إذ لا رؤية بلا موقع، بل أن نحوّل موقعنا إلى المقياس الوحيد لما يستحق أن يُرى.

٧. الكونية حين تدخل السياسة: جنوب أفريقيا

تكشف جنوب أفريقيا زمن الفصل العنصري الفارق بين المبدأ المعلن وطريقة اشتغاله سياسيًا. فمنذ وصول الحزب الوطني إلى الحكم عام ١٩٤٨، بُني نظام قانوني ومؤسساتي للسيادة البيضاء والفصل وتجريد الأغلبية من حقوقها السياسية وضبط حركتها ومكان سكنها وعملها. كان النظام مثالًا واضحًا على هوية جمعية تحولت إلى تراتب وهيمنة. ومع ذلك لم تتعامل الحكومات الغربية معه طوال تاريخه بوصفه عدوًا نموذجيًا لمبادئها المعلنة. اختلفت المواقف بين دولة وأخرى وتبدلت بمرور الزمن، لكن الاعتبارات الاستراتيجية والاقتصادية والحرب الباردة أخّرت العزل الشامل: تبنت إدارة ريغان سياسة «الارتباط البنّاء»، وقاومت حكومة مارغريت تاتشر عقوبات شاملة، في الوقت الذي كانت فيه حركة مناهضة الفصل العنصري تتسع داخل المجتمعات الغربية نفسها، في الجامعات والنقابات والكنائس وغيرها، وتضغط على الحكومات.

الاستنتاج الرخيص من هذا التاريخ هو أن «الغرب منافق، إذن مبادئه باطلة». وهذا استنتاج فاسد؛ فتقصير حامل المبدأ لا يبطل المبدأ. أما الاستنتاج الأدق فهو أن المبادئ لا تطبق نفسها بنفسها: إنها تكتسب أثرها عبر دول ومؤسسات وتحالفات لها مصالح وخرائط تماهٍ، فتُفعّل بقوة في مواضع، وتُعلّق أو تُؤجّل في مواضع أخرى. ليست الانتقائية برهانًا على استحالة الكونية، لكنها تكشف أن الانتقال من المبدأ إلى الفعل يمر عبر جماعات ومؤسسات محددة. لذلك تصبح معرفة «النحن» التي تطبّق المبدأ — تاريخها ومصالحها وحدود تماهيها — جزءًا من فهم الكوني في اشتغاله الفعلي، لا ذريعة لرفضه.

٨. الإدراك قبل الحكم: ما بعد ١١ سبتمبر

ثمة طبقة أعمق من الانتقائية في التطبيق: انتقائية في الإدراك نفسه. يضيء ما بعد هجمات ١١ سبتمبر هذه الطبقة؛ فلم يكن المشهد مجرد مبادئ كونية ساء تطبيقها، بل إعادة شحن للمقولات قبل الحكم الصريح. «مسلم»، و«عربي»، و«إرهابي»، و«متحضر»، و«ديمقراطي»، و«غربي»؛ اكتسبت هذه الكلمات حمولة وجدانية وسياسية نظمت ما يظهر تهديدًا أو مأساة أو دفاعًا أو همجية. أي موت يُرى فاجعة لها أسماء ووجوه، وأي موت يمر في لغة «الأضرار الجانبية»؟ أي خوف يعامل بوصفه خبرة سياسية جدية، وأي خوف يُختزل في اللاعقلانية؟ كان إدوارد سعيد قد حلل الأرشيف التمثيلي الذي جعل «الشرق» موضوعًا للمعرفة والإدارة معًا، ووفر مخزونًا من الصور القابلة للاستدعاء في لحظات الأزمة.

الدعوى هنا محددة: لا تقتصر الهوية الجمعية على تعيين من نناصر بعد اكتمال رؤيتنا للحدث؛ إنها تشارك في تشكيل ما نراه ابتداءً، وفي توزيع الانتباه والتعاطف والشك. لكن هذا ليس حديثًا عن «عقل غربي» موحّد يريد ويكيد. فقد ظهرت داخل المجتمعات الغربية نفسها حركات مناهضة للحرب، وخرجت احتجاجات جماهيرية عام ٢٠٠٣، وجاءت من جامعاتها وصحافتها وحركاتها الاجتماعية أدوات حادة لنقد الإمبراطورية؛ كما أن الدول الغربية لم تكن كتلة مصالح واحدة. الحديث أدق من ذلك: عن تشكيلات مهيمنة تقابلها تشكيلات مضادة، وعن أنماط تعمل عبر الأرشيف والمؤسسة والعادة، لا عن مؤامرة يديرها فاعل واحد من غرفة مغلقة.

يضيء كارل شميت، الذي ينبغي استدعاؤه بحذر الخصم لا بثقة المرشد، جانبًا آخر من المفارقة: إعلان تجاوز التمييز السياسي بين الصديق والعدو لا يضمن اختفاءه، وقد يجعل الحرب باسم «الإنسانية» أشد إطلاقًا حين يُقدّم الخصم بوصفه خارج الإنسانية. ليست العبرة أن نتبنى تعريف شميت للسياسي، بل أن ننتبه إلى خطر لغوي وسياسي: قد تختفي كلمة «قومية» من قاموس جماعة ما، بينما يبقى التمييز بين «نحن» و«هم» عاملًا تحت أسماء أكثر كونية في الظاهر. لا يثبت هذا أن كل كونية هي قومية متنكرة، لكنه يمنع الكونية من ادعاء أنها بلا موضع ولا حدود.

٩. جسد يشعر بالهيمنة عن بُعد

أصل هنا إلى الفكرة الأصعب في هذا المقال وأكثرها التصاقًا بي. يمكن للإنسان أن يشعر في جسده بأثر هيمنة لا تقع عليه مباشرة. أتابع قصف غزة التي لا أسكنها، وتجويع فلسطينيين لم ألقَ أحدًا منهم، وإذلال رجل فلسطيني على حاجز إسرائيلي يبعد عني مئات الكيلومترات، فيحدث في جسدي شيء: انقباض في الصدر، ونوم مضطرب، وشعور غامض بأن سقف الممكن في حياتي أنا قد انخفض. عبر التماهي مع الواقعين تحت الاحتلال أو الاستعمار أو العرقنة أو القصف، يصبح انسداد إمكانات جماعة أتماهى معها قيدًا جزئيًا على إحساسي أنا بالكرامة والفاعلية والإمكان.

لا يعني ذلك أنني أعيش الهيمنة نفسها التي يعيشها الفلسطيني الذي يقع عليه القصف أو يمر بالحاجز؛ فالمساواة بين التجربتين استيلاء على معاناة ليست لي. المقصود أن للهيمنة دوائر أثر تتجاوز موضوعها المباشر، وأن الهوية إحدى وسائل انتقال هذا الأثر. وصف فانون تجربة الجسد المعرقن الذي يأتيه معناه من الخارج ويتجمد في تمثيل يسبقه. وما أفعله هنا هو توسيع للسؤال، لا نقل مباشر عنه: كيف تنقل الصورة واللغة والذاكرة بعض آثار الإخضاع عبر المسافة، فيستجيب جسد هنا لما يقع على أجساد هناك؟

ينبغي رفض اختزالين متعاكسين لهذه الظاهرة. ليست مجرد «قبلية لاعقلانية»، لأن علاقة الهيمنة المدركة واقعة سياسية لا هلوسة؛ وليست تضامنًا رومانسيًا نقيًا، لأنها تسلك قنوات هوية جزئية تجعلني أرى ضحايا أسرع من غيرهم، وقد تجعلني أبكي على ضحايا أتماهى معهم أكثر مما أبكي على ضحايا آخرين تعرضوا لهيمنة لا تقل قسوة. إنها الكيفية التي تُعاش بها السياسة لدى كائنات متجسدة ومتموضعة: لا يأتي الإدراك محايدًا ثم تُضاف إليه الانفعالات لاحقًا، بل يتشكل الانتباه منذ البداية داخل تاريخ من الصور والقرابات والذكريات.

