u/NocturneInX
لماذا من المستحيل إثبات الحتمية
هل أنت حرّ الإرادة، أو أنّ أفكارك وتصرفاتك محتّمة؟
سؤال كبير!
لكن — هل تعلم أنّه لا يمكن لأحد أن يثبت الخيار الثّاني؟
لنرى لماذا.
افرض أنّك آمنت بأنَّ أفكارك محتّمة، إمّا بالجينات أو الطبقة الاقتصادية أو قوانين الفيزياء… إلخ.
الآن، هذا يعني أيضًا أنّ هذه الفكرة ذاتها محتّمة عليك — لا بل، السبب الوحيد لأنّك تراها صحيحة هو لأنّ ذلك كان محتّمًا عليك — بغضّ النّظر عن الواقع.
وبالتّالي، كيف تعرف أنّها صحيحة؟ هل المعرفة بشكل عام ممكنة هنا؟ وما هي قيمة الإثباتات إذا لم يكن لديك الخيار في معتقداتك؟
إنّ المنطق كاملًا ليس له فائدة أو معنى إلّا إذا كان عقل الإنسان لا يعمل بشكل أوتوماتيكي: إذا كانت معتقداتك مفروضة عليك فرضًا، فلا معنى لمحاولة تنقيحها وتغييرها والتأكّد منها ومطابقتها مع الواقع… إلخ. "الخيار" الوحيد الممكن هنا هو الاستسلام لأي شيء يخطر لك في أي لحظة. إذا كانت الحتمية صحيحة، فليس من المنطق أن نستعمل المنطق.
وماذا عن نظريّة المعرفة؟ نظريّة المعرفة هدفها إرشاد العقل للطرق الصحيحة للتفكير. إذا كان العقل أوتوماتيكي، فلا يمكن إرشاده:
تخيّل سيارة تسير بدون سائق وتحرّكها الجاذبية، وأنت تقوم بإعطائها دروس في السواقة وهي تسير نحو الهاوية. ما هي فائدة هذه الدروس إذا كانت ستسير في مسار واحد دون تغيير كان محتّمًا عليها من قبل؟
نفس الشيء للعقل: لا يمكن توجيهه وإرشاده إذا كان في النهاية سيؤمن بما سيؤمن به بغض النّظر عن أي شيء يقوم به.
فإذا كان المنطق مستحيل (ما يبدو لك على أنّه منطقي مجرّد وهم محتّم عليك)، وإذا كانت نظرية المعرفة بلا فائدة (useless)، فماذا سوف تستعمل لإثبات الحتميّة؟ الكائن المُحَتَّم لا يستطيع إثبات أي شيء، بما في ذلك الحتميّة نفسها.
إنّ مفهوم "إثبات" ومفهوم "معرفة" كلاهما** يفترضان مسبقً**ا، بشكل صريح أو ضمني، حريّة الإرادة، ويعتمدان عليها. إنّ ما يدور في عقل الحتمي عندما يصل لاستنتاجه بأنّ الحتميّة صحيحة هو ضمنيًّا شيء من هذا القبيل: "أنا أريد أن أختار بين حريّة الإرادة والحتميّة، وبعد النّظر للأدلّة والحجج المطروحة، أختار الحتميّة كالموقف الصّحيح." أي، يجب أن يفترض أنّ لديه حريّة إرادة في الموضوع ليستنتج أنّه لم يكن له خيار أصلًا!
من ناحية أخرى، فنحن نختبر حرية الإرادة مباشرة في عقولنا عندما نختار فيما نفكّر، وهل نفكّر في مواضيع صعبة أو نتفادى ذلك، وهل نبحث عن الحقيقة أو نتجاهلها — أي، نختبر ونشاهد أنّ عقولنا لا تعمل بشكل أوتوماتيكي بل بشكل إرادي حر.
حريّة الإرادة هي نقطة بداية في الفلسفة وفي المعرفة بشكل عام — إذا لم تكن موجودة، فلا معنى لـ "صح" و"خطأ"، ولا معنى لأي مفهوم تستعمله، سواء كان "شجرة" أو "إلكترون" أو "إرادة" أو "طبقة اجتماعيّة" أو "جينات" أو "حتميّة"، ولا فائدة من أي حجّة ولا فرق بين إثبات أو مغالطة منطقيّة.
وأعتقد أنّه من أسباب أنّ النّاس لا تقتنع بحريّة الإرادة هو أنّهم يخلطون بينها كحقيقة (fact) وكطريقة عمل — بمعنى، هم لا يعرفون كيف يمكن للدماغ البشري أن يمتلك مثل هذه القدرة (ولا أحد يعرف)، وبالتّالي ينكرون أنّ**ه هو فعلًا لديه هذ**ه القدرة. ولكن، لمئات آلاف السنين قَبِلَ البشر بكون لون السماء أزرق، مع أنّه لم يكن لديهم أي فكرة عن لماذا. وما كان بالإمكان لأي تفسير أن يعطينا نتيجة بأنّ السماء أصلًا ليست زرقاء — هو يجب أن يبدأ من هذه الحقيقة أصلًا ويفسرها فقط لا أن يغيّرها.
ونفس الشّيء هو ما يجب أن نفعله تجاه حريّة الإرادة: هي موجودة ونختبرها بشكل مباشر، ولو كنّا لا نعرف كيف لدينا هذه القدرة.
الحريّة والحريّة
الحرية الحقيقية هي الحرية في التصرّف بناءً على المنطق. هذه الحرية هي حاجة سايكولوجيّة وماديّة للإنسان العقلاني — ولا يعرفها إلّا هو (أو هي).
أمّا الحرية للتصرف بناءً على الهوى أو النزوات، فهي (وإن كان يجب أن تكون قانونيّة طالما لا تؤذي الآخرين) فهي منظر بشع، وخصوصًا عندما تتوهّم بأنّها الأولى.
وليس كل ما يلمع ذهبًا.
لماذا يجب أن تحب حياتك وأن لا تسلّمها لغير العقلانيين
لأنّك لم تولد لتخدم أحد.
لأنّ الطبيعة لم تخلقك لتكون عبد.
