u/metracode

حين تطغى العدسة على المشهد

​

من أكثر الظواهر التي لفتت انتباهي في النقاشات الأيديولوجية أن الإنسان لا يكتفي أحيانًا بأن يحمل موقفًا معينًا من قضية، بل يبدأ مع الوقت في النظر إلى القضايا المختلفة كلها من خلال الموقف نفسه.

فيصبح عنده تفسير جاهز، وإطار جاهز، وطريقة جاهزة في تحديد من هو الضحية ومن هو الجاني، وما الذي يُعد دليلًا وما الذي يُعد استثناءً، وما الذي يدخل في الظاهرة وما الذي يُستبعد منها.

وأكثر ما يكشف ذلك أن المعيار نفسه قد يتغير من نقاش إلى آخر بحسب النتيجة التي يريد الشخص الوصول إليها.

خذ مثلًا النقاش عن العلاقة بين الرجل والمرأة.

قد ينتقد لا ديني تحريم الإسلام للصداقة والمصافحة والتعامل بين الرجل والمرأة إلا للضرورة، ويقول إن هذا التصور يعكس نظرة جنسية مبالغًا فيها؛ لأن كل لمسة أو همسة أو نظرة بين الرجل والمرأة تُعامل وكأنها سلوك جنسي، ثم يقارن ذلك بالغرب، حيث المصافحة والاختلاط والقرب الجسدي بين الجنسين سلوكيات عادية ما دامت بالتراضي.

ثم يأتي نقاش آخر عن التحرش واحترام المرأة في الغرب، فتنعكس الصورة:

المسلمون متساهلون في لمس المرأة والنظر إليها، بينما الغربيون يحترمون حدود المرأة، وأي شخص يلمسها أو ينظر إليها بطريقة غير مرغوبة قد يتعرض لعقوبة شديدة.

قد يتدراك عليّ أحدهم قائلًا إن الفرق ببساطة هو التراضي: في الحالة الأولى الطرفان راضيان، وفي الثانية المرأة لم تكن راضية.

لكن هذا لا يفسر التناقض إذا كان الكلام في السياق الأول قد ذهب إلى أبعد من مجرد القول بالتراضي، فأصبح السلوك نفسه غير جنسي أصلًا، ثم عاد في سياق آخر ليُفهم من خلال دلالته الجنسية عندما أصبح ذلك مفيدًا للحجة.

فالواقعة لم تتغير.

الذي تغير هو الإطار الذي وُضعت فيه.

والشيء نفسه يظهر في الحديث عن الكبت الجنسي والتحرش.

قد يقول لا ديني إن تحريم العلاقات الجنسية بالتراضي ينتج كبتًا، وإن الكبت يمكن أن يسهم في التحرش.

ثم يأتي مسلم للرد عليه فيقول إن سهولة الوصول إلى الجنس في المجتمعات الغربية هي التي تنتج التحرش، ويستشهد بإحصائيات من دول غربية.

ثم قد نجد المسلمين أنفسهم في نقاش آخر ينتقدون تصعيب الزواج وتأخره، ويقرون بأن صعوبة الوصول إلى العلاقة الجنسية والكبت الناتج عنها يمكن أن يكونا من أسباب التحرش.

أنا هنا لا أحسم أي تفسير من هذه التفسيرات، وإنما ألفت النظر إلى شيء آخر: العامل نفسه يصبح تفسيرًا مقبولًا عندما يخدم الحجة، ثم يصبح تفسيرًا مرفوضًا عندما يخدم الحجة المقابلة.

وهناك صورة أخرى للتناقض نفسه تتعلق بعمل المرأة.

في سياق يكون فيه موضوع النقاش حرمان المرأة من العمل والاستقلال الاقتصادي، قد يُقال إن المجتمع التقليدي حبس المرأة في البيت ومنعها من العمل، وجعلها تابعة للرجل اقتصاديًا.

ثم في سياق آخر، عندما يكون النقاش عن الأسرة وتقسيم الأدوار، قد يُقال إن المرأة أصلًا تتحمل معظم أعباء البيت، وتربي الأطفال، وتدير المنزل، وتعمل أحيانًا خارجه أيضًا، بينما الرجل لا يفعل إلا القليل، بل قد يصل الخطاب إلى تصوير الرجل وكأنه لا فائدة حقيقية منه داخل الأسرة.

