كنت اريد ان اعرف هل ميولكم اتكونت بشكل طبيعي ولا في سبب أو حاجه غيرت في ميولكم
وهل الإنسان بيتولد بي ميول معينه
وهل الإنسان بيتولد بي ميول معينه
الحمد للّٰه رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ وعلى آلهِ وصحبه ومن والاه أجمعين وبعد، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
بدايةً أجمع المؤرخون وعلماء السير والمفسرون على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف القراءة والكتابة طوال حياته. فلو كانت لأهل مكة أدنى فكرة عن محاولة محمد صلى الله عليه وسلم تعلم الكتابة أو الجلوس إلى المعلمين قبل بعثته، لكان ذلك نقطة الطعن الأولى في دعوته. لأنه عاش بين ظهرانيهم أربعين عاماً قبل الوحي، وكان فيها الصادق الأمين الذي يعرف الجميع تفاصيل حياته اليومية. حيث لم يُرصد عليه يوماً أنه قرأ صحيفة أو كتب رسالة.
وأمية النبي صلى الله عليه وسلم توصف ككمال ومعجزة، بينما تُعتبر في غيره نقصاً. لأن ذلك يمنع أي مشكك من ادعاء أن القرآن مستمد من كتب سابقة أو من ثقافة بشرية مكتسبة. وتؤكد الآية المفتاحية في سورة العنكبوت هذا المعنى بوضوح: "وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ" (العنكبوت: 48). والنفي هنا يشمل التلاوة والخط، والغرض هو نفي الارتياب عن المبطلين الذين يبحثون عن أي ثغرة لنسبة القرآن لغير الله.
ولم تكن مكة مركز أكاديمي أو بيئة تعليمية منظمة. بل كانت مجرد أمة أمية في عمومها، حيث يعتمد أهلها على الفطرة اللغوية والذاكرة القوية. ويشير المؤرخون إلى أن الكتابة كانت مهارة نادرة يمتلكها عدد قليل من الناس فقط. لم تكن هناك مدارس أو مؤسسات تعليمية في الحجاز، بل كان التعلم يتم بشكل فردي وانتقالي.
وعلى الرغم من التشكيك في دقة هذه الأرقام الضئيلة نظراً لاتصال المكيين بالأمم المتمدنة عبر التجارة، إلا أن الثابت هو أن الكتابة لم تكن شائعة، وبقاء شخص مثل محمد صلى الله عليه وسلم بعيداً عن هذه المهارة كان هو الأصل المتوافق مع بيئته، فكيف لرجل من وسط هذه البيئة التي تفتقر للمراجع العلمية والكتب المترجمة أن يأتي بنص يتحدث عن نشأة الكون، وقصص الأنبياء الغابرين، وتشريعات قانونية واجتماعية دقيقة، بلغة تعجز فصحاء قريش عن مجاراتها؟
ولأن الرسالة المحمدية قد نزلت في قوم بلغوا الذروة في البيان، فكانت اللغة هي ميدان فخرهم، والشعر هو ديوان علمهم. وفي هذه البيئة، لم يكتفِ القرآن بإثبات مصدره الإلهي، بل أطلق تحدياً صارخاً ومفتوحاً لكل من يشك في نسبته إلى الله. وهذا التحدي لم يكن دفعة واحدة، بل تدرج معهم ليقيم عليهم الحجة ويظهر عجزهم التام رغم توفر كل أدوات البلاغة لديهم.
حيث بدأ التحدي في مكة بالإتيان بمثل القرآن كاملاً، وهو تحدٍ تعجيزي شمل الإنس والجن معاً: "قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا" (الإسراء: 88). وعندما صمتت قريش عجزاً، تنزل التحدي إلى عشر سور فقط: "أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ" (هود: 13). ولما استمر العجز، وصل التحدي إلى غايته القصوى بمطالبتهم بسورة واحدة فقط، مهما كانت قصيرة: "فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ" (البقرة: 23).