لأنّ لا أحد استشارك إن وافقت على الـ "عقود الاجتماعية" التي فرضت عليك قبل أن تولد.
لأنّ من يطلبون منك التضحية، بدل الاعتناء بنفسك، هم فقط الأشرار. هل لاحظت؟
لأنّ عقل عقلاني وحر يساوي مليون من عكسه — على أقل تقدير.
لأنّ الحياة بدون عقلانيّة ليس لها قيمة، وأصحابها "عايشين من قلّة الموت"، حسب تعبيرهم.
لهذا يستغنون عن "قيمهم" وعن "حياتهم": لم تكن قيم أصلًا ولم تكن حياة أصلًا. من السهل التضحية بهكذا شيء، ولكن إيّاك أن تستشهد أنت معهم!
لا تستغنِ عن حياتك وقيمك. أنت أفضل منهم.
قل "لا" للإيثار. قل نعم للحياة — حياتك.
أرسطو في وسط البلد
(١)
“وهكذا تكون قد حصلتَ على المرتبة الأولى على دفعتك” — هكذا قال أفلاطون وهو يخرّج أرسطو من الأكاديميّة في أثينا، والتي قضى فيها سنوات يدرس علوم عصره حتى صار الأبرع فيها.
وبينما بدأ جميع الخريجين بتبادل التهاني والمعانقة والممازحة، كلّ يحمل شهادته، قال له زميله الثاني على الدفعة:
“أنت تعرف القاعدة… الأوّل على الدفعة هو من يستضيف حفلة الخريجين. ولو أني ما زلت أعتقد أنّك بربري جاهل على الرغم ممّا قاله هذا الشيخ الأخرف، إلّا أنّي يجب أن أعترف بأنّك أفضل من طبخ اللحم في أثينا. سأجمع لك حصص الجميع من المبلغ المطلوب وأعطيك إيّاها لتشتري اللحم وباقي الأغراض. لكن أتوقّع أنّه يجب أن أذهب معك لأتأكّد أنّ الباعة لا يستغلّون جهلك بالعدّ والحساب، فتضيع النقود كلّها على الخضار!”
ضحك أرسطو وضحك الجميع، ثم أخذ كيس النقود من زميله. وفي يوم العزومة ذهب إلى السوق ليتبضّع، حتى وصل إلى أحد الباعة، وكان عنده سفسطائي يجادله.
“مرحبًا أرسطو! مبارك التخريج! سمعت أنّك حصلت على الدرجة الأولى!” قال البائع متبسّمًا.
أجابه أرسطو: “نعم، وشكرًا لك جزيلًا. ولهذا أنا هنا اليوم، فاليوم يوم الوليمة. وقلت لنفسي: في يوم مميّز كهذا، من أفضل منك أشتري منه اللحم في أثينا كلها؟”
في هذه اللحظة قام السفسطائي من مقعده وقال:
“إذًا يا أستاذ أرسطو، بما أنّك أصبحت فيلسوفًا، قل لي: ما هو السؤال الذي لا يمكن إجابته بنعم؟”
ازداد توتر البائع، لكن الفضول غلبه وأراد أن يسمع إجابة أرسطو.
قال أرسطو: “هذه بسيطة، بل هي موضوع رسالة تخرّجي. شيء اكتشفته أسميته المنطق. الجواب هو: هل يمكن لشيء أن يناقض نفسه؟”
ردّ السفسطائي: “نعم!”
أرسطو: “شكرًا لأنك أجبت بلا.”
السفسطائي مرتبكًا: “لا لا… أنا لم أقل ذلك… لحظة… أنا قلت العكس… أنت لا تفهم؟”
أرسطو: “شكرًا لأنّك تزيد التأكيد على الإجابة بلا.”
السفسطائي: “يبدو أنّ لديك مشكلة في السمع… اسمعني جيدًا… أنا قلت نعم، نعم وليس لا! لا تُلصق بي ما لم أقل… هنالك شهود هنا وسيشهدون ضدّ هذا الهراء… كيف أخذت (نعم) لتعني (لا) لا أعرف… ففي نهاية المطاف، جوابي هو جوابي ولا يمكن له أن يناقـ…”
قاطعه أرسطو: “لا يمكن له أن يناقض نفسه. نعم، قلت لك ذلك منذ البداية لكنك لم تصدّقني. حتّى بمحاولة إنكارك لقانون عدم التناقض، احتجت أن تستعمله وتعتمد عليه.”
بدأ السفسطائي يحكّ رأسه وقد تحوّل غضبه إلى حيرة.
ابتسم البائع وقال: “فعلًا أعجزته يا أرسطو! لا بد أن تعلّمني هذا المنطق يومًا ما، أريد أن أستعمله مع أولادي الذين هم في عمر المراهقة! أمّا اليوم فاختر من اللحم ما شئت، وهو لك بنصف السعر في يوم فرحتك هذا!”
⸻
(٢)
بعد مئات السنين كان أرسطو يتجوّل في روما، متخفيًا بين الرومان وكأنّه واحد منهم. وقف في حشدٍ تجمّع حول “سيسرو” وبدأ يستمع لما كان يقول:
“وممّا قاله أرسطو أيضًا أنّ الكون أزلي، وفي ذلك قصّة عجيبة احتار فيها المؤرّخون الإغريق والرومان معًا. ففي اليوم الذي أعلن فيه أرسطو لتلاميذه، بعد أن أسّس مدرسته الخاصّة به، أنّ الكون أزلي، وأنّه اقترب من سرّ ذلك، لم يعد بعدها إلى المدرسة ولا إلى المنزل ولم يره أحد… لقد اختفى تمامًا. وقال المؤرّخون الرومان إنّ هذه القصّة خياليّة من تأليف…”
استمرّ أرسطو بالمشي، وصوت سيسرو في الخلفية يطغى عليه ضجيج السوق شيئًا فشيئًا. في الحقيقة كان أرسطو يحبّ التجوّل في الأسواق، خصوصًا في البلاد التي يزورها لأوّل مرّة، ويتعلّم لغة أهلها من خلالها. وعبر العصور شاهد أرسطو تحوّل روما إلى المسيحيّة، وحرق كتب الإغريق وتكسير تماثيلهم، وتمشّى في أسواق بغداد وهو يسمع الناس يتحدّثون عن المأمون والأمين وبيت الحكمة، وتعلّم العربيّة هناك، ثم عاصر النهضة في أوروبا وتعلّم الإنجليزيّة في لندن…
⸻
(٣)
“خذني إلى السوق لو سمحت.”