فإذا كانت المرأة في الصورة الأولى محرومة من العمل والعمل خارج المنزل ظلم لها، ثم أصبحت في الصورة الثانية هي التي تحمل معظم أعباء المنزل والأسرة بينما الرجل شبه عديم الفائدة، فنحن أمام مشكلتين مختلفتين ينبغي بحثهما فعلًا، لا أمام رواية واحدة تُستدعى بحسب اتجاه النقاش.

يمكن أن تكون هناك مجتمعات تحرم المرأة من بعض فرص العمل، ويمكن في الوقت نفسه أن تتحمل النساء قدرًا كبيرًا من العمل المنزلي غير المدفوع.

لكن تحويل كل صورة إلى حجة مختلفة بحسب الحاجة يجعل «عمل المرأة» دليلًا على الظلم في موضع، و«العمل الذي تؤديه المرأة» دليلًا على عدم حاجة الأسرة إلى الرجل في موضع آخر.

وهنا تظهر الفكرة التي أتحدث عنها: النقاش اللحظي قد يحدد أي صورة للمرأة والرجل يستدعيها المتحدث في تلك اللحظة.

وهذا قريب مما يسمى في علم النفس المعرفي الاستدلال الدافعي (Motivated Reasoning): أي أن النتيجة التي يريد الإنسان الوصول إليها تؤثر في طريقة بحثه عن التفسير وتقييمه للأدلة.

فالإنسان لا يبدأ دائمًا بالسؤال: «ما التفسير الصحيح؟»

قد يبدأ، من حيث لا يشعر، بالسؤال: «ما التفسير الذي ينسجم مع موقفي؟»

ومن هنا أيضًا يظهر الفرق بين التفسير (Explanation) والتبرير (Justification).

أن تقول إن الكبت أحد العوامل التي قد تسهم في سلوك إجرامي لا يعني أنك تبرر الجريمة أو تعفي مرتكبها من المسؤولية.

فالجريمة يمكن أن يكون لها تفسير سببي، وفي الوقت نفسه يكون فاعلها مسؤولًا عنها أخلاقيًا وقانونيًا.

لكن في النقاشات الأيديولوجية كثيرًا ما يُعامل مجرد البحث عن سبب للسلوك وكأنه دفاع عن السلوك نفسه.

ثم نصل إلى التاريخ.

قد تتحدث نسوية ملحدة عن الأديان والحضارات القديمة باعتبارها جزءًا من تاريخ طويل اضطُهدت فيه المرأة، وأن الحضارات القديمة وضعتها في مكانة أدنى.

لكن عندما يأتي النقاش إلى الإسلام، وتقول إن المسلمين يذكرون أن المرأة قبل الإسلام كانت تعاني من صور مختلفة من الظلم، وأن الإسلام جاء بتغييرات لصالحها، قد تنقلب الرواية:

العرب قبل الإسلام كانوا يحترمون المرأة ويجلونها، والفراعنة أعطوها مكانة عالية، وحضارات بلاد الرافدين منحتها حقوقًا، وبالتالي فإن تصوير المجتمعات القديمة باعتبارها مضطهِدة للمرأة تصوير خاطئ.

والواقع التاريخي أعقد من الروايتين معًا؛ فالحضارات القديمة لم تكن كتلة واحدة، ولا يمكن اختزالها في «اضطهاد المرأة» أو «تكريم المرأة».

لكن الملاحظة التي تهمني هنا هي أن الحضارة نفسها يمكن أن تتحول في الخطاب إلى دليل على اضطهاد المرأة أو دليل على تكريمها بحسب المعركة التي تُستخدم فيها.

وهذا يدخل في التحيز التأكيدي (Confirmation Bias): ميل الإنسان إلى ملاحظة المعلومات التي تنسجم مع اعتقاده وإعطائها وزنًا أكبر، بينما يبحث عن طرق لتفسير المعلومات المخالفة أو التقليل من أهميتها.

