
الهيمنة لا الهوية: في القومية ونقادها ومقاومة بلا عدو
الصورة من الانتفاضة الفلسطينية الاولى 1988
مقال طويل حجته المركزية كالتالي: يمتلك البشر حاجة عميقة ومتكررة إلى هوية جمعية تمنح الانتماء والاستمرار والفاعلية؛ والقومية ليست هذه الحاجة في ذاتها، بل أحد أوعيتها التاريخية الحديثة. وقد دفعت التجربة الأوروبية الكارثية نمطًا مهيمنًا من التراث الليبرالي إلى معاملة القومية بوصفها علامة على عدم النضج، ثم اكتسب هذا الحكم قدرة مؤسساتية على تعريف صورة الشعب المتقدم وتصديرها عبر بعض مشاريع بناء الدول والأمم والتنمية. لكن رفض القومية لم يُلغِ الحاجة إلى «نحن»؛ بل أعاد إنتاجها في هويات ليبرالية وأوروبية وكونية تقدم نفسها بوصفها تجاوزًا للهوية. لا يحاكم المقال هذا التحول بوصفه خيرًا أو شرًا، بل يكشفه جينالوجيًا؛ وحين ينتقل لاحقًا إلى الحكم الأخلاقي يجعل الهيمنة، لا مجرد وجود الهوية، معيار التقييم.
رابط المقال على substake: الهيمنة لا الهوية: في القومية ونقادها ومقاومة بلا عدو
مدخل
حين يعلن مجتمعٌ ما أنه تجاوز القومية، لا يعني ذلك بالضرورة أنه تجاوز حاجته إلى أن يقول «نحن». قد تصبح الحماسة القومية موضع ريبة، وقد تُعامَل الهوية الكثيفة بوصفها أثرًا من ماضٍ لم يبلغ أصحابه النضج السياسي بعد؛ لكن السردية المشتركة، والفخر بالانتماء، وحدود الداخل والخارج، والصورة التي ترسمها الجماعة عن ذاتها لا تختفي. إنها قد تعود تحت أسماء أكثر كونية وحيادًا في الظاهر: «أوروبا»، و«الديمقراطيات»، و«العالم الحر»، و«المجتمع الدولي». من هذه المفارقة يبدأ هذا المقال: لا من الدفاع عن القومية ولا من إدانتها، بل من الشك في أن حاجة البشر إلى هوية جمعية تزول لمجرد أن أحد أوعيتها التاريخية فقد شرعيته. فربما لم تختفِ الهوية حين أُعلن تجاوزها؛ ربما اغتربت عن اسمها، وأصبحت معاداة القومية نفسها هويةً لا ترى نفسها كذلك.
١. الحاجة التي لا تختفي
أنطلق من فرضية أريد اختبارها لا تهريبها بوصفها حقيقة مكتملة: البشر لا يعيشون بالمصالح والعقود والمؤسسات والتعاون العقلاني وحده؛ إنهم يحتاجون أيضًا إلى «نحن» تمنحهم الانتماء والاستمرار والمعنى والقدرة على الفعل المشترك. وأسمي هذه الحاجة طبيعية بمعنى محدود: ليست اختراعًا أيديولوجيًا يمكن محوه بقرار، بل ميلًا إنسانيًا متكررًا ومتصلًا بكون البشر كائنات اجتماعية متجسدة لا توجد إلا داخل علاقات وذاكرات مشتركة. لا يعني ذلك أن القومية نفسها مكتوبة في تكوين النوع البشري، ولا أن لنا غريزة بيولوجية في الدولة والعَلَم والحدود؛ فالقومية وعاء تاريخي حديث نسبيًا، أما الحاجة التي حملتها فأقدم وأوسع منها، وقد حملتها قبلها القبيلة والملّة والمدينة والطبقة وغيرها.
المشكلة إذن ليست أن أوروبا جرّبت القومية ثم رفضتها. ثمة نمط مؤثر من التراث الليبرالي الأوروبي (مع تحفظ شديد من السقوط في التعميم المفرط) تشكّل تحت وقع تجربة تاريخية ذات خصوصية: التنافس الإمبراطوري، والحربان العالميتان، والفاشية، والنازية، والإبادة. داخل هذه التجربة ارتبطت القومية في الوعي السياسي بما ينبغي للمجتمعات الناضجة أن تتجاوزه. ثم لم يبق هذا الحكم شأنًا أوروبيًا داخليًا؛ فقد اكتسب، عبر تفوق المؤسسات التي حملته، قدرة على تعريف الشعوب «المتقدمة» وتعليم المجتمعات الأخرى الصورة المقبولة للأمة والهوية والمواطنة، بما في ذلك عبر بعض مشاريع بناء الدول والأمم والتنمية والإصلاح.
