عن التحرر
تراخَ عن الحب، وعن الوطن، وعن الإله، وعن الدين، وعن الأخلاق، كلما غدت هذه المفاهيم أشباحًا ذهنية تستبطن إرادة الهيمنة على وعيك، لا حقائق تُدرك بذاتها.
إننا لا نملك سوى حياة واحدة، ثم نمضي. ومع ذلك نُثقلها بسلاسل لا نكاد نعلم من صاغها، حتى يغدو الإله، في المخيال الشعبي، كائنًا مترصّدًا، لا همّ له إلا معاقبة الإنسان كلما اجترأ على فعلٍ لم يُؤذن له به.
ألا ترى أن الحياة، بوصفها منظومة اجتماعية قاصرة، لا تنتج إلا مفاهيم نسبية كالخير والشر، وأن صور المعاد ويوم القيامة قد لا تكون، في أحد تأويلاتها، سوى انعكاسٍ لقلق الإنسان الوجودي وخوفه الأزلي من المجهول؟
ولست أرفض الدين من حيث المبدأ، غير أن القراءة التي تؤسس وعيها على مركزية الجحيم، وتجعل الخوف أداتها الأولى في تهذيب الإنسان، تبدو لي تصورًا بدائيًا يكبّل الإرادة الحرة ويصادر استقلال العقل.
وأعني بالحرية هنا حريةً منضبطة بالسياق المعرفي، لا نزوةً عابرة؛ حرية الأفكار التي لا تستمد مشروعيتها من الموروث أو سلطة الجماعة، بل من سلطان العقل، ومنهج العلم، والنقد المستمر تذكّر دائمًا أنك لن تُمنح إلا هذه الحياة، فلا تُهدرها في العيش وفق خرائط رسمها الآخرون نيابةً عنك، بل عِشها كما يمليه عليك وعيك.
وإن قيل: إن ذلك لا يفضي إلا إلى غابةٍ ينتصر فيها الأقوى، فالجواب أن الواقع أكثر تعقيدًا من هذا التصوير الساذج؛ فما يزال أكثر الناس محكومين بالقيود ذاتها التي يخشون الانفكاك عنها. وحين تدرك ذلك، تستطيع أن تتجاوز حدودهم، وأن ترتقي إلى ما هو أبعد من أحلامهم، لا بالقوة، بل بتحرير العقل من كل سلطةٍ لا تستطيع تبرير نفسها