“إيش بدّك؟”
“السّوق.”
“آه يعني وسط البلد؟”
“نعم، نعم.”
قالها أرسطو لسائق التكسي في عمّان وهو ينظر إلى الشوارع والمحلات والناس.
“آه! لقد سمّوا هذا المقهى باسمي!”
“إيش حكيت يابا؟” قال السائق، وكان منشغلًا بمكالمة هاتفيّة لا يبدو أنّ لها نهاية.
“لا شيء، لا شيء.”
“آه أبو حميد، معك… بس هذا الراكب أبصر شو بدّه… المهم كمّل شو صار…”
نزل أرسطو من التكسي وبدأ بالتجوّل كعادته، يتحدّث مع الباعة عن بضاعتهم. فجأة شعر بنقرة على ظهره:
“عمّو، عمّو! كيف حالك؟ نحن قناة رؤيا الإخباريّة، معك المقدّمة سارة الجمل من برنامج صوت الشارع. اليوم عاملين مسابقات وبنسأل الناس أسئلة، وإذا جاوبونا صح بيربحوا جوائز مقدّمة من بنك الإسكان ومستشفى العبدلي. بتحب تشارك؟ الجوائز بتوصل لألف دينار إذا جاوبت على كل الأسئلة صح! والسؤال الأوّل…”
حاول أرسطو أن يعتذر بأنّه مشغول، لكن لم يجد فرصة للمقاطعة من سرعة حديثها.
“ما هو السؤال الذي لا يمكن إجابته بنعم؟”
شرد أرسطو لدقيقة كاملة وهو يتذكّر الماضي…
“عمّو عمّو احنا بنسجّل. لو سمحت ركّز معي عشان تربح الـ ١٠٠٠ دينار المقدّمة من بنك الإسكان ومستشفى العبدلي.”
قال أرسطو: “أعتذر، فقد تذكّرت شيئًا ما. الجواب هو: هل يمكن أن يناقض الشيء نفسه؟”
ردّت: “أووووه! عمّو آسفة، كنت حابة تفوز معنا. الجواب الصحيح هو: "هل إنت نايم؟". نعم، نعم، الصحيح هو "هل إنت نايم؟". بس اسمحلي… شكلك أجنبي وبتحكي بطريقة غريبة. ممكن تحكيلنا شوي عن حياتك؟”
أرسطو مرتبكًا: “في الحقيقة أنا أتحدّث الفصحى… تعلّمتها في بغداد.”
“واو! أوّل مرة أشوف واحد أشقر وعيونه زرق يحكي فصحى! هههه. بس جد، بتحكي بطريقة غريبة… كيف يعني التناقض يعدم نفسه؟ وممكن تعرّفنا باسمك؟”
“أرسطو. وقلت: "هل يمكن أن يناقض الشيء نفسه". حاولي أن تجيبي بنعم لأريكِ أن إجابتي صحيحة.”
“أوكي أستاذ أسطرو… اسمك غريب! هههه. طيّب، راح أجاوب: نعم. بعدين؟”
“أرسطو، وليس أسطرو. وشكرًا لأنّك جاوبتِ بلا.”
“آسفة أستاذ… أسرطو. بس برضه الجواب الصحيح هو: "هل إنت نايم؟"”
“أرسطو… وليس هذا هو القصد. لو تسمحين أن أشرح: أنا قلت "شكرًا لأنّكِ جاوبتِ بلا"، والآن بطبيعة الحال يجب أن تصحّحيني وتستغربي، لأنّكِ جاوبتِ بنعم.”
“آسفة أستاذ، لكن أنا مش فاهمة شو قصدك… الجواب الصحيح هو عن النوم… النائم لا يستطيع أن يجاوب…”
“أفهم ذلك، لكنكِ أجبتِ بنعم قبل قليل… دعينا نعود إلى تلك اللحظة ونكمل من هناك، تمام؟”
“آسفة كثير أستاذ أرسطو، لكن المخرج يطلب نكمّل مع متسابقين جدد. حظًا أوفر في المرّة القادمة! يالله شباب، لمّوا الأغراض… كاميرا! إلحقني!”
“لحظة يا أختاه، لحظة! جوابك كان نعم… صحيح؟”
قال أرسطو وهو يتبعها، بينما هي لا تلقي له بالًا، مسرعة في مشيها كما كانت مسرعة في كلامها.
هل أنت كافر؟
يجب استرجاع كلمة "كفر" من المسلمين لأنّها مفيدة جدًّا عندما تستخدم بحكمة.
الكفر لغةً هو تغطية الشيء. في بلاد الشّام، كثير من القرى تسمّى بـ "كُفْر [كذا]"، مثل "كُفْر أسد" في الأردن — وذلك لأنّ المزارعين فيها "يَكفُرُون" أو يغطون البذور بالتراب. في العبرية كلمة "كْفَار" تؤدّي نفس الغرض.
وبالنسبة للحقيقة، فإنَّ الكافر هو من يراها وثمّ ينكرها ويجحدها… من يعمي نفسه تجاه الحقيقة.
ولكن اليوم هذه الكلمة تستعمل حصرًا في وصف من لا يقبل الإسلام، مع أنّها تعني إنسان غير عقلاني لا يلتزم بالمنطق أو الواقع.
وهذا ظلم، وإساءة استخدام للكلمة، لأنّ المسلمين اليوم من أكثر النّاس كُفرًا (إلّا ما ندر).
التطوّر حقيقة مبرهنة ومبني عليها نظرية علميّة محكمة تشرحه بمبدأ الانتخاب الطبيعي وغيره، ونتائجها موجودة في الطب الحديث وعلم الأدوية وحتى في علم الحاسوب عند محاكاة التطوّر لبناء الذكاء الاصطناعي.