لا أتعامل هنا مع «الغرب» بوصفه عقلًا واحدًا أو كتلة بشرية متجانسة. ففي داخله قوميات قوية، وتقاليد اشتراكية ومحافظة وأناركية وما بعد استعمارية، وحركات قاومت الإمبراطورية والحرب والعنصرية. موضوعي أضيق: تشكيلة ليبرالية مهيمنة امتلكت من القدرة المؤسسية ما جعل تجربتها الخاصة معيارًا عامًا للنضج السياسي. والمفارقة التي أريد فحصها هي أن هذه التشكيلة لم تُلغِ الحاجة إلى «نحن»؛ بل أعادت تنظيمها تحت أسماء مثل «أوروبي»، و«ليبرالي»، و«ديمقراطي»، و«العالم الحر»، و«المجتمع الدولي». لقد اغتربت الحاجة عن اسمها: صار رفض القومية نفسه، لدى كثيرين، أساسًا لهوية جمعية تتخيل أنها تجاوزت الهوية.
هذا ليس حكمًا بأن التحول جيد أو سيئ. قد تكون الهوية الجديدة أوسع وأقل عنفًا من قوميات سبقتها، وقد تكون بعض مؤسساتها قد قيّدت الحرب وحمت أفرادًا من تغوّل جماعاتهم. سؤالي وصفي وجينالوجي قبل أن يكون معياريًا: كيف تحولت خبرة تاريخية بعينها إلى صورة كونية للمجتمع الناضج؟ وكيف استمرت وظائف الهوية تحت خطاب يعلن تجاوزها؟
٢. الحاجة إلى «نحن»
لنبدأ من الأسفل. هل يستطيع البشر أن يعيشوا معًا بالمصالح والعقود والمؤسسات والتعاون العقلاني وحدها؟ يقدم توماس هوبز في الليافيثان نموذجًا صارمًا لاجتماع سياسي لا يحتاج إلى محبة متبادلة. ومع ذلك، لا يكفي عنده توافق المصالح ولا العهد وحده؛ فلا يصبح الاتفاق ثابتًا إلا حين تتحد الكثرة في شخص سياسي واحد، هو الدولة أو «الإله الفاني»، يمتلك القوة اللازمة لحفظ السلم والدفاع المشترك. أما هيغل فقلب المسألة رأسًا: الحرية لا تتحقق في فرد مجرد يوقّع العقود، بل في حياة أخلاقية مشتركة يتعرّف فيها الأفراد على أنفسهم في مؤسساتهم، ويعترف بعضهم ببعض ذواتًا حرة. الانتماء عنده ليس قيدًا على الحرية بالضرورة، بل الوسط الذي لا تكتسب الحرية مضمونها الاجتماعي إلا فيه.
ومن خارج هذا النسب الأوروبي، صاغ ابن خلدون فكرة قريبة بمفردات أخرى: العصبية ليست انفعالًا قبليًا فائضًا عن حاجة السياسة، بل قوة اجتماع ونصرة لا يقوم الملك من دونها، ثم يهددها الترف حين يستقر السلطان. لا تتطابق هذه الأنساب الفكرية الثلاثة، ولا يصح جمعها في نظرية واحدة؛ لكنها تلتقي عند حد أدنى: الاجتماع السياسي لا يقوم طويلًا على المصلحة العارية.
لكن ينبغي هنا تمييز حاجتين لا حاجة واحدة. الأولى سوسيولوجية وظيفية: تحتاج المجتمعات الكبيرة قدرًا من التماسك والثقة المعممة والسرديات المشتركة كي تعمل مؤسساتها، وألا تتحول كل معاملة إلى مواجهة بين غرباء متوجسين. والثانية فردية متجسدة: يحتاج الإنسان انتماءً وأمانًا واستمرارية ومعنى؛ يحتاج أن يكون جزءًا من «نحن» تسبق ولادته وتبقى بعد موته، وتمنح حياته المحدودة موضعًا في قصة أطول منها. الأولى تتصل بشروط انتظام المجتمع، والثانية بكيفية عيش الفرد لنفسه بين الآخرين. والخلط بينهما ينتج مغالطتين متعاكستين: اختزال الانتماء إلى «غراء اجتماعي» نافع يمكن استبدال أي لاصق به، أو تضخيمه إلى غريزة قبلية حتمية تبرر كل تعصب.
لذلك لا أزعم أن القومية ضرورة بيولوجية، ولا أحتاج إلى ردّها إلى علم النفس التطوري. يكفيني ادعاء بسيط: صور «النحن» تتكرر بعناد في التاريخ، بينما تتغير أوعيتها وحدودها ومضامينها. الحاجة ثابتة نسبيًا، والوعاء منتَج؛ بل إن ما يبدو تجاوزًا للوعاء قد يكون أحيانًا انتقالًا للحاجة إلى وعاء آخر.
على أن لكل «نحن» حدًا يفصلها عما ليس منها، لكن رسم الحد ليس هو الهيمنة بعد. قد يكون الحد منفذًا أو مسوّرًا، سياسيًا أو عرقيًا، قابلًا للعبور أو مغلقًا بالدم؛ وقد ينظم اختلافًا بين جماعتين من غير أن يرتبهما، كما قد يتحول إلى سلّم يضع جماعة فوق أخرى. بل إن جماعات كثيرة لا تكتفي بإقصاء الآخر بعد اكتمالها، وإنما تتماسك عبر إقصائه. لا ينبغي إذن تبرئة الهوية، كما لا ينبغي مساواتها سلفًا بالعدوان: التمييز شرط تكوّن الجماعة، أما تحويله إلى تراتب وإخضاع فمسألة سياسية وتاريخية أخرى.