وهنا نعود إلى التوتر الذي أشرت إليه سابقًا: من يتبنى معيار «أهتم لأن الهيمنة قائمة» يظل جسده يبدأ من مكان ما، ويظل انتباهه موزعًا على خريطة تماهيه. لا أعرف تسوية نظرية تلغي المسافة بين المعيار الكوني والجسد المتموضع. أعرف فقط أن إنكار أحدهما يزوّر تجربتنا: كونية بلا جسد تخفي موقعها، وهوية بلا معيار قد تعجز عن رؤية ظلم يمارسه أهلها.

١٠. مقاومة بلا عدوّ

تبقى العقدة الأخيرة. لا أؤمن إيمانًا قويًا بإرادة حرة ميتافيزيقية. الجندي الإسرائيلي على الحاجز شكلته مؤسسات وسرديات خوف ومنظومة حوافز لم يصممها وحده؛ والبيروقراطي الإسرائيلي الذي يوقّع أمر هدم بيت فلسطيني يعمل داخل تاريخ وإدارة سبقاه؛ والمستوطن الإسرائيلي تربّى على أرشيف يجعل ما يفعله يبدو له دفاعًا؛ وأنا نفسي، بانحيازاتي وتماهياتي وحدود إبصاري، نتاج تاريخ لم أختر بدايته. يصعب عليّ، مع هذه القناعة، تقسيم العالم إلى ذوات بريئة وأشرار يختارون الشر اختيارًا حرًا صافيًا.

لكن التفسير ليس إعفاء. كون الفاعل مشكّلًا بأسباب لم يخترها لا يجعل فعله بلا أثر، ولا يسقط الحاجة إلى منعه ومحاسبته وتغيير الشروط التي تنتجه. ويمكن تأسيس المسؤولية هنا لا على استحقاق ميتافيزيقي للعقاب، بل على موقع الشخص في علاقة الهيمنة، وقدرته الفعلية على إدامتها أو تعطيلها، والحاجة إلى حماية من يقع عليها الضرر. الامتناع عن شيطنة الأشخاص لا يلغي الواقعة الصلبة: الاحتلال قائم، والهيمنة تسحق أجسادًا فعلية، وقد يجب وقفها بالقوة السياسية والقانونية والاجتماعية، لا الاكتفاء بفهمها.

فما الذي أقاومه إذا رفضت الهيمنة، ورفضت في الوقت نفسه أن أصنع لنفسي شعبًا عدوًا؟ الجواب الذي أحاول الدفاع عنه، على هشاشته، هو أن يكون موضوع المقاومة علاقة ونظامًا لا هوية موروثة: جهازًا، ومؤسسة، وتراتبًا، وبنية حوافز، ونظام الاحتلال الإسرائيلي بما يحمله من فصل ونهب؛ أي التكوين الذي ينتج الهيمنة ويعيد إنتاجها ويجنّد البشر في خدمتها. لا يعني هذا أن الأشخاص يختفون خلف البنية؛ فالبنى تعمل من خلال قراراتهم وأجسادهم ومواقعهم. لكنه يعني أن يُواجَه الفرد بقدر مشاركته وقدرته ومسؤوليته داخل الجهاز، لا لمجرد ولادته في جماعة. يمكن للمرء أن يكون صلبًا ضد الاحتلال الإسرائيلي من غير أن يلتزم كراهية كل إسرائيلي لمجرد انتمائه، وأن يقاوم نظام فصل عنصري من غير أن يجعل شعبًا كاملًا موضوع المقاومة.

هنا لا يميع التحليل البنيوي المسؤولية، بل يعيد توزيعها: يفرّق بين واضع السياسة ومنفذها والمستفيد منها ومعارضها والخاضع لها؛ ويبحث عما ينبغي تعطيله في القانون والمؤسسة والاقتصاد والخيال السياسي حتى تفقد الهيمنة قدرتها على إعادة إنتاج نفسها. وقد يقتضي ذلك مقاومة أشخاص في أدوارهم الفعلية وفرض كلفة أو قيد عليهم، لكنه لا يحتاج إلى تحويل جوهرهم أو ذريتهم إلى عدو وجودي.

مع ذلك، تقتضي الأمانة حساب الثمن. فالمؤسسات لا تقف عند الحواجز؛ أشخاص يفعلون. والعلاقات المجردة لا تظهر في نشرات الأخبار؛ تظهر وجوه من يأمرون وينفذون ويقتلون ويُقتلون. لذلك يسهل على الغضب أن يجد موضوعه في جماعة مرئية، ويصعب على الحشود أن تحتشد ضد «آليات إنتاج الهيمنة». وقد اعتمدت حركات كثيرة على الكراهية لأنها وقود سريع للتعبئة، غير أن سرعتها لا تجعلها وقودًا بلا ثمن: فهي تميل إلى توسيع دائرة المذنبين، وإطالة عمر العداوة بعد تغير البنية، وزرع مبررات هيمنة مقبلة داخل حركة تقاوم هيمنة حاضرة. وفي المقابل، قد تكون سياسة ترفض تحويل الخصم إلى عدو وجودي أبطأ تعبويًا وأثقل نفسيًا، ولا يوجد ضمان نظري بأنها ستنجح لمجرد أنها أكثر اتساقًا أخلاقيًا.

لهذا ينبغي أن يبقى السؤال مفتوحًا، لكن لا بلا أي جواب: موضوع المقاومة الأول هو علاقة الهيمنة وأجهزتها، ويُواجَه الأشخاص بحسب أفعالهم ومواقعهم فيها، لا بحسب أصلهم وحده. أما ما لا أعرفه فهو هل يستطيع هذا التمييز أن يصمد في حرارة الصراع، وأن ينتج تضامنًا فعالًا من دون استعارة الكراهية التي يريد تجاوزها. بين هوية منغلقة ترتاح إلى شعب عدو، وكونية متعالية تنكر أنها هي الأخرى «نحن» لها جسد وموقع وتاريخ، لا أرى حلًا نقيًا. أرى فقط مهمة أصعب: أن ننطلق من «نحن» نعترف بحاجتنا إليها، وأن نخضعها لمعيار يتجاوزها؛ أن نقاوم من موضع محدد، من غير أن نجعل هذا الموضع المقياس الوحيد للإنسان؛ وأن نكون قساة على الهيمنة من غير أن نجعل من شعب كامل عدوًا لا يستحق إلا الكراهية.

u/Hasjojo — 2 days ago

هل القومية فكرة سيئة؟ هل يحتاج الفرد للانتماء لمجموعة واضحة المعالم ام ان العلاقة لا تتعدى كونها حاجة وظيفية اجتماعية؟

الي بحب يتناقش، بفضل يحكي بشكل سريع تعريفة للقومية، وبعدها ينقد او يايد الفكرة الي طرحها.

reddit.com
u/Hasjojo — 2 days ago

اذا الاخلاق نسبية وما في ارادة حرة كيف ممكن نحاسب البشر على افعالها؟؟؟

Picture by Konstantin Kostenko

كيف ممكن يكون شكل الحكم الاخلاقي اذا اثبتنا هاي المسالة؟

الافتراض بعالمية الفعل الاخلاقي الي ممكن تكون مراي لافعال البشر، هل هاي فكرة واقعية؟

افعال زي الاحتلال، الابادة، القتل، التعذيب، الافعال الي بتسبب معاناة للبشر وللارض؟؟ كيف ممكن تتوزن.

u/Hasjojo — 4 days ago

مسافة صغيرة: في تشكل الهوية والمقاومة

أحببت أن أشارككم قطعة مني، وشيئا من الكيفية التي تشكلت بها هويتي: كيف منحتني الفلسفة مفردات أستطيع بها فهم تجربتي وصياغتها، وساعدتني على استيعاب ما أمر به وبناء عدسة أنظر من خلالها إلى الواقع.