وبعد كل ذلك وكل الانتفاع من نتاج داروين الفكري، يقوم المسلم بإنكار هذا الواقع، رفضه بلا سبب منطقي، وتغطية حقيقته. المسلم من هذا النّوع ليس فقط لا يؤمن بالتطوّر، هو كافر به.
لا بل، لا يجب أن يكون التطوّر حقيقة لتكفر به، ولا أن ترفضه وتكون كافرًا: المهم هو النيّة: هل أنت تحاول بصدق الوصول للحقيقة بغض النّظر عن التبعات، أو أنّك "تنتقي" معتقداتك حسب هواك أو بالتقليد أو بلا مبالاة.
والتطوّر مجرّد مثال. يكفر كثير إن لم يكن أغلب المسلمين بنصف الواقع، من العلم إلى المنطق إلى التاريخ، وثمّ بكل بجاحة يقولون غيرهم هم الكفّار.
فهل أنت كافر؟ الملحد العقلاني هو الأبعد عن الكفر، والمسلم غير العقلاني هو الذي يجب أن يوصف بهذه الكلمة. وطبعًا، هناك ملحدين كفّار كذلك وقد قابلتهم.
طبعًا تكفير هؤلاء النّاس لا يعني قتلهم أو وضعهم بالسجن، إلخ، كما يفعل المسلمين مع "الكفّار"، ولكن يعني أن لا نزيّف حقيقتهم: هم عندهم خيار إمّا باستخدام المنطق والالتزام به، أو العكس، وقد اختاروا العكس، ويجب أن يُعابُوا على خيارهم هذا على أقل تقدير، وأن يغيّروه.
Calm Summer Afternoon
Made with the “reMarkable” tablet.
An Attempt At Chopin Am Waltz
I need a better mic, I know.
أحمد العربي (قصّة قصيرة)
(١)
الطبيب: "والله يا أبو أحمد مش عارف شو أحكيلك. أنا في كل خبرتي بممارسة الطب ما مرّت علي حالة زي أحمد. لا بل، لا أعتقد في أي حالة موثقة في التاريخ بتشبهها. أنا شفت حالات في صعوبات النطق فيها تغيير السين إلى شين أو الميم إلى نون، وسمعت عن حالات فيها الدال تصبح باء حتى.
"لكن لأوّل مرّة أشوف بعيني طفل يبدّل الصاد بالخاء، والحاء بالطاء وتليها همزة… والعكس صحيح. والأعجب من هيك إنها هاي الشغلة بتصيرش معه إلّا بترتيب معيّن للأحرف هاي، بحيث الصاد يجب أن يليها حاء، والخاء يجب أن يليها طاء… هي شوف… أحمد حبيبي لو سمحت احكي "صح"؟"
أحمد: "خطأ"
الطبيب: "طيب احكي "خطأ"؟"
أحمد: "صح"
الطبيب (وأبو أحمد فاتح فمه مندهشًا): "وبالتالي يا أبو أحمد وأنت أخ وصديق عزيز علي، زي ما انت شايف أحمد ما عنده صعوبات في الفهم، بل عنده صعوبات في النطق، وأنا راح أتواصل مع مدرسته وأجتمع مع معلمينه وأشرحلهم شو اللي صاير بالضبط."
أبو أحمد: "يا دكتور طيب وشو الحل بالنسبة للنطق إيش العلاج الموجود أنا ممكن أدفع مبلغ بشكل مبدئي…"
الطبيب مقاطعًا أبو أحمد: "سلامة خيرك يا أبو أحمد ويا ريتها قصة فلوس، انت زي أخوي يا أبو أحمد، ولكن أتوقع اللي أنا بحاول أحكيه هوّا إنه أحمد حالة فريدة غير مدروسة، وبالتالي للأسف أنا لا يوجد عندي علاج معروف.
"ولكن العلم لسة ما خلص، وبعد شهر في الكرك راح يحدث "المؤتمر العالمي لأبحاث صعوبات النطق" وجاي أهم الباحثين على مستوى العالم، وأنا أحد المشاركين، وبتمنى توافق على مشاركتي لحالة ابنك مع نتائج التحاليل وصور الحنجرة في المؤتمر مع الجميع، باعتبارك ولي أمره، وأنا طبعًا راح أطمس اسمه الحقيقي قبل أن أشاركها معهم عشان خصوصيته… مش بس أحمد ممكن يستفيد من نشر تحاليله، ولكن ممكن نتعلم شغلات كثيرة من حالته تفيد الآخرين… من بعد إذنك"
أبو أحمد: "دكتور… أنا عندي ثقة فيك بدّك الأحسن لأحمد، ابشر"
(٢)
المدرسة: "فيا أولاد وبنات، الأرض هيّة اللي تدور حول الشمس… مش العكس… صح؟"
أحمد: "خطأ"
المدرسة: "ممتاز يا أحمد، شكلك كنت منتبه الحصة الماضية، ممتاز."
*تررررررررن ترررررررررن*
الطلاب مرّة واحدة: "الفرصاااااااااااة" ثم ركضوا للساحة.
مأمور المقصف: "أحمد! زي دايمًا، سندويشة زعتر وجبنة… مسخنة بس مش محمصة… صح؟"
أحمد: "خطأ"
مأمور المقصف: "ولا بتغيّر… عارفك… جاهزة بلشت أعملها قبل ١٠ دقايق تفضّل…"
طالب آخر: "آه والله بده هالزعتر بلكي صار يفهم شوي… ههههه"
مأمور المقصف: "ولا لا تتخوث عليه… علاماته أحسن منّك… بكرا بس تكبر بتلاقيه صار مديرك بالشغل… هههه"
نفس الطالب وهو يأشّر بأصابعه: """صح"""
مأمور المقصف وهو يبتسم ويهز برأسه: "ولا انت بتغيّر عادتك كمان… المهم خلصني شو بدّك تاكل اليوم؟"
(٣)
أبو أحمد: "يا ابني يا أحمد، انت هيك خلّصت التوجيهي، وعلاماتك منيحة، طبعًا بمجهود منّك بس برضو لا تنسى فضل أهل قريتك عليك، حتى مع اللعثمة اللي عندك همّا كانوا في غالب الوقت متعاونين معي ومعك، وكلهم بعرفوك.