٣. القومية وعاءً لا جوهرًا
القومية أحد أوعية الانتماء الجمعي، وهي وعاء حديث نسبيًا مهما ادعت القِدم. سمّى بنديكت أندرسون الأمة «جماعة متخيّلة»، وأسيء فهم العبارة أحيانًا كأنها فضح لزيفها. لكن المتخيّل عند أندرسون ليس الكاذب؛ فكل تضامن يتجاوز المجال الذي يعرف أفراده بعضهم بعضًا وجهًا لوجه يحتاج إلى وسائط تجعل الملايين الذين لم يلتقوا قط يشعرون بأنهم يسيرون معًا في زمن وقصة ومصير. والسؤال الجاد ليس: هل الأمة حقيقية أم متخيّلة؟ بل: كيف يجري تخيّلها، ومن يدخل في صورتها، ومن يُمحى منها، وماذا يتيح هذا التخيل وماذا يمنع؟ أما رينان فأمسك بوجه آخر للمسألة حين ربط الأمة بذاكرة مشتركة ونسيان مشترك، وبإرادة متجددة في مواصلة الحياة معًا، لا بمعطى دموي خالص.
فماذا يفعل هذا الوعاء؟ إذا عُلّقت الأحكام لحظة وسئل عن وظائفه، ظهرت قائمة يصعب الاستهانة بها: يحوّل جموعًا متفرقة إلى ذات سياسية قادرة على الفعل والمطالبة؛ ويوسع دائرة التضامن إلى ما وراء القرابة والمعرفة الشخصية؛ ويمنح الأفراد إرتكازا نفسيًا واستمرارية عبر الأجيال؛ ويعبئ للبناء والتضحية؛ ويوفر، في السياقات المناهضة للاستعمار، لغة تحوّل «الأهالي» و«السكان الأصليين» من موضوعات للإدارة إلى شعوب تطالب بتقرير مصيرها. هنا لم تكن الحرية شأنًا فرديًا فحسب، بل استعادة جماعية للقدرة على تسمية الذات وتقرير المستقبل.
وفي القائمة المقابلة أمراض القومية المعروفة: شوفينية تحوّل الاعتزاز إلى احتقار؛ وعرقنة (أي إضفاء معنى عرقي على الانتماء) تحوّل العضوية السياسية إلى دم ونقاء؛ وإقصاء داخلي لمن لا يطابق الصورة؛ وغزو خارجي باسم الرسالة أو المجال الحيوي. لقد حضرت القومية في تحرر الجزائر، وحضرت في النازية، لكن جمعهما تحت الاسم نفسه لا يساوي بينهما أخلاقيًا ولا يزعم أنهما ظاهرة تاريخية واحدة. ما يكشفه هذا الجمع أدق: أن كلمة «قومية» وحدها لا تمنحنا حكمًا أخلاقيًا كافيًا، لأن القدرة على صناعة ذات جمعية وتعبئتها قد تتجه إلى التحرر من إخضاع قائم، كما قد تتجه إلى إخضاع الآخرين.
فانون، الذي عاش المسألة لا بوصفها تمرينًا نظريًا، رأى الوجهين معًا. فالوعي القومي عنده لحظة لا يستطيع المستعمَر القفز فوقها، لأنه أحد الأشكال التي يستعيد بها شعب محطّم فاعليته. لكنه خصص كذلك نقدًا لعثرات هذا الوعي حين تستولي عليه برجوازية وطنية ترث موقع المستعمِر وتعيد إنتاج البنية القديمة تحت علم جديد. لا يعالج فانون المسألة بوصفها اختيارًا مجردًا بين تمجيد القومية وإدانتها في ذاتها؛ تعامل معها كلحظة تاريخية ضرورية في بعض السياقات ومحفوفة في الوقت نفسه، وما بعدها معركة أخرى على شكل المجتمع الذي سيحمل الاستقلال اسمه.
>
٤. حين صار رفض القومية معيارًا للنضج
من أين جاءت القناعة الراسخة، في تيار مؤثر من الفكر الليبرالي الأوروبي، بأن القومية مرض في ذاتها؟ لم تنشأ من تأمل كوني معلق فوق التاريخ، بل صاغتها خبرة يمكن تأريخ عناصرها: تنافس إمبراطوري انفجر عام ١٩١٤؛ وقتل جماعي في الخنادق؛ ثم صعود الفاشيات؛ ثم قومية عرقية نظمت إبادة صناعية؛ ثم قارة خرجت من عام ١٩٤٥ مدمرة تنظر في المرآة. وفي إحدى السرديات المؤسسة للمشروع الأوروبي بعد الحرب، صار التكامل فوق القومي جوابًا عن الكارثة: تقييد قدرة الدول الأوروبية على خوض الحرب بعضها ضد بعض، وتحويل ذاكرة الحربين إلى مصدر لشرعية سياسية جديدة.