لا أطرح هذا النص بوصفه أطروحة أطلب البرهنة عليها أو مناظرتها، بل بوصفه مشاركة لتجربة معاشة قد يجد فيها بعضكم ما يضيء شيئا من تجربته الذاتية. لذلك أرجو أن يستقبل النص، وأن تبقى التعليقات عليه، ضمن هذا الإطار.

لم أكن الطفل الذي فُصِّل له الدور الاجتماعي على مقاسه. كنت خارج «الطبيعي» قليلاً؛ خارج ما يُعَدّ لائقاً ومنضبطاً وحسنَ التكيّف. ولهذا عرفتُ المعيار من هامشه قبل أن أعرفه من مركزه. لا أريد أن أصنع من ذلك أسطورة تأسيس، ولا أن أزعم أن هامشية الطفولة أنتجت سياستي إنتاجاً آلياً؛ فالأمر أبسط وأقل درامية: ألفة مبكرة بشعور معيّن، شعورِ من يكتشف أن النظام الاجتماعي قد قرّر، بهدوء ومن دون أن يسأل أحداً، أيَّ طرائق الوجود تليق وأيَّها لا تليق. وكان حولي، في الوقت نفسه، نظامٌ آخر يقرّر أشياء أفدح بكثير.

ولم «تأتِ» فلسطين في لحظة؛ فهي لم تكن حدثاً يقع بل ضوضاء حاضرة أبداً في الأرجاء، تخفت وتتضخم. كانت في الدروس وخطب الجمعة والجلسات العائلية، في صور المسجد الأقصى المعلقة على الجدران، في المفاتيح المحفوظة، في كلمة «عائدون» المكتوبة على جدران مدارس الوكالة (الانروا)، وفي مفردات الشتات التي كانت تصلني بحكم قربي من مخيم اللاجئين الفلسطينيين في بلدي. لم يكن بالإمكان فصل الحالة عن الحياة نفسها لأنها لم تنفصل عنها يوماً. ومع الانتفاضة الثانية — على الشاشات وفي الحديث اليومي، ثم قراءتي لاحقاً عن الانتفاضة الأولى — تضخمت الضوضاء حتى صارت لغةً. هناك كفّت السلطة عن أن تكون مفهوماً فلسفياً مجرداً، وصارت شيئاً يُنظّم الحركة والأرض والشرعية والعنف واللغة، بل يقرّر أيُّ عذاب يُرى وأيُّ عذاب لا يدخل في الحساب أصلاً. كان تعاطفي غريزياً مع من يعيشون تحت بنى ساحقة، قبل أن أملك لغة تشرح لماذا.

وتزامنت الانتفاضة مع الغزو الأمريكي للعراق، فانكسر شيء في البوصلة العربية أمام عينيّ. سقطت بغداد ونحن نتابع، وتهاوت معها سردياتٌ كانت تدّعي القدرة على تفسير العالم وتوجيهنا فيه. لم يخلّف ذلك هويةً بديلة، بل هويةً هشّة عاجزة عن التوجيه: لا القومية بقيت قادرة على الوعد، ولا ما حلّ محلها بدا جديراً بالثقة. وأظن أن ذلك الانكسار المبكر عمّق فيّ الشعور باللايقين الذي سيصير لاحقاً محور فهمي اللاحق لتشكل هويتي: رأيت باكراً كيف تنهار «الحقائق» الكبرى، فصار من الصعب عليّ أن أسلّم نفسي لأي حقيقة تقدَّم بوصفها نهائية.

ثم اتسعت العدسة نحو الطبقة. جعل الفقرُ واللامساواة والعملُ من الصعب عليّ أن أفهم حياة الناس بوصفها اختيارات شخصية واستحقاقاً ونجاحاً وفشلاً. وحين تعلمت لاحقاً شيئاً من البيولوجيا، اشتدّ الحدس نفسه: الأجساد والعقول ذاتها تتشكل بالظروف — بالتوتر والحرمان والطفولة والبيئة والعمل والغذاء والعنف والأمان وغيابه. الفرد ليس وحدة سيادية صغيرة تطفو فوق التاريخ؛ الظروف تدخل الجسد.

من هنا انزعاجي من الفردانية المنهجية، ومن سرديات المسؤولية التي تحمّل الفرد بعيدا عن البنية وزرَ ما صنعته الشروط، ومن ليبراليات تبدأ من فرد مجرّد مستقل ثم تدفع الظروف المادية التي أنتجته إلى خلفية الصورة. ووجدت لاحقاً — عند ماركس وتقاليد الطبقة، وعند أدورنو وماركوزه في ارتيابهما بالنظام «العقلاني» الظاهر، وعند فوكو في التطبيع والانضباط، وعند فانون في السيطرة حين تدخل الذات، وعند طلال أسد في سلطة تعريف الطبيعي والعلماني والمشروع — أسماءً لأشياء كنت قد بدأت أشعر بها قبل أن أقرأها. وجدت عندهم مفردات لما كنت قد بدأت أشعر به قبل أن أقرأهم. لم يمنحوني قناعاتي؛ ساعدوني على تسميتها.

غير أن مقاومتي ليست سياسية فحسب؛ إنها معرفية أيضاً. يربكني عميقاً أن أرى الناس يسلّمون أنفسهم لمعيار أو أيديولوجيا أو أمة أو دين أو نظام سياسي أو سردية علمية أو ترتيب اقتصادي أو معجم أخلاقي كأنه الحقيقة بألفها ولامها. غريزتي تسأل، تلقائياً تقريباً: كيف صار هذا طبيعياً؟ من ملك سلطة تسميته طبيعياً؟ ماذا كان يجب أن يغيب عن الأنظار قبل أن يبدو بديهياً؟ من يستفيد من هذا الوصف للواقع؟ ومن يصبح — بعد أن تستقر التصنيفات — شاذاً أو لاعقلانياً أو متخلفاً أو غير مسؤول أو خطراً؟

على أن هذا ليس عناداً معكوساً. لا أريد معارضة الشيء لمجرد أنه سائد، ولا أتوهم أني أملك حقيقة خفية حُجبت عن سواي. الأمر أقرب إلى العكس: مقاومتي تنبع جزئياً من اللايقين نفسه. «ماذا أعرف؟» أرتاب في اليقين لأني أعرف كم هو موضعيٌّ ومحدود أيُّ منظور، بما في ذلك منظوري أنا. المقاومة، تبقى الأشياء قابلة لأن تُرى على نحو آخر.

ولهذا فالصورة التي أطمح إليها ليست صورة المهاجم لعقائد الآخرين، بل صورة المعارض المتأمل: من يقدر أن يدير الارتياب نفسه نحو جماعته وأيديولوجيته وقناعاته هو. «اللا» الداخلية لا تكتمل إلا إذا استطاعت أن تقول «لا» لنفسها أيضاً.