"ويمكن انت تكون زعلان الآن بتشوف زملاءك رايحين عالجامعة، وانت بتعرف حالنا أنا ما معاي أدرسك، ولو بتمنى، بس أنا راتبي كعامل نظافة ما بسمحلي… بس أنا حكيتلك مع ابن عمّي جميل هوّا عايش بعمّان… وهوا عنده مصنع وبدوّر عناس تشتغل عنده واتفقت معه وحكالي تروح تشوفه وتقعد معه… يابا هذا جميل أنا تربيت معاه وأنا صغير وهوا بمقام أبوك… وأنا بديش اياك تكون زعلان وبدي اياك تروح على عمّان وتجرب فرصتك وما حدا بعرف يمكن تقدر توفر من راتبك واتدرس حالك… صح أنا اللي بحكيه ولا خطأ؟"
أحمد: "خطأ"
أبو أحمد: "والله طول عمرك مرضي يا ابني… الله يرضى عليك روح ودّع امّك وخليك طل علينا من فترة لفترة ما تنسانا، ولو الآن انت صرت زلمة مستقل وجدع قد حالك."
(٤)
"سرفيس عمّااااان! سرفيس عمّااااان! إلى عمّاااان!"
"يا رجل فيش داعي تعلي صوتك ولا تحكي حتى، هي اللافتة موجودة وواضحة… شو مفكّر كل الناس أميّين زيّك؟"
"هههههه والله معك حق بس أنا زهقان… ابشر بطلنا نصرّخ، حقك علي."
يسمع أحمد الحديث وهو أوّل مرّة يذهب للمجمع. لأنّ أحمد يستطيع القراءة والكتابة من عمر صغير جدًّا، ولأنّ المجمّع منظم ومخطط، صعد في السيارة وانطلقت والجميع مهتم بنفسه وحياته الخاصة، دون الحاجة للتحدث مع أحد.
(٥)
أحمد لسائق التكسي: "لو سمحت… أنا بدي أروح على مصنع الخيرات… بتعرف مكانه؟"
السائق: "هذا أتوقّاااااع عطريق المطار… آه باخذك عليه ولا يهمّك."
الراديو: "والأرض هي ما تدور حول الشمس كما أثبت العلماء، وليس العكس…"
أحمد: "خطأ"
السائق: "إيش؟! كيف؟!"
أحمد: "لا أنا بحكيلك… أنا الأوّل عصفّي وهاي أخذناها بالمدرسة بصف خامس… كلامها خطأ"
السائق: "بتقول كلامها خطأ؟ والله يا شب أنا ما كمّلت مدرسة جيلي قديم شوي وكان الوضع صعب زمان… ومكانش في كل هالأبراج بعمّان وكانت أغلب الناس فقرا… وأبوي كان يشتغل…"
أحمد: "أنا غير مهتم بقصة حياتك."
السائق: "صحيح حقّك علي، بعتذر. المهم… كان قلبي حاسسني في اشي غلط بهالموضوع مع إني بثق بالعلم والعلماء… بس انت بتحكي الأوّل عالصف… بقدرش أشوف شهادتك أغلبك؟"
أحمد: "ولا يهمّك. وأكيد بتقدر تشوف شهادتي… أنا جايبها معي عشان عندي مقابلة اليوم… تفضّل شوف…"
السائق: "آه والله هيّك الأوّل عالصف يا أحمد! يالله ان شالله بطلعلك الشغل… بس والله لازم أفكّر فيها… الشمس بتلف حولين الأرض أو الأرض حولين الشمس…"
قالها سائق التكسي وهو ينظر من الشبّاك باتجاه السماء يبحث عن الشمس.
(٦)
جميل: "أحمد، مش مجاملة عشان احنا قرايب، بس فعلًا انت ابهرتني. انت مع إنّك عامل، صلحت المكينة اللي المهندسين ما عرفوا يصلحوها… اليوم صارلك شهر شغال عندي وأنا قررت أرقيك لمهندس وأعطيك راتب مهندس…. تفضّل وعليها كمان بونص لإنّك وفرت علي مصاريف أجيب مهندس من برة المصنع يصلحلي اياها."
أحمد: "شكرًا عمّي جميل… وإذا بتعذرني أنا بدي أنزل عالقرية جمعة على سبت… الخميس مش راح أقدر أتأخـ…"
التلفزيون: "خبر عاجل! سائق تكسي في محافظة العاصمة يدعي أن الشمس تدور حول الأرض. مراسلنا في موقع الحدث حيث بدأت تتشكل مظاهرة، نتحوّل إليه."
سائق التكسي على التلفزيون واقف في نص المجمع ويصيح بالمواطنين: "يا إخواااان! يا إخوااااان! بكذبوا علينا!!!! العلمااااء بكذبوا علينا!!!! اطلعوا عالسما شو شايفين؟!؟!؟ الشمس هيها قاعدة بتلففف حولييين الأرض!!! مؤااامرة!!!"
أحد المواطنين: "يا أخ أولًا وطي صوتك أزعجت هدوء المكان، ثانيًا فهمنا شو قاعد بتقول؟"
سائق التكسي: "يا إخوان أنا طلع معاي شخص قبل شهر، اسمه أحمد العربي، وهو من أوائل التوجيهي في الأردن، وهوا حكالي إنّه الشمس بتلف حولين الأرض مش العكس، وأنا من وقتها بفكّر بالموضوع ومش قادر أتخيّل العكس… إذا ما بدكم تصدقوني لا تصدقوني صدقوه هوّا…"
جميل: "إيش هذا يا أحمد؟ هذا… هذا بحكي عنّك..؟"
أحمد: "إيش… آآآممم يمكن مش عارف… بحاولل أتذكّر…"
جميل: "المهم أحمد سلّم عأبوك وبنشوفك الأحد، فيش داعي تتأخر الخميس طبعًا. بالسلامة…"
(٧)
أحمد يذهب إلى المجمّع يوم الخميس بعد الدوام.