هذا النقد صادق مع جراحه، ولا معنى للسخرية منه. لكنه ليس الشكل الوحيد لمعاداة القومية، كما أن أوروبا بعد الحرب لم تتخلّ ببساطة عن دولها وهوياتها الوطنية أو عن مصالحها الإمبراطورية. الأدق أن نقول إن خبرة الكارثة منحت نمطًا بعينه من الشك في القومية سلطة أخلاقية استثنائية. ومع الوقت، لم يعد الابتعاد عن القومية مجرد درس أوروبي من تاريخ أوروبي؛ صار علامة على أن المجتمع عقلاني ومتقدم وقادر على ضبط انفعالاته الجمعية، في مقابل مجتمعات توصف بأنها لا تزال أسيرة القبيلة أو الطائفة أو القومية الساخنة.
والمفارقة الزمنية صارخة: ففي العقود التي كانت فيها أوروبا الغربية تبني مؤسسات تتجاوز بعض وظائف الدولة القومية، كانت شعوب في آسيا وأفريقيا تنتزع السيادة الوطنية بوصفها إحدى أدوات الخروج من الخضوع. لم تكن القومية عند هذه الشعوب ذكرى الكارثة فحسب، بل وعدًا بالكرامة والفاعلية. وهذا لا يجعل القوميات المناهضة للاستعمار بريئة؛ فكثير منها ورث حدودًا استعمارية، وهمّش أقليات، وحوّل وحدة التحرر إلى قيد على التعدد بعد الاستقلال. لكنه يجعل مطالبة هذه الشعوب بتجاوز الدولة القومية فور امتلاكها إياها موضع سؤال: من يملك تعريف «النضج السياسي»؟ ولماذا تُعامل ساعة أوروبا كأنها ساعة العالم؟
الأهم أن التراث الليبرالي الذي ارتاب بالقومية لم يتوقف عن صناعة الأمم. ففي مشاريع بناء الدول والأمم، لم يكن الهدف في العادة إلغاء كل هوية وطنية، بل إنتاج صيغة تعدّ أكثر نضجًا وقابلية للإدارة: مواطنة قانونية، ومؤسسات موحدة، ودولة ذات سيادة، وولاء وطني مضبوط لا ينازع الإجراء الليبرالي، مع دفع الانتماءات الأكثر كثافة إلى المجال الخاص أو تصنيفها بوصفها عائقًا أمام الاستقرار. لذلك لا تقف المفارقة بين قومية ولا قومية، بل بين صورتين للأمة: أمة تُعَد مدنية وعقلانية ومنخفضة الانفعال، وأمة تُقرأ بوصفها عرقية أو قبلية أو زائدة عن الحد.
لا أقدّم هذه الصيغة حكمًا شاملًا على كل مشروع لبناء الدول أو الأمم؛ فهذه المشاريع متباينة، وبعضها حاول معالجة انهيار سياسي أو حرب أهلية أو غياب مؤسسات عامة. ما أريد تثبيته هو منطق متكرر يحتاج إلى أمثلة ودراسات حالة: الجهة التي تعلن أن القومية مرحلة ينبغي تجاوزها قد تعود فتصنع للشعوب هوية وطنية «مقبولة» وفق معيارها. إنها لا تلغي الحاجة إلى «نحن»، بل تمنح نفسها سلطة تحديد شكلها الناضج.
٥. درس طلال أسد وهوية تنكر اسمها
يقدّم طلال أسد هنا أداة منهجية مهمة. ففي تحليله للعلماني، لا يتعامل معه بوصفه مجرد غياب للدين أو حياد للدولة تجاهه، بل بوصفه تشكّلًا تاريخيًا أعاد تعريف ما يُعَد دينًا وما يُعَد سياسة، وشكّل تصورات مخصوصة عن الذات والاعتقاد والألم والعنف المشروع والحضور المقبول في المجال العام. لذلك لا يكون السؤال فقط: هل حررت العلمانية الأفراد من سلطة دينية؟ بل أيضًا: أي «دين» أعادت الدولة تعريفه وتنظيمه، وأي ذوات صنعتها شروط هذا التنظيم؟ يمكن لتشكيلة واحدة أن تحرر في علاقة، وأن تؤدب وتقصي في علاقة أخرى.
والقياس الذي أقترحه — بوصفه امتدادًا لمنهج أسد لا دعوى منقولة عنه — هو أن معاداة القومية الحديثة ليست غيابًا محايدًا للهوية الجمعية، ولا موقفًا يطل على التاريخ من خارجه. إنها قد تحمل تعريفًا مخصوصًا للسياسة الناضجة: سياسة ما بعد قومية، إجرائية، منخفضة الانفعال؛ وتعريفًا للتضامن المقبول: إنسانيًا عامًا أو مصلحيًا محسوبًا، لا «نحن» كثيفة؛ وتعريفًا للهوية المشبوهة: كل هوية جمعية ساخنة، ما عدا الهوية التي ينتجها هذا الخطاب عن نفسه.