وحين أرى إنساناً يسلّم نفسه كلياً ليقين اجتماعي أو أيديولوجي، ويلتفّ حوله بوصفه الحقيقة المطلقة، فإن ما أشعر به غالباً ليس تفوقاً فكرياً ولا غضباً. أشعر أحياناً بحزن. بشيء يشبه الفقد. شيء قد يجعلني، حقاً، أرغب في الانكفاء.

لماذا؟ ربما لأن ما يحزنني هو اختفاء الإمكان: أن أشاهد كائناً حياً، قلقاً، مركّباً، يُغلَق داخل تفسير منجَز للعالم. فحين يصير التفسير مطلقاً، يصير الغموض ضعفاً، والشك خيانة، والغريب عيباً، ويغدو الألم الذي لا يطابق الإطار أسهلَ تجاهلاً.

وهنا يلتقي الشخصي بالسياسي. الطفل الذي لم يطابق الدور تماماً، والشاب الذي شاهد الفلسطينيين يقاومون الاحتلال وشهد البوصلة العربية تنكسر، والحساسية الاشتراكية تجاه الطبقة، والاهتمام المادي بأجساد تصوغها الظروف، والراشد الذي يقلقه استسلام الناس للحقائق المطلقة — ليست قصصاً منفصلة، بل تنويعات على حدس واحد يعاود الظهور الأشياء التي تقدم نفسها بوصفها طبيعية وضرورية وحتمية ليست بلا تاريخ؛ صنعتها، في الغالب، شروط وظروف واحتمالات.

ولا بطولة هنا. لا مشروع ثوري بين السطور. لست مقاوِماً على الدوام، ولا شجاعاً استثنائياً، ولا واقفاً خارج المجتمع. أشارك في بنى أنتقدها. أستبطن معايير لا أنتبه إليها. أناقض نفسي. أتيقّن حيث كان ينبغي أن أشك. وأنا نفسي نتاج كثير من القوى التي أسائلها.

لذلك فالمقاومة، عندي، أصغر من ذلك كله وأكثر حميمية.

إنها بقاء مسافة صغيرة بيني وبين كل ما يطلب التسليم الكامل.

تردّدٌ.

سؤال: «لماذا يجب أن يكون الأمر كذلك؟»

وأحياناً، لا أكثر من «لا» داخلية.

u/Hasjojo — 4 days ago

نحن نعيش في عالم اوليته هي المحافظة على الوضع القائم لاكبر وقت ممكن

الفعل الاخلاقي يوزن اكثر بتاثيره على المنظومة وقياس الفعل لا علاقة له بالفعل نفسه، طبعا في ناس عندها اخلاق ومهتمه انها تشوف العالم اخلاقي بس مع الاسف ممكن نصيبك وحظك يوضعك بعالم بحط قيمه للاخلاق الي بتحبها فبنعتبرك من المحظوظين لكن لللباقي احنا عايشين على القهر والوعي الي ما اله داعي.

فهل هناك امكانية للخروج من هذه الحفرة؟

الصورة بتوصف الفعل الي قام في لويجي كفعل مباشر لتسجيل اعتراضه على الممارسة الغير اخلاقية من قبل شركات التامين في الولايات المتحدة الامريكية بغرض الربح.

يقدر عدد الوفيات بسبب المنظومة الصحية في الولايات المتحدة بعشرات الالف بسبب شروط التامين او عدم وجد غطاء حماية وتامين صحي لهم

من المهم ننبه على صعوبة ربط العلاقة السببية بين اجراءات التامينات الصحية والوفيات وممكن يكون هذا محور نقاش ابيستميولوجي عن المعرفة والسلطة كمان.

لويجي في السجن والمنظومة تعمل ولا شيء يستحق ان نتوقف عنده، العدالة مجرة كلمة اخترعناها حتى نستطيع ان نجد انفسنا في وسط هذه العشوائية...

u/Hasjojo — 5 days ago

ابو الفضل العباس بن علي

اين نجد ابو الفضل العباس بن علي بن ابي طالب في التراث السني؟

reddit.com
u/Hasjojo — 5 days ago

النقد من خارج حدود الزمان والمكان: هل يمكن ان نعزل انفسنا عن محيطنا الذي ننقده؟ واي دوافع هذا النوع من النقد؟

***هذه ليست محاولة للشيطنه، بس خلينا نخوذها كفكرة ونحاول نناقشاها وممكن يكون تشخيصي غلط، او بحاجة تاطير افضل وهاي هي روح النقد الي انا مهتم فيه***

في كثير أسباب وأشكال للنقد، وأنا مش بحاول هون أخلق ازدواجية أو تضاد بين نموذج جيد ونموذج سيئ، ولا بقدم تصنيف شامل لكل أنواع النقد. أنا باخذ جزئية محددة من الواقع وبحاول أفهمها او ادرسها.

بالنسبة إلي، النقد إله قيمة لما يساعدنا نشوف حاجة ممكن تنفهم أو تنعمل بطريقة أحسن. لما بوجّه نقد لمؤسسة أو سلوك أو فكرة، بفترض إني بحاول أفهم المشكلة وأساهم، (ضمن ما أُوتيت من معرفة وفهم لطريقة عمل العالم من حولي) في تحسينها أو على الأقل توضيحها. ممكن حدا يسمي هذا «نقد إيجابي»، لكن هاي بالتحديد الثنائية الي مش مهتم أدخل فيها هون ونعمل سجال فارغ عليها.

الي بدي أركز عليه هو شي ممكن نسميه النقد الانعزالي، أو النقد الصادر من موقع متخيّل خارج حدود الزمان والمكان الاجتماعي.

مثلا أنا ابن مجتمعي، تشكلت داخله، وبشارك في عاداته ومؤسساته وتناقضاته، سواء كنت واعي له أو لا. عشان هيك لما أنتقد مجتمعي، النقد لازم يشملني أنا كمان، ويشمل موقعي وأفعالي وطريقة مشاركتي في إنتاج الأشياء الي بنتقدها. بالاضافة لتوقعاتي من امكانيات التحسين والمشروع القابل للتحقيق ضمن الموارد الي معانا، صح؟

ما بقدر أتعامل مع المجتمع كأنه جسم غريب واقف قدامي وأنا مجرد مراقب ماله دخل بالي بحصل.

لكن الي مستحضر الكلام عندي هو نقد بعض أفراد المجتمع إله كأنهم لا ينتمون إلى هذا المكان أصلا، أو كأنهم خرجوا منه نفسيا قبل ما يخرجوا منه فعليا.

بتتحول لغة النقد عندهم تدريجيا من «إحنا» إلى «هم»: هم متخلفون، هم لا يتغيرون، هم سبب كل شيء. وحتى لما تُستخدم كلمة «إحنا»، بتكون أقرب إلى طريقة لغوية للإشارة ليهم ومش اعتراف حقيقي بالانتماء ليهم.

صاحب هذا النقد بتعامل مع نفسه كأنه انوضع بالغلط بين هذه المجموعة البشرية، وإنه دوره الوحيد هو إثبات اختلافه عنها والهرب من أي التصاق أو انتساب لهاي المجموعة.

لهيك ما بعود النقد محاولة لفهم الواقع أو التدخل فيه، لكن بصير وسيلة لابعاد الذات عنه: المشكلة موجودة فيهم، وأنا فضيلتي الأساسية إني اكتشفتها بطلت أشبههم.

وسؤالي هون مش إذا كان من حق هذا الشخص يهاجر أو يبحث عن حياة أفضل؛ هذا حق وقرار شخصي ما بهمني ومش شغلي، وممدن تكون عنده أسباب واقعية من تجربته الذاتية.