"الشمس تدور حول الأرض! الشمس تدور حول الأرض!" — يقول المتظاهرين في المجمّع.
أحمد لنفسه وهو يقترب: "إيش هذا اللي بصير هون…"
السائق: "هيّه! هيّه العالم أحمد العربي! هيّه اسألوه…"
الصحافة والإعلام والمواطنين والجميع يندفعون باتجاه أحمد: "استاذ أحمد استاذ أحمد أخبرنا… هل فعلًا الشمس تدور حول الأرض؟"
أحمد: "صح، لكن أنا لازم أشرح…"
بدأ النّاس بالصياح: "مؤامرة! مؤامرة!" والركض بجميع الاتجاهات…
أحمد لنفسه: "إيش اللي قاعد بصير…"
أحمد شعر على نفسه بالخطر وصعد بأي سيارة موجودة متجهة لقريته.
(٨)
يوم الأحد صباحًا، أحمد يصل عمّان من جديد. هو لم يعتاد عمّان عمومًا، لكن ومع ذلك شعر بشيء غريب يحدث… صوت الزمامير… الضجة في المجمع… نزل من السيارة.
المظاهرات ما زالت موجودة، لا بل زاد عدد المتظاهرين… اقترب النّاس منه مجدّدًا.
أحمد: "لو سمحتم يا إخوان أنا عندي عمل لا أريد أن أتأخّر عليه…"
الإعلام: "أستاذ أحمد… أخبرنا… هل صحيح أنّ الأرض مسطحة؟"
أحمد: "صح… أقصد لازم أشرحلكم شيء…"
"مؤامرة! مؤامرة!" — وبدأ البعض بشد شعرهم…
أحمد بغضب صاح فيهم على غير عادته: "يجب أن أشرح لكم! أنتم تفهموني صح! أنا أعاني من مشكلة في النطق، وأنا أقول صح عن خطأ، وخطأ عن الصح!"
الإعلام: "لم نفهم أستاذ أحمد، والرجاء التوضيح لأننا على الهواء مباشرة على التلفزيون الوطني أستاذ أحمد والكل يشاهدنا الآن… هل أنت تقول أن كل شيء خطأ هو الصح وكل شيء صح هو الخطأ؟"
أحمد وهو يحك رأسه وهو مصدوم من سرعة تطوّر الأحداث وما قالته المذيعة: "إيش… همم صح صح… إذا فهمتك…"
وبدأ الناس بالركض في جميع الاتجاهات. أحمد صعد بتكسي عشوائي وطلب منه أخذه للمصنع.
سائق التكسي: "والله أزمة أزمة اليوم إشي غريب ما عمري شفت إشي زي هيك… أنا ما بحب أشكي لكن فعلًا اليوم في إشي غريب قاعد بصير…"
أحمد: "العب هذا ليش مضواش الغمّاز مع إنّه رايح يمين؟"
سائق التكسي: "مش عارف… في إشي غريب… هممم"
*صوت تفحيط*
سائق التكسي: "أوف! خبطوا بعض! خليني أنزل أشوف شو صار…"
أحمد: "أتوقع هذا شغل الشرطة والإسعاف…؟ أنا عندي شغل بلشت أتأخّر أصـ…"
نزل سائق التكسي من السيارة… أحمد يتبعه ليقنعه بإكمال الرحلة، فيجدون الشخصين اللي خبطوا بعض يتجادلون.
"انت الحق عليك!"
"صح وراح أورجيك يا ابن الـ…"
وبدأت المعركة.
أحمد وأعينه مفتوحة لنفسه: "إيش قاعد بصير..؟ أنا بحلم ولا بعلم؟!؟"
(٩)
بعد مرور حوالي ٢٠٠ سنة:
الطبيب وهو يدخّن: "يا أبو أحمد، أحمد ابنك معوّق… عنده مرض ملهوش علاج… بس لو تعطيني ورقة الدور لو سمحت بدي أشوف كم عمره لأحمد هات أشوف…"
أبو أحمد: "آه دكتور بس أنا ما أعطوني ورقة دور وبتسلّم عليك عمتك جميلة بتقلّك توصى بأحمد ترى أنا قرابتك ها.."
الطبيب: "آآآآه والنعم والله الله يسلمها عمتي شلونها؟"
بعد مضي ربع ساعة.
الطبيب: "المهم ابنك أحمد هذا والله مسكين أنا بقلك أحسن إشي ما يروح المدرسة الولاد راح يتخوثوا عليه… بلاش حرام…"
أبو أحمد: "أوف أوف ليش دكتور خير شو ماله خالد؟!؟"
الطبيب: "هسة بورجيك… يا عمّو أحمد… أشوف قول "صح"؟"
أحمد: "خطأ"
الطبيب: "طب قول "خطأ"؟"
أحمد: "صح"
الطبيب: "شايف؟ معوّق. هذا بتوديه عالمدرسة بصير كوارث، اسمع منّي."
أبو أحمد: "كوارث؟ والله صحيح… ليش لأ. يالله ليش هوا بدّه يكون أحسن من إخوانه؟ مهيهم بالدار…"
الطبيب: "يالله سلّم سلّم… مع السلامة."
قاعدة في المنطق: القناعة ليست دليل على شيء.
نعم. ليس القناعة وحدها — اليقين ليس دليل على شيء. الثقة بالنفس ليست دليل على شيء… إلخ.
قيمة أي حالة للوعي في المنطق تساوي تحديدًا…
…صفر.
لماذا؟ لأن الواقع مستقل عن الوعي (موضوعي). الشمس ستشرق غدًا سواء عرفت ذلك أو لم تعرفه، اقتنعت فيه أم لا، شكيت فيه أو تأكدّت منه… إلخ.
الشمس لا تعرف ولا تستطيع أن تعرف بماذا تفكّر وبماذا تشعر.
وهكذا باقِ الكون.