هنا تقع المفارقة في مركزها: المجتمعات التي ترتاب رسميًا بالقومية تواصل العمل عبر هويات جمعية قوية. «أوروبي»، و«غربي»، و«ليبرالي»، و«العالم الحر»، و«ديمقراطيات العالم»، و«المجتمع الدولي»؛ ليست هذه العبارات كلها قوميات مقنّعة، ولا يصح محو الفرق بين هوية حضارية أو سياسية وبين قومية ترتبط بدولة وشعب وسيادة. لكنها تؤدي بعض الوظائف نفسها: تمنح سردية عن الذات، وترسم حدًا بين داخل وخارج، وتنتج فخرًا وانتماء، وتعبئ حين يُستشعر التهديد، وقد تحدد من يملك الكلام باسم «العالم» ومن يبقى موضوعًا لخطابه. ليست المسألة أن القومية اختفت، ولا أن كل هوية جديدة قومية بالمعنى الدقيق؛ بل أن الحاجة إلى «نحن» استمرت في صيغة تقدم نفسها بوصفها تجاوزًا لهذه الحاجة.
وحين تقترن هذه المعايير بسلطة مؤسساتية — عبر بعض صيغ خطاب حقوق الإنسان أو عمل المنظمات الدولية أو شروط التمويل أو مشاريع الإصلاح وبناء الأمم — فإنها لا تكتفي بحماية الأفراد من تغول جماعاتهم، وهي تفعل ذلك فعلًا في حالات كثيرة، بل قد تكتسب كذلك سلطة تعليم المجتمعات أي مشاعرها مشروع وأيها متخلف، وأي مطالبها كوني وأيها «قبلي»، وأي غضبها مفهوم وأيها همجي. لا يعني هذا أن هذه المؤسسات تؤدي الوظيفة نفسها دائمًا؛ فتعميم كهذا يحتاج دراسات حالة. المقصود تحديد آلية ممكنة: يتحول تصور تاريخي مخصوص للذات الناضجة إلى معيار إداري حين يقترن بالقدرة على التصنيف والمنح والمنع.
السؤال المستلهم من أسد ليس: هل نقد القومية صحيح؟ فقد يكون صحيحًا وضروريًا في مواضع كثيرة. وليس: هل الهوية الليبرالية الجديدة أفضل أم أسوأ من الهويات القومية التي تنتقدها؟ قد تكون أوسع وأقل إقصاء بالفعل. السؤال هو: كيف تنكر تشكيلة تاريخها وخصوصيتها، وتعرض نفسها بوصفها الموقف الذي لا هوية له؟ وماذا تفعل حين تصبح معيارًا يُدار به الآخرون؟
٦. من الوصف إلى المعيار: الهيمنة لا الهوية
حتى هذه النقطة، لم تكن حجتي أن القومية خير، ولا أن معاداتها شر. كانت الحجة أن الحاجة إلى الهوية الجمعية لا تختفي بمجرد إدانة أحد أوعيتها، وأن الهوية قد تستمر في صورة من ينكرها. فإذا انتقلنا الآن من الوصف إلى الحكم، فلا يكفي أن نسأل عن وجود «نحن» أو كثافتها؛ فالمركز الأخلاقي للمسألة يقع في مكان آخر. لم يكن الشر الجوهري في النازية أن جماعة امتلكت «نحن»، بل أن هذه «النحن» عُرّفت عرقيًا، ثم سُخّرت لها قدرة هائلة وغير متكافئة على تصنيف الآخرين وتجريدهم وإخضاعهم وإفنائهم. المشكلة الأخلاقية المركزية ليست الهوية في ذاتها، بل علاقة الهيمنة التي تنتجها الهوية أو تبررها أو تخفيها.
وهذا لا يبرئ الهوية، بل يغيّر السؤال الموجّه إليها. بدلًا من أن نسأل جماعة: «هل أنتم شديدو الشعور بذاتكم؟»، نسأل: «كيف تُبنى جماعتكم، ومن يدفع ثمن بنائها، وما القدرة التي تمنحها لنفسها على تقرير إمكانات غيرها؟». قد تكون هوية ليبرالية معلنة أكثر هيمنة من هوية قومية صريحة في سياق معين، وقد تكون قومية ما جهازًا قاسيًا لإخضاع أقلياتها أو جيرانها. الاسم لا يحسم الحكم؛ توزيع القدرة هو الذي يفعل.
يقدّم التقليد الجمهوري، في صياغة فيليب بيتيت المعاصرة، تعريفًا نافعًا للحرية باعتبارها غياب الهيمنة، لا مجرد غياب التدخل الفعلي: فقد يتركك طرف أقوى وشأنك اليوم، وتظل غير حر ما دام يملك قدرة غير خاضعة لرقابتك على التدخل في حياتك متى شاء. يظل العبد ذو السيد الرحيم عبدًا، لأن حياته رهن إرادة لا يملك ردها أو محاسبتها. وبمفردات مختلفة، يساعد فوكو على ألا نتخيل السلطة شيئًا تحتكره يد واحدة؛ فهي تعمل في شبكة من المؤسسات والمعارف والممارسات، وقد تتصلب علاقات القوة فيها حتى يضيق على طرف مجال الفعل والرد. لا تتطابق لغة فوكو مع الجمهورية، لكن كليهما يوجّه النظر من إعلان الهوية إلى توزيع القدرة الفعلية.