السؤال شو بصير للنقد نفسه لما يصدر عن شخص انسحب نفسيا من مجتمعه، وما عاد بده يشوف فيه أي إمكانية للتحسن، و صار محتاج يشوفه كارثي ويستحيل تغيره، حتى يكتمل انفصاله عنه؟

u/Hasjojo — 6 days ago

في فن اجتزاء الامور من سياقها

"الصورة سكرين شوت من موقع x*

طبعا مبروك الترشيح عن الحزب الديمقراطي والي هي اول خطوة الانتخابات لامكانية يكون اول سيناتور من اصول عربية/مصرية ومسلم.

الفكرة الي صعب نفهمها انو ما قال هيك كرها في مصر، ولو انه صاحب التويته هاي محاولته. الفكرة انه السيد كان بحكي بخطاب فوزه عن وعده الانتخابي. ورسالته مش للشعب المصري، رسالته للناخب الامريكي. و بعد ما كمل مقارنته حكى عن الفرص الي اخذها وفي ناس في دائرته الانتخابية حاليا محرومين منها.

المهم هاي انتخابات امريكية ومش لازم نتطلع عليها الا من هذا المنظور. الراجل بقدم مشروع انتخابي لامريكان كامريكي ومش لازم يتعدى الموضوع اكثر من هيك. ومعروف عن سيد انه مش بيستعر من اصله المصري، وبالعكس هو بعتز باصل وانتماه الثقافي لجذوره الي خرج منها.

طبعا السيد وممداني حالتين درجت عليهم نقاشات وانا مش شايف اكثر من انهم شباب متحمس ليحدث تغير ايجابي في بلده الي هو عايش فيها وما لازم نحمل الامور اكثر من هيك

u/Hasjojo — 12 days ago

تمثال سيسيل رودز-اوكسفورد

​

«أزعم أننا العِرق الأول في العالم، وأنه كلما اتسعت مساحة العالم التي نستوطنها، كان ذلك أفضل للجنس البشري. وأزعم أن كل فدان يُضاف إلى أراضينا يعني ولادة مزيد من أبناء العِرق الإنجليزي، ممن لم يكن لهم أن يولدوا لولا ذلك.»

, "I contend that we are the first race in the world, and that the more of the world we inhabit the better it is for the human race. I contend that every acre added to our territory means the birth of more of the English race who otherwise would not be brought into existence."

ستجد بعض البريطان لليوم يدافع عن الشخصية التاريخية الي عاش بين (1853-1902)، دفاع اخلاقي.

انا شخصيا غير مهتم بتوزين افعال الشخص كون التاريخ لا يوزن بميزان الحاضر، لكن حتى ندلل على المفارقة وقراءة الشعوب لتاريخها. المفارقة موجودة باكثر من دولة وباكثر من طريقة.

هل بحقلنا نحكم على التاريخ للمستعمر ونطلب الاعتذار عن التاريخ الغير بعيد؟ ولا لازم نلاقي طريقة ثانية نتعاطى فيها مع الماضي؟

u/Hasjojo — 12 days ago

القرار العقلاني: مين فينا عنده مفاتيح المستقبل؟

الذكاء الاصطناعي استخدم في كتابة المقال.....

التاريخ دائما بعرف أكثر منا

تخيلوا لو نوكيا ضلت مسيطرة على سوق الهواتف، وسامسونج راهنت على اتجاه مختلف وفشلت.

بعد عشر سنين، غالبا كنا راح نقرأ مقالات بعنوان: "كيف فشلت سامسونج في قراءة السوق"، و"الأخطاء الاستراتيجية التي دمرت سامسونج"، وراح يطلع خبير يحكيلنا بكل ثقة إنه الإشارات كانت واضحة، وإن الإدارة كان لازم تنتبه، وإن القرار الصحيح كان قدامهم بس هم ما عرفوا يشوفوه.

بس لأنه اللي صار فعليا مختلف، بنحكي القصة بالعكس.

هون في مشكلة غريبة بطريقة فهمنا للتاريخ.

إحنا بنحاكم القرار بعد ما نعرف نتيجته، بينما الشخص اللي أخذ القرار ما كان عنده هاي المعلومة.

يعني لما شركة تقرر تدخل سوق جديد، أو تطور منتج، أو تترك تكنولوجيا وتراهن على ثانية، هي مش واقفة قدام "المستقبل" وبتختار منه.

هي واقفة أمام مجموعة احتمالات.

عندها دراسات سوق، أرقام، خبراء، منافسين، معلومات عن المستهلكين، توقعات اقتصادية، وتحليلات ممكن تكون ممتازة جدا.

لكن كل هاي المعلومات بالنهاية ما بتعطيها النتيجة.

بتعطيها احتمالات.

ممكن يكون عندك أفضل تحليل ممكن، وتاخذ القرار اللي يبدو أكثر عقلانية بناء على كل المعلومات المتوفرة، وبعدين تخسر.

وممكن شخص ثاني ياخذ قرار أخطر، بمعلومات أقل، وينجح.

المشكلة إنه بعد ما تصير النتيجة، بننسى كل الاحتمالات اللي كانت مفتوحة قبلها.

الماضي عندنا خط واحد.

لكن المستقبل، بالنسبة للشخص اللي كان عايش بتلك اللحظة، ما كان خطا واحدا.

كان عشرات الخطوط.

إحنا بنرجع بعد عشر سنين، نمسك الخط اللي تحقق، وبنتصرف كأنه كان واضح من البداية إنه هو الخط الوحيد اللي كان ممكن يصير.

وهون بتدخل واحدة من أكثر طرق التفكير خداعا: بنستخدم النتيجة حتى نقيم جودة القرار.

نجحت الشركة؟ إذن الإدارة كانت ذكية.

فشلت؟ الإدارة كانت غبية.

نجح المستثمر؟ عرف يقرأ السوق.

خسر؟ ما حسبها صح.

نجح المشروع؟ التخطيط ممتاز.

فشل؟ كان لازم يشوفوا المخاطر.

لكن ليش؟

من وين عرفنا إن القرار كان سيئا لحظة اتخاذه؟

يمكن القرار كان ممتاز والنتيجة سيئة.

ويمكن القرار كان سيئا والنتيجة ممتازة.

النتيجة مش شهادة على عقلانية القرار.

هاي الفكرة بتصير أهم لما نطلع من عالم الشركات ونشوف حياتنا نفسها.

ممكن شخص يدرس تخصص مطلوب، يطور حاله، يعمل علاقات، يقدم على الوظائف المناسبة، ويعمل تقريبا كل شيء "صح"، وبالآخر ما يحصل على الفرصة.

وشخص ثاني يدخل مجال بالصدفة، يعرف الشخص المناسب بالوقت المناسب، وتفتح معه الدنيا.

بعد عشر سنين، الأول ممكن يحكي عن "الأخطاء اللي عملها"، والثاني ممكن يكتب كتاب عن "المبادئ الخمسة للنجاح".

مع إنه جزء كبير من الفرق بين الاثنين يمكن ما كان موجودا أصلا داخل قراراتهم.

كان موجودا في العالم حواليهم.

توقيت.

أشخاص قابلوهم.

أزمة اقتصادية.

وظيفة فتحت.

شركة سكرت.

مرض.

حرب.

تكنولوجيا جديدة.

قرار اتخذه شخص ثاني على الطرف الآخر من العالم.

آلاف الأشياء اللي تدخل بالنتيجة وما إلنا سلطة عليها.

وهون بنوصل لفكرة بحس أصحاب "الاختيار العقلاني" لازم يعقلوا ويتواضعوا شوي معها.

حتى لو افترضنا الإنسان العقلاني المثالي تبعهم.