ولهذا فالمشكلة ليست دائمًا في أن المعلومة خاطئة؛ قد تكون صحيحة في ذاتها، لكن المشكلة في انتقاء الجزء المناسب من الحقيقة وإغفال الجزء الذي يعقّد الرواية.

وهذا يظهر كذلك في تفسير الاختلافات بين الرجال والنساء.

قد ترى نسوية أن الناس ينظرون إلى تدخين المرأة أو تعدد علاقاتها نظرة أشد من نظرتهم إلى الرجل، ثم يكون التفسير المباشر عندها: المجتمع يكره النساء ويراهن أقل من الرجال.

لكن لماذا يكون هذا التفسير هو التفسير الوحيد؟

علم النفس مليء بالانحيازات والقوالب النمطية والتوقعات الجندرية والارتباطات السلوكية التي يمكن أن تجعل الناس يحكمون على السلوك نفسه بصورة مختلفة بحسب هوية الفاعل أو الضحية.

بل توجد انحيازات يمكن أن تعمل ضد الرجل أيضًا؛ فقد يُنظر إلى ارتكاب الرجل للسلوك نفسه باعتباره أشد، بينما يُنظر إلى المرأة باعتبارها أقل مسؤولية أو أكثر استحقاقًا للتعاطف.

فمجرد وجود معيار مختلف للرجل والمرأة لا يثبت وحده أن مصدره كراهية النساء.

قد يكون وراءه تصور عن الرجولة، أو المسؤولية، أو الحماية، أو المخاطر، أو الأمومة، أو أدوار الجنسين، أو خليط من هذه العوامل.

لكن عندما تكون النتيجة التي يبحث عنها الشخص هي «المجتمع يكره النساء»، يصبح كل اختلاف في الحكم بين الجنسين تقريبًا دليلًا على ذلك.

وهنا يظهر التفكير أحادي السبب (Monocausal Thinking): اختزال ظاهرة معقدة لها أسباب متعددة في سبب واحد، أو جعل عامل واحد هو العدسة الأساسية التي تُفسر من خلالها كل الوقائع.

وهذا بالضبط ما أراه كثيرًا في تفسير الجرائم.

لنفترض أن مجتمعًا شهد رجلًا قتل زوجته، ورجلًا قتل ابنته، ورجلًا ضرب زوجته، ورجلًا تحرش بامرأة، ورجلًا اغتصب امرأة، ورجلًا قتل امرأة لأنها رفضته، ورجلًا هدد امرأة بسبب علاقة عاطفية.

وفي المجتمع نفسه امرأة قتلت زوجها، وامرأة قتلت أبناءها، وامرأة اعتدت على زوجها، وامرأة قتلت رجلًا في خلاف عاطفي، ورجل انتحر بسبب انهيار زواجه، وامرأة انتحرت بسبب خلافات أسرية، ورجل قتل أخاه، وامرأة قتلت أختها، وأب قتل ابنه، وأم قتلت ابنتها.

ولدينا أيضًا السطو والسرقة والبلطجة والاعتداءات في الشوارع.

يمكن للباحث في علم الجريمة أن يرى بعض هذه الوقائع باعتبارها أجزاء من مشكلة الجريمة والعنف عمومًا.

ويمكن للباحث في الأسرة أن يجمع بعضها تحت عنوان المشاكل الأسرية والتفكك الأسري.

ويمكن للباحث السياسي أن يربط بعضها بارتفاع الجريمة وانعدام الأمن وفساد السلطة.

لكن النسوية قد تضع عددًا من هذه الجرائم في إطار مختلف تمامًا:

رجل قتل زوجته: كراهية نساء (Misogyny).

رجل قتل ابنته: كراهية نساء.

التحرش: كراهية نساء.

الاغتصاب: كراهية نساء.

قتل امرأة لأنها رفضت رجلًا: كراهية نساء.

أي أن جنس الضحية يدخل في تفسير الجريمة نفسها.

لكن عندما تكون الضحية رجلًا، لا نجد بالضرورة بحثًا عن تفسير جندري معاكس.