يتضح الفرق في جملتين: «أهتم لأن هؤلاء مني»، و«أهتم لأن علاقة هيمنة قائمة». الأولى أخلاق قرابة الهوية: صادقة ودافئة، لكنها موزعة وفق حدود التماهي. والثانية أخلاق البنية: تطمح إلى إدانة الهيمنة حيثما وجدت، بما في ذلك حين يمارسها «أهلي» على غيرهم أو على بعضهم بعضًا. أتبنى الثانية معيارًا، لكن البشر الفعليين لا يبدأون منها غالبًا؛ فالانتباه والحزن والغضب تجري في قنوات التماهي قبل أن يصل الحكم المعياري. ليست المشكلة أن نملك موقعًا نرى منه، إذ لا رؤية بلا موقع، بل أن نحوّل موقعنا إلى المقياس الوحيد لما يستحق أن يُرى.
٧. الكونية حين تدخل السياسة: جنوب أفريقيا
تكشف جنوب أفريقيا زمن الفصل العنصري الفارق بين المبدأ المعلن وطريقة اشتغاله سياسيًا. فمنذ وصول الحزب الوطني إلى الحكم عام ١٩٤٨، بُني نظام قانوني ومؤسساتي للسيادة البيضاء والفصل وتجريد الأغلبية من حقوقها السياسية وضبط حركتها ومكان سكنها وعملها. كان النظام مثالًا واضحًا على هوية جمعية تحولت إلى تراتب وهيمنة. ومع ذلك لم تتعامل الحكومات الغربية معه طوال تاريخه بوصفه عدوًا نموذجيًا لمبادئها المعلنة. اختلفت المواقف بين دولة وأخرى وتبدلت بمرور الزمن، لكن الاعتبارات الاستراتيجية والاقتصادية والحرب الباردة أخّرت العزل الشامل: تبنت إدارة ريغان سياسة «الارتباط البنّاء»، وقاومت حكومة مارغريت تاتشر عقوبات شاملة، في الوقت الذي كانت فيه حركة مناهضة الفصل العنصري تتسع داخل المجتمعات الغربية نفسها، في الجامعات والنقابات والكنائس وغيرها، وتضغط على الحكومات.
الاستنتاج الرخيص من هذا التاريخ هو أن «الغرب منافق، إذن مبادئه باطلة». وهذا استنتاج فاسد؛ فتقصير حامل المبدأ لا يبطل المبدأ. أما الاستنتاج الأدق فهو أن المبادئ لا تطبق نفسها بنفسها: إنها تكتسب أثرها عبر دول ومؤسسات وتحالفات لها مصالح وخرائط تماهٍ، فتُفعّل بقوة في مواضع، وتُعلّق أو تُؤجّل في مواضع أخرى. ليست الانتقائية برهانًا على استحالة الكونية، لكنها تكشف أن الانتقال من المبدأ إلى الفعل يمر عبر جماعات ومؤسسات محددة. لذلك تصبح معرفة «النحن» التي تطبّق المبدأ — تاريخها ومصالحها وحدود تماهيها — جزءًا من فهم الكوني في اشتغاله الفعلي، لا ذريعة لرفضه.
٨. الإدراك قبل الحكم: ما بعد ١١ سبتمبر
ثمة طبقة أعمق من الانتقائية في التطبيق: انتقائية في الإدراك نفسه. يضيء ما بعد هجمات ١١ سبتمبر هذه الطبقة؛ فلم يكن المشهد مجرد مبادئ كونية ساء تطبيقها، بل إعادة شحن للمقولات قبل الحكم الصريح. «مسلم»، و«عربي»، و«إرهابي»، و«متحضر»، و«ديمقراطي»، و«غربي»؛ اكتسبت هذه الكلمات حمولة وجدانية وسياسية نظمت ما يظهر تهديدًا أو مأساة أو دفاعًا أو همجية. أي موت يُرى فاجعة لها أسماء ووجوه، وأي موت يمر في لغة «الأضرار الجانبية»؟ أي خوف يعامل بوصفه خبرة سياسية جدية، وأي خوف يُختزل في اللاعقلانية؟ كان إدوارد سعيد قد حلل الأرشيف التمثيلي الذي جعل «الشرق» موضوعًا للمعرفة والإدارة معًا، ووفر مخزونًا من الصور القابلة للاستدعاء في لحظات الأزمة.
الدعوى هنا محددة: لا تقتصر الهوية الجمعية على تعيين من نناصر بعد اكتمال رؤيتنا للحدث؛ إنها تشارك في تشكيل ما نراه ابتداءً، وفي توزيع الانتباه والتعاطف والشك. لكن هذا ليس حديثًا عن «عقل غربي» موحّد يريد ويكيد. فقد ظهرت داخل المجتمعات الغربية نفسها حركات مناهضة للحرب، وخرجت احتجاجات جماهيرية عام ٢٠٠٣، وجاءت من جامعاتها وصحافتها وحركاتها الاجتماعية أدوات حادة لنقد الإمبراطورية؛ كما أن الدول الغربية لم تكن كتلة مصالح واحدة. الحديث أدق من ذلك: عن تشكيلات مهيمنة تقابلها تشكيلات مضادة، وعن أنماط تعمل عبر الأرشيف والمؤسسة والعادة، لا عن مؤامرة يديرها فاعل واحد من غرفة مغلقة.