شخص عنده معلومات جيدة، وبعرف مصالحه، وبقارن البدائل، وبحسب الكلفة والمنفعة، وبختار أفضل خيار متاح.

تمام.

أعطيناه كل شيء.

برضه ما أعطيناه النتيجة.

لأنه الإنسان لا يختار النتائج.

هو يختار رهانا على النتائج.

وبين القرار والنتيجة في عالم كامل يتحرك.

قرارات ناس ثانيين، مؤسسات، اقتصاد، سياسة، صدفة، أحداث صغيرة، وأحيانا أشياء ما كان في أي طريقة معقولة للتنبؤ فيها.

العقلانية ممكن تساعدك تحسن الاحتمالات.

لكن ما بتحول الاحتمال إلى يقين.

وهاي مش دعوة إنه ما نخطط، أو إنه كل القرارات متساوية، أو إنه ما في قرار أفضل من قرار.

لازم ندرس، ونحسب، ونحاول نفهم قدر الإمكان. لكن لازم نعرف شو اللي بنعمله فعليا. إحنا ما بنسيطر على المستقبل. احنا بنحاول نحسن موقعنا داخله او هيك بنفكر.

وهون الفرق مهم

لأنه لو فهمناه، يمكن نصير أقل ثقة لما نحاكم الخاسرين، وأقل انبهارا لما نفسر نجاح المنتصرين.

ويمكن لما نقرأ التاريخ، بدل ما نسأل دائما:

"ليش ما عرفوا شو رح يصير؟"

نسأل سؤال أعدل:

"شو كان ممكن يعرفوا فعلا وقتها؟"

لأنه أسهل إنسان في العالم يكون حكيما بعد وقوع الحدث.

إحنا معنا معلومة ما كانت عندهم:

إحنا بنعرف شو صار.

reddit.com
u/Hasjojo — 13 days ago

ِشو يعني شخص طبيعي او طفل مش طبيعي؟ غابور ماتيه واسطورة الطبيعي

هل احنا متأقلمين مع واقعنا بشكل مريح؟ يعني عايشين، ولا بندفش حالنا بالحياة بطاقة أكبر من الي جسمنا بتحمله حتى نجاري الشروط الي عايشين ضمنها؟ وهل مجرد إننا قدرنا نتأقلم معها يعني إنه الوضع طبيعي وخلص الأمور تمام؟

يعني على سبيل المثال، من الخارج في شخص بشتغل عشر ساعات، عنده ولاد، بروح جم، ما عمرنا شفنا أعصابه فالتة، بتحمل التعب، ما بشكي وما بطلب مساعدة. احنا شايفين قدامنا أسطورة نجاح، وبنقدر هالشي.

لكن لما شخص ثاني ما بقدر يتحمل نفس الشروط، وبتفلت منه، وبدمن، أو بصير عصبي وأخلاقه ضيقة، بنبلش نسأل: شو ماله؟ شو مشكلته هو شخصيا؟

بس يمكن لازم نسأل سؤال ثاني: شو نوع التأقلم الي احنا أصلا بنطلبه منه؟

إذا كانت بيئة الشغل بتكافئ الي بضغط على حاله وبيضل شغال فوق طاقته، وإذا صارت قيمة الواحد مرتبطة بقديش بينتج، وإذا القلق وقلة النوم وإنك تضل مشغول طول الوقت صاروا أشياء عادية، فكونك قادر تتحمل كل هاد مش بالضرورة يعني إنك أحسن أو أصح. ممكن بس يعني إنك صرت أقدر على التأقلم مع هاي الظروف.

وعلى مستوى ثاني، الطفل المشاغب مزعج. لازم يتعلم الانضباط، ويهدأ، ويتعامل مع مشاعره، والكل حواليه بدهم يشوف نتيجة بسرعة. وإذا ما نفع تعديل السلوك، ممكن نبلش نسأل شو مشكلة الطفل وليش مش قادر يتأقلم مثل غيره.

طب هل ممكن مرات يكون السؤال ناقص؟

ممكن الطفل يتعلم إنه حتى يكون "كويس" لازم يقمع جزء من تعبيره واحتياجاته؟ وممكن أحيانا نكون بنطلب منه سرعة وضبط وسلوك ما بتناسب مرحلته النمائيه، وبعدين نفسر انه مش قادريجاري على إنها مشكلة موجودة فيه هو؟

وهون بنسال عن موضوع الطبيعي ومعناه

طبيعي بمعنى شو؟ يمكن أحيانا ما يكون أكثر من الشي الدارج والمتوقع ضمن سياق معين. وإذا استمرت شروط معينة لفترة طويلة، السلوكيات الي بتساعدنا نعيش ضمنها بتصير مألوفة، وبعدها ممكن تتحول هي نفسها لمعيار نقيس الناس عليه.

عشان هيك مش بالضرورة نقول هل الشخص متكيف كويس؟

لكن ممكن نسال عن مع إيش تأقلم؟ وشو اضطر يغير أو يكبت أو يتحمل في نفسه حتى يقدر يتأقلم؟

u/Hasjojo — 13 days ago

عن التناقض الداخلي: كيف بقدر الانسان يؤمن بقيمة ويعمل عكسها؟

كلنا تقريبا عنا قدرة على العيش داخل التناقض. والحلو بالموضوع إننا غالبا ما بنشوف تناقضنا، أو يمكن بخطر ببالنا للحظة، بس ما بنعيره أهمية.

يعني ممكن أكون مقتنع جدا بمبدأ العدالة، وبنفس الوقت أستغل منصبي لمنفعة شخصية. وعلى مستوى أعمق، كلنا بنشارك بشكل أو بآخر بمنظومة ظالمة، ومع هيك بنظل مقتنعين إننا، بالغالب، أشخاص عادلين، وإن المشكلة موجودة بمكان ثاني، مش فينا.

الرحمة والتسامح ممكن يكون إلهم قيمة عالية جدا عند الشخص، لكن إذا ما انصاغ الخبر بطريقة معينة، ممكن ما يلامس مشاعره ولا يهز مبدأ الرحمة عنده. ممكن أتعاطف مع كلب أو قطة وأحاول أساعدهم بكل ما بقدر، وبنفس الوقت ما أتحرك قدام معاناة مجموعة بشرية كاملة، ويمكن حتى أتمنالهم الشر.

الشخص منا غالبا ما بحس إنه منافق، ولا حتى بحس بالتناقض، لأنه القيم والفعل ما انحطوا بميزان داخلي واحد في لحظة اتخاذ القرار.

إحنا مش حاملين قيم ثابتة بتحكم كل تصرفاتنا. إحنا حاملين صورة عن حالنا، وبنحاول نحميها بالتبرير، وبإنا نعيد تعريف الموقف، أو نستثني حالنا من القاعدة. بنحكي: هاي الحالة غير، ما كان عندي خيار، الطرف الثاني بستاهل، أو اللي عملته مش بالضبط نفس الإشي اللي أنا برفضه عند غيري.

عشان هيك، ممكن القيم اللي بنحكي عنها تكون صادقة فعلا، بس مش دايما هي اللي بتحرك تصرفاتنا. مرات اللي بحكم سلوكنا مش هو نفس المبدأ اللي بنعتبره جزءا من هويتنا وكيانا. وهون الإنسان بكون مضطر يلاقي حل للتناقض.

والحل غالبا مش إنه يحكي: أنا منافق، والحياة ظالمة، وأنا مقتنع بإشي وبعمل عكسه. الأسهل إنه يصنع قصة داخلية مريحة، تخليه يحافظ على صورته عن حاله والصورة اكيد صورة جميله.