امرأة قتلت زوجها؟ مشكلة أسرية.

امرأة قتلت رجلًا؟ جريمة فردية.

امرأة قتلت أبناءها؟ مشكلة نفسية أو أسرية.

رجل انتحر بعد انهيار زواجه؟ مشكلة نفسية أو أسرية.

أما إذا انتحرت امرأة بسبب مشكلة أسرية، فقد تدخل الواقعة في إطار «معاناة النساء».

وهنا أرى مشكلة أعمق من مجرد اختلاف التفسير:

الوقائع التي لا تخدم الرواية لا تُعطى دائمًا تفسيرات بديلة داخل الظاهرة، بل تُستبعد من الظاهرة أصلًا.

إذا قتل رجل امرأة، تدخل الواقعة في «كراهية النساء».

إذا قتلت امرأة رجلًا، يمكن إخراج الواقعة من إطار العنف الجندري واعتبارها مشكلة أسرية.

إذا عانت امرأة من مشكلة أسرية، تصبح «معاناة النساء».

إذا عانى رجل من المشكلة نفسها، تصبح «مشكلة أسرية».

وهذا مثال واضح على التأطير (Framing): ليست القضية فقط كيف تفسر الواقعة، بل أي إطار تضعها داخله منذ البداية.

والأخطر أن هذا يمكن أن يجعل النظرية شديدة المقاومة للتفنيد.

فكل واقعة تؤيدها تصبح دليلًا.

أما الواقعة التي تناقضها، فيمكن القول إنها لا تنتمي إلى الظاهرة أصلًا.

وهنا نقترب من مفهوم عدم قابلية التفنيد (Unfalsifiability): عندما تصبح الفكرة مصاغة بطريقة تجعل من الصعب، أو المستحيل، أن توجد واقعة يمكنها أن تثبت خطأها.

إذا كانت كل جريمة رجل ضد امرأة دليلًا على كراهية النساء، وكل جريمة امرأة ضد رجل مجرد جريمة أسرية، فكيف يمكن أصلًا أن تأتي واقعة لتختبر الفرضية؟

المشكلة هنا ليست أن «كراهية النساء» لا يمكن أن تكون عاملًا في بعض الجرائم؛ بل أن تحويلها إلى تفسير جاهز لكل جريمة يرتكبها رجل ضد امرأة يلغي الحاجة إلى اختبار الفرضية أصلًا.

والشيء نفسه يحدث عندما نتحدث عن الجريمة في الدول الغربية والعربية.

يمكن لأي شخص أن يتقبل أن دولة فيها سرقات كثيرة وجرائم قتل قليلة، ودولة أخرى فيها جرائم قتل أكثر لكن سرقات أقل.

ولا أحد يفترض أن جميع أنواع الجريمة يجب أن ترتفع وتنخفض معًا.

لكن عندما يتعلق الأمر بالنساء، يظهر أحيانًا تصور مختلف:

إذا كانت الدولة تحترم المرأة، فيجب أن تكون جرائم قتل النساء والتحرش والاغتصاب منخفضة.

وإذا كانت الدولة تحتقر المرأة، فيجب أن تكون هذه الجرائم مرتفعة.

فإذا قيل إن الولايات المتحدة أو بعض الدول الأوروبية المتقدمة لديها في بعض أنواع الجريمة معدلات أعلى من دول عربية أو خليجية، يمكن تقبل ذلك.

لكن إذا قيل إن بعض الجرائم التي تستهدف النساء قد تكون أعلى أيضًا، يظهر رفض لاحتمال أن تكون أعلى أصلًا، ويُفترض مباشرة أن السبب هو اختلاف معدلات التبليغ أو التعريفات القانونية.

قد تكون هذه العوامل مهمة فعلًا، لكن السؤال الذي يهمني هو: لماذا يصبح احتمال ارتفاع الجريمة ضد النساء مستغربًا إذا كان المجتمع نفسه يشهد ارتفاعًا في الجريمة عمومًا؟

إذا كانت دولة ما أعلى في الجريمة، فمن الطبيعي أن يكون مستوى الجريمة العامة أحد المتغيرات التي نبحثها عند تفسير بعض الجرائم ضد النساء.