يضيء كارل شميت، الذي ينبغي استدعاؤه بحذر الخصم لا بثقة المرشد، جانبًا آخر من المفارقة: إعلان تجاوز التمييز السياسي بين الصديق والعدو لا يضمن اختفاءه، وقد يجعل الحرب باسم «الإنسانية» أشد إطلاقًا حين يُقدّم الخصم بوصفه خارج الإنسانية. ليست العبرة أن نتبنى تعريف شميت للسياسي، بل أن ننتبه إلى خطر لغوي وسياسي: قد تختفي كلمة «قومية» من قاموس جماعة ما، بينما يبقى التمييز بين «نحن» و«هم» عاملًا تحت أسماء أكثر كونية في الظاهر. لا يثبت هذا أن كل كونية هي قومية متنكرة، لكنه يمنع الكونية من ادعاء أنها بلا موضع ولا حدود.
٩. جسد يشعر بالهيمنة عن بُعد
أصل هنا إلى الفكرة الأصعب في هذا المقال وأكثرها التصاقًا بي. يمكن للإنسان أن يشعر في جسده بأثر هيمنة لا تقع عليه مباشرة. أتابع قصف غزة التي لا أسكنها، وتجويع فلسطينيين لم ألقَ أحدًا منهم، وإذلال رجل فلسطيني على حاجز إسرائيلي يبعد عني مئات الكيلومترات، فيحدث في جسدي شيء: انقباض في الصدر، ونوم مضطرب، وشعور غامض بأن سقف الممكن في حياتي أنا قد انخفض. عبر التماهي مع الواقعين تحت الاحتلال أو الاستعمار أو العرقنة أو القصف، يصبح انسداد إمكانات جماعة أتماهى معها قيدًا جزئيًا على إحساسي أنا بالكرامة والفاعلية والإمكان.
لا يعني ذلك أنني أعيش الهيمنة نفسها التي يعيشها الفلسطيني الذي يقع عليه القصف أو يمر بالحاجز؛ فالمساواة بين التجربتين استيلاء على معاناة ليست لي. المقصود أن للهيمنة دوائر أثر تتجاوز موضوعها المباشر، وأن الهوية إحدى وسائل انتقال هذا الأثر. وصف فانون تجربة الجسد المعرقن الذي يأتيه معناه من الخارج ويتجمد في تمثيل يسبقه. وما أفعله هنا هو توسيع للسؤال، لا نقل مباشر عنه: كيف تنقل الصورة واللغة والذاكرة بعض آثار الإخضاع عبر المسافة، فيستجيب جسد هنا لما يقع على أجساد هناك؟
ينبغي رفض اختزالين متعاكسين لهذه الظاهرة. ليست مجرد «قبلية لاعقلانية»، لأن علاقة الهيمنة المدركة واقعة سياسية لا هلوسة؛ وليست تضامنًا رومانسيًا نقيًا، لأنها تسلك قنوات هوية جزئية تجعلني أرى ضحايا أسرع من غيرهم، وقد تجعلني أبكي على ضحايا أتماهى معهم أكثر مما أبكي على ضحايا آخرين تعرضوا لهيمنة لا تقل قسوة. إنها الكيفية التي تُعاش بها السياسة لدى كائنات متجسدة ومتموضعة: لا يأتي الإدراك محايدًا ثم تُضاف إليه الانفعالات لاحقًا، بل يتشكل الانتباه منذ البداية داخل تاريخ من الصور والقرابات والذكريات.
وهنا نعود إلى التوتر الذي أشرت إليه سابقًا: من يتبنى معيار «أهتم لأن الهيمنة قائمة» يظل جسده يبدأ من مكان ما، ويظل انتباهه موزعًا على خريطة تماهيه. لا أعرف تسوية نظرية تلغي المسافة بين المعيار الكوني والجسد المتموضع. أعرف فقط أن إنكار أحدهما يزوّر تجربتنا: كونية بلا جسد تخفي موقعها، وهوية بلا معيار قد تعجز عن رؤية ظلم يمارسه أهلها.
١٠. مقاومة بلا عدوّ
تبقى العقدة الأخيرة. لا أؤمن إيمانًا قويًا بإرادة حرة ميتافيزيقية. الجندي الإسرائيلي على الحاجز شكلته مؤسسات وسرديات خوف ومنظومة حوافز لم يصممها وحده؛ والبيروقراطي الإسرائيلي الذي يوقّع أمر هدم بيت فلسطيني يعمل داخل تاريخ وإدارة سبقاه؛ والمستوطن الإسرائيلي تربّى على أرشيف يجعل ما يفعله يبدو له دفاعًا؛ وأنا نفسي، بانحيازاتي وتماهياتي وحدود إبصاري، نتاج تاريخ لم أختر بدايته. يصعب عليّ، مع هذه القناعة، تقسيم العالم إلى ذوات بريئة وأشرار يختارون الشر اختيارًا حرًا صافيًا.