القصص ممكن تكون زي:

أنا معي فلوس لأني تعبت بحياتي.
أنا مسؤول كويس، بس الناس ما بدها تتطور.
هاي الحرب صارت لأن الدولة س او الشعب ص ورط حاله بهاي المعركة وهو مش قدها.

بس يمكن السؤال اللي لازم نسأله لحالنا هو: كم قصة من هاي القصص حقيقية وبتعكس الواقع، وكم منها مجرد تحصين ذاتي ضد تناقضنا الداخلي؟

خلي ببالك انه السلوك غير واعي وما بصنع السردية وانا مقتنع اني بصنع سردية، هاي التشكيلات الي بتصنعني وبتصنعك وبتشكل العين الي بنشوف فيها الواقع.

فممكن نستنتج ان الإنسان مش دايما بدور على التوازن بين أفكاره وأفعاله، قد ما بدور على تفسير بخليه يكمل من غير ما تنهار الصورة اللي شايف فيها حاله.

u/Hasjojo — 14 days ago

كراهية الاسلام والمسلمين take two

تمت الاستعانة بالذكاء الاصطناعي حتى نبني المقال الي بين ايديكم

"يُختزل نزع الإنسانية أحيانا في وصف جماعة بالحشرات أو الحيوانات. هذه صورة واضحة وخطيرة، لكنها تمثل نهاية صريحة لعملية قد تبدأ بألفاظ أكثر عادية. نزع الإنسانية، بمعناه الأوسع، هو تقليص قدرة أفراد الجماعة على الظهور كأشخاص: لكل منهم سيرة، وعلاقات، ومصالح متعارضة، وقدرة على الاختيار والتغير. الجماعة المنزوعة الإنسانية تظهر كتلة واحدة تتحرك بإرادة واحدة، ويغدو الفرد نسخة من دينه أو أصله.

لهذا يعمل الخطاب الديمغرافي المتطرف بطريقة خاصة. فهو لا يرى الطفل طفلا، بل مقعدا انتخابيا مستقبليا، أو رقما في ميزان سكاني، أو جنديا محتملا في جماعة غازية. ولا يرى الأسرة شبكة رعاية، بل آلة تكاثر. ولا يرى الجريمة فعلا يُنسب إلى فاعله، بل نافذة تطل على حقيقة الجماعة كلها. وعندما تقع المعاناة على أفراد هذه الجماعة، يجري تخفيض قيمتها: فالضحية مشتبه بها، أو مسؤولة ضمنيا عن المناخ الذي قتلها، أو جزء من خطر أكبر يجعل التعاطف معها سذاجة سياسية."

""ولا تقدم النرويج وكرايستشيرش، ولا التشابهات الخطابية التي سبقت جرائم تاريخية أخرى، دليلا على أن أوروبا أو أمريكا الشمالية تقف على عتبة إبادة المسلمين. ذلك استنتاج يتجاوز الأدلة ويهمل قوة المؤسسات والمقاومة والتعدد داخل المجتمعات. المشكلة في عبارة مثل «ثقافتهم متخلفة» ليست أنها تعادل دعوة إلى القتل؛ فهي لا تفعل. المشكلة أنها قد تضع أول حجر في بناء هرمية أخلاقية وسياسية: بشر يمثلون الحاضر والمستقبل، وبشر ينتمون إلى الماضي؛ بشر قادرون على المواطنة، وبشر يقال إنهم لا يندمجون؛ بشر ينبغي حمايتهم، وبشر يصبح وجودهم نفسه موضوعا للإدارة والضبط.""

open.substack.com
u/Hasjojo — 15 days ago

في ما يخص كراهية الاسلام/islamophobia

في مايلي عرض لحالتين تاريخيات محفزات بكراهية الاخر والمهاجر والمسلمين تمت الاستعانة بالذكاء الاصطناعي:

الحالتين بغرض التدليل على السؤال ومحاولة دراسة الاثر وما يمكن ان يترتب على السردية، وقد يكون لشخص اخر وجهة نظر مختلفة فلنجعل الحالتين اطار للنقاش ونرى اذا امكن استعارتهم في هذا المحور:

في الثاني والعشرين من يوليو/تموز ٢٠١١، فجّر أندرس بريفيك سيارة مفخخة في الحي الحكومي في أوسلو، ثم) انتقل إلى جزيرة أوتويا حيث كان شباب رابطة العمال، الجناح الشبابي لحزب العمال النرويجي، يقيمون مخيمهم الصيفي. قُتل في الهجومين سبعة وسبعون شخصا. لم يكن اختيار الهدفين عشوائيا: ففي البناء الأيديولوجي الذي تبناه بريفيك، كانت مؤسسات الدولة وحزب العمال جزءا من نخبة «خائنة» سمحت بالهجرة والتعددية الثقافية، ومهدت لما تخيله «أسلمة» تدريجية لأوروبا. لم يستهدف المسلمين مباشرة بقدر ما استهدف من اعتبرهم الوسطاء السياسيين الذين فتحوا لهم باب الأمة.

بعد ثماني سنوات، دخل برينتون تارانت مسجدين في مدينة كرايستشيرش النيوزيلندية فقتل واحدا وخمسين مصليا وحاول قتل أربعين آخرين. كان خطابه مبنيا على تصور «الاستبدال الكبير»: هجرة المسلمين وارتفاع مواليدهم ليسا، في هذا التصور، ظاهرتين اجتماعيتين يمكن تنظيمهما أو مناقشتهما سياسيا، بل عملية غزو ديمغرافي تهدد بقاء السكان البيض. وخلصت اللجنة الملكية النيوزيلندية إلى أن الهجوم كان مدفوعا بأيديولوجيا يمينية متطرفة معادية للإسلام، وأن أفكار «الاستبدال» كانت قادرة، قبل الهجوم، على تحفيز عنف متطرف في أكثر من بلد.

الاختلاف بين الهدفين مهم. بريفيك قتل «الخونة الداخليين»، وتارانت قتل «الغزاة». لكن البنية التي رتبت الطرفين داخل رواية واحدة كانت متقاربة: هناك جماعة أصلية تملك الغرب بوصفه ميراثا حضاريا وعرقيا، وجماعة دخيلة تتوسع داخله، ونخب ليبرالية ويسارية تتواطأ على تسليمه. لا تجعل هذه البنية كل من ينتقد الهجرة شريكا في الإرهاب، ولا تجعل كل حديث عن الهوية مقدمة للإبادة. لكنها تكشف سؤالا أعمق من نفسية مهاجمين منفردين: كيف تتحول جماعة من سكان أو مواطنين مختلفين إلى «مشكلة»، ثم إلى خطر ديمغرافي وأمني، ثم إلى وجود يبدو التخلص منه قابلا للتصور؟

ولم يخترع الرجلان مفرداتهما من الصفر. فتصور «أورابيا» الذي تبناه بريفيك، ونظرية «الاستبدال الكبير» التي تبناها تارانت، ينتميان إلى فضاء عابر للحدود تداول أفكار أسلمة أوروبا، وفشل التعددية الثقافية، وخيانة النخب، وتحول السكان البيض إلى أقلية. لكن وجود الفكرة في المجال العام لا يجعل كل من كرر جزءا منها مسؤولا عن فعل المهاجم. ما فعله الاثنان هو ضغط شبكة متفاوتة من المخاوف والحجج والمؤامرات في رواية وجودية واحدة، ثم استخراج برنامج عنف منها.)