وقريش التي كانت تخوض حروب كثيرة ضد النبي وتتمنى القضاء على دعوته بكل وسيلة، لو كانت تملك القدرة على معارضة القرآن لغوياً لفعلت، ولأنهى ذلك الأمر برمته دون الحاجة إلى الحروب والدماء. لكنهم اختاروا الحرب بالسيف لأنهم أيقنوا بهزيمتهم في حرب الكلمة.
يمثل الوليد بن المغيرة المخزومي نموذجاً فريداً في تاريخ الصراع بين الوحي والعقل البشري المعاند. كان الوليد سيداً من سادات قريش، ومقدماً فيهم لعقله وبلاغته، حتى لقبوه بـ "الوحيد" و"ريحانة قريش" لتميزه بخصائص لم تجتمع في غيره. عندما سمع القرآن لأول مرة من النبي صلى الله عليه وسلم، لم يتعامل معه كعدو في البداية، بل تعامل معه كخبير لغوي لا تشق له غبار.
ويروى أن الوليد مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ويقرأ آيات من سورة المؤمن (غافر)، فوقف يستمع مذهولاً لروعة ما سمع. فانطلق بعدها إلى مجلس قومه من بني مخزوم، وعلى وجهه ملامح الدهشة والذهول، وقال شهادته التي أصبحت دستوراً في وصف جمال النص القرآني حتى من ألسنة أعدائه: "والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وما يقول هذا بشر".
وهذه الشهادة لم تكن مجرد إعجاب عابر، بل كانت تشخيص فني دقيق من خبير يعرف الفرق بين الشعر والرجز والكهانة. فقد أقر الوليد بأن هذا النص يمتلك طاقة تأثيرية وقوة بيانية تتجاوز حدود القدرة البشرية. إلا أن هذا الاعتراف الصادق شكل خطر استراتيجي على قريش، فلو آمن الوليد لآمنت قريش معه.
وعندما بلغ ثناء الوليد مسامع قريش، فزعوا وتولى أبو جهل بن هشام مهمة إعادة الوليد إلى صف الكفر. حيث ذهب إليه أبو جهل وتظاهر بالحزن، مدعياً أن قريشاً تجمع له المال لتعينه في كبره لأنهم يظنون أنه زين كلام محمد طمعاً في مال ابن أبي قحافة. واستثار هذا الادعاء كبرياء الوليد، الذي رد بأنه أكثر قريش مالاً، ولكن تحت الضغط الاجتماعي والخوف على مكانته، طلب مهلة للتفكير ليرد بوصف ينكر فيه القرآن.
وبعد تفكير طويل ومعاناة نفسية سجلها القرآن بدقة: "إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ" (المدثر: 18-23)، استقر الوليد على وصف القرآن بأنه سحر يؤثر. حيث لم يستطع أن يقول إنه شعر، لأنه خبير بالشعر ويعلم أنه ليس كذلك، ولم يستطع قول إنه جنون، فاستقر على السحر لأنه يفسر قدرة القرآن العجيبة على التفريق بين المرء وأهله وجذب القلوب. وهكذا باع الوليد ضميره المعرفي من أجل الحفاظ على سيادته الدنيوية، فكان مصيره سقر كما توعده الوحي.
ولم تكن قصة الوليد هي الوحيدة، فقد سبقتها محاولة عتبة بن ربيعة (أبو الوليد)، الذي ذهب للنبي صلى الله عليه وسلم عارضاً عليه الملك والمال والجاه مقابل الكف عن دعوته. استمع إليه النبي صلى الله عليه وسلم بمنتهى الأدب حتى فرغ عتبة من عروضه "المغرية"، ثم قال له: "أقد فرغت يا أبا الوليد؟"، فبدأ يتلو عليه من سورة فصلت.
وعندما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: "فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ"، ذعر عتبة ووضع يده على فم النبي صلى الله عليه وسلم ناشداً إياه بالرحم أن يكف، تأثراً بجلال الكلمات وهيبة الوعيد. عاد عتبة إلى قريش بوجه شاحب، وحاول إقناعهم بترك محمد وشأنه، قائلاً: "والله لقد سمعت قولاً ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة.. اتركوه، فإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم". لكن قريشاً كعادتها اتهمته بأنه "سُحر بلسان محمد"، وهو اتهام يثبت مرة أخرى عجزهم اللغوي أمام النص القرآني.