لكن التفسير ليس إعفاء. كون الفاعل مشكّلًا بأسباب لم يخترها لا يجعل فعله بلا أثر، ولا يسقط الحاجة إلى منعه ومحاسبته وتغيير الشروط التي تنتجه. ويمكن تأسيس المسؤولية هنا لا على استحقاق ميتافيزيقي للعقاب، بل على موقع الشخص في علاقة الهيمنة، وقدرته الفعلية على إدامتها أو تعطيلها، والحاجة إلى حماية من يقع عليها الضرر. الامتناع عن شيطنة الأشخاص لا يلغي الواقعة الصلبة: الاحتلال قائم، والهيمنة تسحق أجسادًا فعلية، وقد يجب وقفها بالقوة السياسية والقانونية والاجتماعية، لا الاكتفاء بفهمها.
فما الذي أقاومه إذا رفضت الهيمنة، ورفضت في الوقت نفسه أن أصنع لنفسي شعبًا عدوًا؟ الجواب الذي أحاول الدفاع عنه، على هشاشته، هو أن يكون موضوع المقاومة علاقة ونظامًا لا هوية موروثة: جهازًا، ومؤسسة، وتراتبًا، وبنية حوافز، ونظام الاحتلال الإسرائيلي بما يحمله من فصل ونهب؛ أي التكوين الذي ينتج الهيمنة ويعيد إنتاجها ويجنّد البشر في خدمتها. لا يعني هذا أن الأشخاص يختفون خلف البنية؛ فالبنى تعمل من خلال قراراتهم وأجسادهم ومواقعهم. لكنه يعني أن يُواجَه الفرد بقدر مشاركته وقدرته ومسؤوليته داخل الجهاز، لا لمجرد ولادته في جماعة. يمكن للمرء أن يكون صلبًا ضد الاحتلال الإسرائيلي من غير أن يلتزم كراهية كل إسرائيلي لمجرد انتمائه، وأن يقاوم نظام فصل عنصري من غير أن يجعل شعبًا كاملًا موضوع المقاومة.
هنا لا يميع التحليل البنيوي المسؤولية، بل يعيد توزيعها: يفرّق بين واضع السياسة ومنفذها والمستفيد منها ومعارضها والخاضع لها؛ ويبحث عما ينبغي تعطيله في القانون والمؤسسة والاقتصاد والخيال السياسي حتى تفقد الهيمنة قدرتها على إعادة إنتاج نفسها. وقد يقتضي ذلك مقاومة أشخاص في أدوارهم الفعلية وفرض كلفة أو قيد عليهم، لكنه لا يحتاج إلى تحويل جوهرهم أو ذريتهم إلى عدو وجودي.
مع ذلك، تقتضي الأمانة حساب الثمن. فالمؤسسات لا تقف عند الحواجز؛ أشخاص يفعلون. والعلاقات المجردة لا تظهر في نشرات الأخبار؛ تظهر وجوه من يأمرون وينفذون ويقتلون ويُقتلون. لذلك يسهل على الغضب أن يجد موضوعه في جماعة مرئية، ويصعب على الحشود أن تحتشد ضد «آليات إنتاج الهيمنة». وقد اعتمدت حركات كثيرة على الكراهية لأنها وقود سريع للتعبئة، غير أن سرعتها لا تجعلها وقودًا بلا ثمن: فهي تميل إلى توسيع دائرة المذنبين، وإطالة عمر العداوة بعد تغير البنية، وزرع مبررات هيمنة مقبلة داخل حركة تقاوم هيمنة حاضرة. وفي المقابل، قد تكون سياسة ترفض تحويل الخصم إلى عدو وجودي أبطأ تعبويًا وأثقل نفسيًا، ولا يوجد ضمان نظري بأنها ستنجح لمجرد أنها أكثر اتساقًا أخلاقيًا.
لهذا ينبغي أن يبقى السؤال مفتوحًا، لكن لا بلا أي جواب: موضوع المقاومة الأول هو علاقة الهيمنة وأجهزتها، ويُواجَه الأشخاص بحسب أفعالهم ومواقعهم فيها، لا بحسب أصلهم وحده. أما ما لا أعرفه فهو هل يستطيع هذا التمييز أن يصمد في حرارة الصراع، وأن ينتج تضامنًا فعالًا من دون استعارة الكراهية التي يريد تجاوزها. بين هوية منغلقة ترتاح إلى شعب عدو، وكونية متعالية تنكر أنها هي الأخرى «نحن» لها جسد وموقع وتاريخ، لا أرى حلًا نقيًا. أرى فقط مهمة أصعب: أن ننطلق من «نحن» نعترف بحاجتنا إليها، وأن نخضعها لمعيار يتجاوزها؛ أن نقاوم من موضع محدد، من غير أن نجعل هذا الموضع المقياس الوحيد للإنسان؛ وأن نكون قساة على الهيمنة من غير أن نجعل من شعب كامل عدوًا لا يستحق إلا الكراهية.