في نهايات القرن التاسع عشر، كان الفيزيائيون مقتنعين بأنّ هناك وسط يملأ الكون أسموه بالـ Ether. اليوم؟ لا أحد يؤمن به.
هل كان الفيزيائيّون أغبياء؟ قطعًا لا، بل أذكى من فيزيائيي اليوم. فكرة الـ Ether كانت مقنعة جدًّا، ولأسباب وجيهة.
فما الذي حدث؟ ببساطة، الحقيقة كانت عكس هذه القناعة.
وهكذا لكل القناعات.
لا بل، كلّما زادت قوّة إقناع فكرة ما، كلّما وجب الشّك فيها أكثر — فإن كانت زائفة، أدخلتنا في طريق طويل كان يجب أن لا ندخله من الأساس.
بعض الأفكار قد تعجبنا، وقد يكون لها "كاريزما" جذّابة، وتبدو لنا منطقيّة جدًّا… ولكن… في النهاية تكون خاطئة.
لذلك، لنتذكّر القاعدة: قوّة الإقناع ليست معيار للحقيقة.
فما هو معيار الحقيقة إذًا؟
١- كل مفهوم نستعمله يجب أن يعود في النّهاية للإدراك الحسّي، مهما كان مجرّدًا (reduction)
٢- كل فكرة نصدّقها يجب أن نكاملها مع كل شيء آخر نعرفه متعلّق بها (integration)
بدون reduction و integration قناعاتنا على الأغلب زائفة، وشعورنا بالأمان تجاهها يعمل ضدّنا لا لصالحنا.
وبالتّالي وجب التنويه!
ما هو الوعي؟ نحن لا نعرف كل شيء عن الوعي (بما في ذلك طبيعة علاقته بالدماغ مثلًا)، ولكن نستطيع أن نعرف بعض الشيء عنه.
فمثلًا، نستطيع أن نقول أنّ الوعي البشري يشتمل على السمع (في النّاس الأصحّاء)، أو على الشعور أو التفكير.
ويمكننا أن نعرّف الوعي على أنّه محصّلة هذه التجارب: كل ما تسمعه وتراه وتفكّر به وتتذكره، إلخ، في هذه اللحظة.
واليوم نتعرّف على "مستويات الوعي" — الترتيب في الوعي الذي من خلاله نستطيع أن نصل للمعرفة — ولكن… لماذا تهتم بهذا الموضوع؟
أنت كائن واعٍ، ووعيك هو أداتك الرئيسية للتعامل مع الواقع والحياة. وعيك هو ما يخبرك بشكل العالم، لونه، طعمه، وهو ما تستعمل لاتخاذ القرارات وتحديد تصرفاتك. وبالتّالي، فإنّ معرفتنا لهذه الأداة وكيف تعمل تساعدنا باستعمالها بشكل أفضل.
كما أنّ هذا الوعي الذي قد نأخذه كمسلمة في حياتنا اليومية هو في الحقيقة ظاهرة نادرة في الكون (لحد معرفتنا الحاليّة). ووعيك كإنسان (كما سنرى) ما زال أندر وأندر. لا أعرف عنك، ولكن بالنسبة لي هذا الشيء يجعله مثير للاهتمام. هذا، وأنّه ما زال بشكل كبير لغزًا عاصٍ على الحل — وما الكلام التّالي إلّا خطوة على الطريق إلى الحل الكامل.
فبدون مزيد من التقديم، ندخل الآن في صلب الموضوع.
المستوى الأوّل: الحسّ البسيط (Sensation)
عندما تنظر حولك، ماذا ترى؟ إنّك ترى أشياء بعينها: كرسي، طاولة، تفاحة، إلخ. ولكن، قبل أن تستطيع أن تراها، كان لا بد للعين أن "تلتقط صورًا" لها: وهذه الصور ليست هي ما تدركه عندما تنظر إليها.
فنحن نعرف أنّ صور العين أولًا مقلوبة، بسبب تركيب العين وعدستها. كما أنّنا نعرف أنّ هناك نقطة في منتصف الصورة "معميّة" (غير ملتقطة)، بسبب وجود العصب البصري في منتصف الشبكيّة وبالتّالي اعتراضها في ذلك المكان (أنظر: https://youtube.com/shorts/ambl830SVcY?si=JVyKU5dqLvzTmXhX).
لا بل أنّ المسألة أعقد من ذلك بقليل: إنّ ما تراه العين فعلًا ليس صورة متكاملة، بل نقاط من الألوان، أو ما يشبه الـ pixels. العين لا تدرك بأنّ ما تنظر إليه هو كرسي أو قطّة أو غيمة، ولا حتّى أنّ شيء ما قريب أو بعيد، بل فقط مجموعة من النقاط الملونة المستقلّة عن بعضها البعض.
هذا المستوى، مستوى تسجيل الحواس لعناصر الإدراك الحسّي (فوتونات، موجات صوتيّة، نقاط ضغط، نقاط حرارة… إلخ)، هو المستوى الأوّل.
وفي الحقيقة، هو مستوى لا واعي، فنحن لا نختبره بشكل مباشر، ولا نعرفه إلّا بالاستنتاج لاحقًا. وبالتّالي ربّما كان أحرى بتسميته بالمستوى الـ "صفر"، أو تحديد مستويين فقط للوعي، وهذا متطلّب سابق لهما كمستوى "تحت" الوعي (subconscious).
المستوى الثّاني: الإدراك الحسّي (Sense-Perception)
هذا المستوى هو تحديدًا المستوى الذي من خلاله ندرك الأشياء بعينها.
فبعد أن تجمع الحواس "البيانات الخام" من العالم، ترسلها للدماغ الذي عليه وظيفة تكامل (integration) هذه البيانات لكي نستطيع إدراك كيانات (entities).
فتخيّل معي مثلًا سيارة تمر من الشّارع أمامك. لو حلّلت الصور التي تراها في كل لحظة، لوجدت أنّ السيارة تختلف في اللون، الشكل، والحجم بين لحظة والأخرى. فهي تعكس أشعّة الشمس بطريقة مختلفة في كل لحظة، وتسير مقتربة منك ثمّ مبتعدة عنك، وتراها في البداية من الأمام ثمّ من الخلف.