والسؤال هنا إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أمياً، فكيف كُتب القرآن؟ لأن الحقيقة أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسى نظام توثيقي دقيق منذ اللحظات الأولى للوحي في مكة، وازداد هذا النظام تنظيماً في المدينة. حيث اتخذ النبي كتّاب للوحي من خيرة الصحابة الذين أتقنوا الكتابة، وكان يأمرهم بتدوين كل آية تنزل فوراً.
وتجمع المصادر مثل البداية والنهاية لابن كثير وسيرة ابن هشام على أن عدد هؤلاء الكتاب كان كبير للغاية، حيث وصل في بعض الروايات إلى اثنين وأربعين كاتباً. كان النبي صلى الله عليه وسلم يملي عليهم النص ويحدد لهم السورة والآية التي يوضع فيها هذا النص.
وتعتبر تجربة مسيلمة بن حبيب الحنفي، المعروف بمسيلمة الكذاب، دليل عكسي على إعجاز القرآن. حيث حاول مسيلمة أن يدعي النبوة وأن يأتي بقرآن يضاهي به وحي الله، فكانت النتيجة نصوصاً ركيكة تفتقر إلى أدنى مقومات البلاغة، بل وتثير السخرية من سطحيته.
وادعى مسيلمة نزول آيات عليه مثل: "يا وبر يا وبر، إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حفر نقر". ومثل قوله في الضفدع: "يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي كم تنقين، لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين، رأسك في الماء وذنبك في الطين". وعندما قارن العرب، وهم أهل ذوق لغوي رفيع، بين هذه السجعات الركيكة وبين جلال سورة العصر أو الكوثر، أيقنوا فوراً بكذب مسيلمة.
حتى عمرو بن العاص، قبل إسلامه، عندما سمع قرآن مسيلمة، قال له بوضوح: "والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب". حيث كشف مسيلمة بفعله هذا أن الصنعة القرآنية ليست مجرد كلمات مسجوعة، بل هي نظام لغوي ومعنوي وتشريعي معجز لا يمكن للبشر، مهما بلغت فصاحتهم، أن يحاكوه.
ولم يكتفي مسيلمة بالادعاء، بل تجرأ وأرسل للنبي صلى الله عليه وسلم رسالة يطلب فيها تقاسم الأرض، قائلاً: "من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد فإني قد أشركت في الأمر معك، فلنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض ولكن قريشاً قوم يعتدون".
حيث جاء الرد النبوي بشكل مختصر: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين".
وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، استفحلت فتنة مسيلمة، وجمع حوله جيشاً عرمرماً من بني حنيفة وصل إلى أربعين ألف مقاتل، معتمداً على العصبية القبلية القائلة: "كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر". ووجه الخليفة أبو بكر الصديق جيش المسلمين بقيادة سيف الله المسلول خالد بن الوليد لمواجهة هذا الخطر الذي يهدد كيان الدولة والإسلام.
ووقعت المعركة في اليمامة (منطقة العارض بالرياض حالياً) عام 11 هجرية، وكانت من أعنف المعارك في تاريخ الإسلام. تحصن مسيلمة وجيشه في حديقة واسعة عرفت لاحقاً بحديقة الموت نظراً لضراوة القتال وكثرة القتلى فيها.
وكان زيد بن الخطاب (أخو عمر) يحمل الراية ويتقدم حتى استشهد، وكان أبو دجانة يقاتل بضراوة، وسالم مولى أبي حذيفة يثبت الناس. وفي نهاية المطاف، تمكن وحشي بن حرب (قاتل حمزة الذي تاب وأسلم) من رشق مسيلمة بحربته، وأجهز عليه أبو دجانة بضربة سيف، لتنتهي حياة الدجال الذي حاول محاكاة الوحي.