هناك فكرة منتشره بسياق شبيه انه انتقاد الاسلام هو انتقاد للافكار وليس له تبعات ولا يعتبر فعل عنصري نحن ننتقد افكار والافكار عرضة للنقد". انا هنا لا احاول ان اقدم استنتاجات ولكن مهتم اسمع وجهات النظر" المختلفة هل القصتين الي طرحتا تقع تحت تبعات انتقاد ثقافة المختلف وتقود للعنصرية والتمييز وتعميق المعاناة؟ ام ان الحالتين متطرفات وتغذت على نظرية المؤامرة ولا يمكن استباط اي حاجة منها في هذا السياق؟

reddit.com
u/Hasjojo — 16 days ago

لما نقرأ رواية مترجمة، بنفترض إننا بنقرأ الكاتب نفسه، بس بلغة ثانية.

لكن هل هذا فعلا اللي بصير؟ وانا بحضر محاضرة لروبرت ولف عن كانط، طرح واحد من الحظور سؤال عن كلمتين وسال اذا ترجمتهم من الكتاب الاصلي بالالماني لنفس الكلمة ولا هما فعلا كلمتين مختلفتين باللغة الاصلية.

ولف ذكر مثال كقصة يعني مرتبطة عن الأدب الروسي، تحديدا عن كونستانس غارنيت الي ترجمت إلى الإنجليزية أعمالا كثيرة لتولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف. والمشكلة إنها، مهما كانت مخلصة بشغلها، مرّرت الكتّاب المختلفين جدا من خلال الصوت الإنجليزي نفسه.

لهيك في مقوله صار متعارف عليها إن القارئ الإنجليزي ما يقرأ تولستوي أو دوستويفسكي فعليا، بل يقرأ كونستانس غارنيت.

الفكرة مش إن الترجمة خيانة، ولا إننا لازم نتعلم الروسية حتى نقرأ رواية روسية. الفكرة إن الترجمة مش عملية منفصلة عن الشخص الناقل مهما حاول، مش لعيب فيه بس هاي البنية.

المترجم يقرر طول الجملة، ومستوى اللغة، وإيقاع النص، وكيف ينقل التكرار أو الغموض أو الركاكة المقصودة. وقد يرى جملة غريبة في الأصل، فيجعلها أكثر أناقة وانسيابية في اللغة الجديدة.

لكن ماذا لو كانت غرابة الجملة نفسها جزءا من شخصية الكاتب؟

دوستويفسكي المتوتر، المتكرر، والمندفع، مش هو تولستوي الهادئ والدقيق. لكن عندما يمر الاثنان عبر الأسلوب نفسه، قد تبدو المسافة بينهما أصغر مما هي عليه فعلا.

انا قرات لدوستويفسكي وما بعرف تولستوي بس الفكرة جيدة للطرح والتساؤل

الكتب ما بتنتقل بين اللغات كما هي.

لكن يعاد بناؤها داخل كل لغة.

الحلو بالموضوع انه بعض الكتب انتقلت من لغة عبر ترجمة وحدة، وحتى تاريخيا افلاطون مثلا الوحيد الي كتب عن سقراط (بشكل مباشر) وهيك في امور بنقول عنها مترجمة لكن لاي درجة اتحور الفهم واتغير الي انحكى من الشخص الاصلي.

وهذا على مستوى الترجمه، في امور على مستوى الفهم بس خلص بكفي اليوم على مستوى الترجمة والنقل.

reddit.com
u/Hasjojo — 18 days ago

القراءة وانحدرها عالميا

هل هذا مؤشر على التاخر المعرفي وزيادة الغباء؟ ولا القراءة انتهت كمصدر للمعرفة وتحولت لاشكال اخرى.

كل الاحصائيات للي بعملو احصائيات بتشوف تراجع كبير في مستويات القراءة. فاي رايكم بالموضوع

reddit.com
u/Hasjojo — 20 days ago

ايش السبب الي بخلي البشر تعمل مقارنة مع الناس الي احسن منها بس؟

Upward compersion... المفهوم جاي من علم الاجتماع وعلم النفس

ليش ما بنقول احنا احسن من ناس وامورنا احسن من غيرنا؟ وطبعا انا بقول انه الموضوع نفسي لكن الدراسات وجدت انه ممكن هرمونات الضغط النفسي تتفعل لما تحس انه في حد حوليك احسن منك كاستجابة لا ارادية.

هل هاي الحاجة ثقافية، ومرتبطة باقتصاد السوق؟ ولا حاجة في طبيعتنا البشرية؟ اي رايكم بالموضوع؟

reddit.com
u/Hasjojo — 22 days ago

المعضلة الوجودية: "المعنى" بنقدر نخلقه ولا الظروف بتنتجه

هل محاولاتنا الذاتيه للتفكير في معنى وجودنا ممكن تخلينا نلاقي معنى نرتاح معاه ونتصالح فيه، ولا مهما حاولت، الظروف هي الي بتشكل المعنى واذا ما تراتبت هاي الظروف مستحيل ينوجد المعنى او حتى يناخذ في حال كان موجود؟

reddit.com
u/Hasjojo — 24 days ago

هل الفكرة الي بنكتسبها احنا اصحابها ولا الشخص الي مررهالنا، وين بنقدر نرسم الحد الفاصل؟

​

اذا حد علمني فكرة معينه، وانا مش بس حفظتها، لا انا استوعبتها واتخزنت عندي بالذاكرة وثاني يوم قررت احكيها لحد ثاني من الاصدقاء. هاي الفكرة بعد ما بقيت اعيد صياغتها بلغتي وبطريقتي بقت فكرة مين بالزبط؟ وكم انا ضفت عليها من فهمي الخاص او حتى الاستعارات الي بقدر استخدمها لاشرح الفكرة لناس ثانيبن؟

u/Hasjojo — 26 days ago

هل إحنا عايشين بالماضي؟

​

كل شيء بتشوفه أو بتسمعه أو بتحسه، ما بوصل لوعيك بنفس اللحظة الي بصير فيها.

الضوء لازم يوصل للعين، والإشارة تنتقل عبر الأعصاب، وبعدين المخ يعالجها ويركب منها صورة مفهومة. يعني لما تشوف سيارة ماشية، أنت فعليا بتشوف معلومات وصلت بعد ما السيارة تحركت بالفعل.

بهذا المعنى البسيط: نعم، وعينا دائما متأخر قليلا عن العالم.

لكن الموضوع أغرب من مجرد التأخير.

المخ ما بقعد يستنى كل المعلومات وبعدين يبدأ يفهمها، لأنه لو عمل هيك راح نكون بطيئين جدا. بدلا من ذلك، هو بتوقع شو راح يصير، وبقارن توقعه بالإشارات الي وصلته، وبعدل الصورة باستمرار.

يعني أنت لا ترى الواقع مباشرة، ولا ترى الماضي كما هو. أنت تعيش داخل أفضل تخمين بناه مخك عن اللحظة الحالية، اعتمادا على معلومات وصلت متأخرة وتوقعات عن شو ممكن يصير بعدها.

لهيك ممكن نقول إن الحاضر الي بنعيشه مش نقطة زمنية معروفة. هو تركيب: جزء منه آثار من الماضي القريب، وجزء منه توقع للمستقبل القريب.

المخ بقطب الاثنين مع بعض، وبقدمهم إلنا على شكل لحظة متماسكة اسمها: الآن.

يعني مش بالضرورة احنا عايشين بالماضي، بس ممكن انه احنا في حالة مستمره بانتاج الحاضر؟ كيف ممكن نفهم علاقتنا بالزمن وكيف نربط الموضوع بمتى بنوخذ قراراتنا؟ واي معنى الارادة الحرة هون؟

reddit.com
u/Hasjojo — 27 days ago