هذه التفاصيل تجعلها "سيارة مختلفة" في كل لحظة في المستوى الأوّل، لكنّك ما زلت تدركها ككيان واحد متكامل من البداية للنهاية: تدركها كهذه السيارة — كيف؟ بفضل المستوى الثّاني.
ولإيصال الفكرة أكثر، تخيّل معي مريض يعاني من مشاكل في الرّؤية. هذا المريض يشكو من نقطة سوداء حوالي منتصف مجال رؤيته تتحرّك أينما حرّك عينه. هي مثل الـ "dead pixel" في كاميرا رقمية: تظهر في نفس المكان في كل صورة.
وتخيّل معي مريض آخر، هذه المرّة لا يستطيع رؤية الأشياء وهي تتحرّك. فعليًّا، هذا المرض موجود ولو نادر جدًّا.
الآن، إلى أي طبيب يجب أن يذهب أيٌّ من المريضين؟
الأوّل سيذهب لطبيب عيون، فمشكلته في العضو الحسّي نفسه، إمّا بمشكلة في الشبكية أو غير ذلك، فهو مدرك للأشياء بشكل سليم، ولكن هناك خلل في المستوى الأوّل. أمَّا الثّاني، فمرضه في الدّماغ، وتحديدًا في تنفيذه للمستوى الثّاني، إذ يعجز عن إدراك الحركة — عن تكامل البيانات الخام القادمة من العين ومعالجتها، وبالتّالي يذهب لطبيب أعصاب ويكون مرضه عصبيّ.
المستوى الثّالث: تكوين المفاهيم (Concept-Formation)
عند الانتقال من المستوى الأوّل للمستوى الثّاني، وجدنا أنّ هناك عناصر متفرقة تمّ تكاملها لتصبح شيء واحد.
وهذا النمط يستمر عند الانتقال من المستوى الثّاني للمستوى الثّالث.
فمع أنّنا نرى سيارة تختلف عن سيارة، أو السيارة تختلف عن الحافلة، فإنّ مفهوم سيارة يشمل جميع السيارات، ومفهوم "وسيلة نقل" يشمل السيارات والحافلات والطائرات، إلخ، جميعًا.
أي، نحن نتحدّث عن عمليّة تكامل أيضًا.
ومن الجدير بالذّكر هنا أنّ المستويين الأوّل والثّاني، والتكامل بينهما، كلّهم تلقائيّين (automatic) — فأنت لا تحتاج لبذل الجهد للقيام بهما، بل فقط تفتح عينيك لترى.
ولكن، عملية التكامل للانتقال للمستوى الثالث ليست تلقائيّة بل إراديّة (volitional). مثل رفع الأثقال في النّادي أو حتّى تناول الطعام بملعقة من الصحن لفمك، عليك أن تبذل جهد لكي تستطيع القيام بهذه المهمّة —** جهد ال**تفكير.
ومن الجدير بالذّكر كذلك هو أنّ هذا المستوى هو ما يميّز الإنسان عن باقِ الحيوانات. فالحيوان له أعضاء حسيّة وله دماغ يجعله قادرًا على إدراك الكيانات من حوله، لكنّ قدرة الحيوانات على التفكير محدودة مقارنة بالإنسان.
فالحيوان يستجيب للمؤثرات الحسيّة من حوله بطريقة شبه مبرمجة أو غريزيّة، في حين يفهم الإنسان الواقع ويكامله بحيث حتى أكثر الأشياء إضاءة (النجوم) وأكثرها إعتامًا (الثقوب السوداء) تصبح شيء واحد في عقله: "جرم سماوي"، ويستطيع أن يقول أنّ الثقب الأسود، مهما كان مختلفًا بالشكل (المستوى الثّاني) هو نجم في نهاية عمره.
فكيف نكوّن هذه المفاهيم التي تساعدنا على التعامل مع الواقع بذكاء؟
الجواب بالتفصيل يطول، ولكن في المختصر: نترك القياسات ونحتفظ بالخصائص.
فمثلًا، ما الذي يجعلنا نعتبر الموز والتفاح كلاهما فاكهة؟
فهم حقًّا مختلفين! الموز أصفر، التفاح قد يكون أحمر. الموز كأسطوانة معقوفة، التفاح دائري. والطعم مختلف، وهكذا.
ولكن، بالتفكير، نقول مهما اختلفوا في المستوى الثّاني في قياساتهما (الشكل، اللون، … إلخ)، فإنّهما يشتركان في الخصائص: كلاهما ثمار نبات فيها نسبة سكّر عالية. وهذه خاصيّة مشتركة بينهما.
قد يكون هذا التعريف للفاكهة ضعيف، وهو لا بد كذلك، فأنا لست بيولوجي، لكنّه التعريف الموجود في مخ عامّة النّاس. مهما كان التعريف العلمي ولكن، فإنّه سيتبع نفس الطريقة في الوصول إليه: إذا كانت الاختلافات في القياسات فقط، وكان هناك تشابه في الخصائص، نحتفظ بالخصائص ونهمل القياسات.
خاتمة
برأيك، هل يمكن أن يكون هناك مستوى رابع للوعي؟ وليس بالضرورة في الوعي البشري! وكيف يمكن أن يكون شكله؟ 🤔
God Is Impossible?
If God by any definition is a *consciousness that created matter* — then what was he conscious of before he did?
To be conscious is to be conscious of something. To see, there has to be *something* you see — It can’t be “just seeing”. To think, there has to be something to think about. And so on for any other aspect of conscious experience.
If I asked you, *what* do you hear? And you respond: “I hear nothing”, then the only way this sentence makes sense is if it means that you are not hearing. I.e., not conscious of any sound.
So is it possible to be conscious when there is nothing at all?
If not, then God is impossible to exist.
Thoughts?
(Disclaimer: This comes from *my understanding* of a Randian argument about consciousness/God. I am too lazy to verify where I read it originally or if I understood it correctly or not. So, I am not claiming it as an original argument, nor can I attribute it to Ayn Rand either.)