لماذا يجب أن تكون الجرائم ضد النساء منفصلة تمامًا عن منظومة الجريمة العامة؟

يمكن أن تكون السرقة مرتفعة والقتل منخفضًا، أو القتل مرتفعًا والسرقة منخفضة، فلماذا نفترض أن التحرش والاغتصاب وقتل النساء يجب أن تتحرك كلها معًا بحسب سؤال واحد: «هل المجتمع يحترم المرأة؟»

الجرائم ليست كتلة واحدة.

والعوامل المؤثرة فيها ليست عاملًا واحدًا.

قد تدخل فيها معدلات الجريمة العامة، والأمن، والقانون، ومعدلات التبليغ، والتعريفات القانونية، والثقافة، والأسرة، والفقر، والبطالة، والكحول والمخدرات، والعوامل النفسية، وغير ذلك.

لكن العدسة الأيديولوجية تختزل هذا التعقيد أحيانًا إلى ثنائية بسيطة:

دولة تحترم المرأة ← جرائم ضد النساء أقل.

دولة تحتقر المرأة ← جرائم ضد النساء أكثر.

ثم تصبح كل نتيجة لا تنسجم مع هذه الثنائية بحاجة إلى تفسير ينقذ الصورة المسبقة.

وهذا مثال آخر على الاختزالية الأيديولوجية (Ideological Reductionism): تحويل ظاهرة مركبة إلى نتيجة أساسية لعامل أيديولوجي واحد.

والأمر نفسه في العقوبات.

قد تكون المجتمعات المحافظة أكثر تشددًا في العقوبات عمومًا، وفي بعض الجرائم الجنسية خصوصًا، بينما تكون المجتمعات الأكثر ليبرالية أقل تشددًا في بعض المجالات.

ومع ذلك يمكن أن يتحول تشدد الدولة في العقوبة إلى دليل على احترام المرأة، أو يتحول تساهلها النسبي إلى دليل على احتقارها.

وكأن القانون مجرد مقياس مباشر لمقدار احترام الدولة للمرأة.

مع أن التشريع نتاج دين وثقافة وتاريخ وسياسة وأخلاق وتصوّر للجريمة ومؤسسات قانونية، وليس مؤشرًا أحاديًا على «احترام المرأة».

ثم تأتي مسألة المعايير الجندرية المفروضة على الرجل.

الخطاب النسوي يتحدث كثيرًا عن أن المجتمع يحاسب المرأة على أخطائها أكثر من الرجل.

لكن عندما أنظر إلى مفهوم الرجولة في المجتمعات التقليدية، أجد منظومة كاملة من التوقعات المفروضة على الرجل.

أنا مثلًا كان والدي يضربني بسبب خوفي من الظلام، بينما كان يعذر أختي لأنها فتاة.

وأمي حكت عن أبيها وإخوته الذكور موقفًا مشابهًا.

والرجل الذي يخاف أو يبكي أو يتردد أو يعاني من الرهاب الاجتماعي قد يُعامل باعتباره ناقص الرجولة، بينما يُعذر في المرأة الشيء نفسه.

والرجل مطالب بأن يكون قويًا، شجاعًا، متحملًا، قادرًا على المواجهة، مسؤولًا عن الإنفاق، مستعدًا للمخاطرة، وحاميًا لمن حوله.

وأنا لا أرى في المجتمعات التقليدية أن المعايير الاجتماعية أعلى على المرأة من الرجل في كل المجالات.

أبرز ما أراه بوضوح هو مجالات اللباس والشرف والسلوك الجنسي.

أما خارجها، فهناك مجالات كثيرة يُحمّل فيها الرجل معيارًا أعلى ومسؤولية أكبر.

في سفينة تغرق ولا تكفي قوارب النجاة للجميع، يظهر مبدأ «النساء والأطفال أولًا».

وفي بعض ترتيبات تبادل أسرى الحرب تُعطى النساء أولوية رغم أنهن قد يكن أقلية واضحة بين الأسرى.

وفي عمليات الإجلاء والكوارث توجد أحيانًا أولوية للنساء والأطفال.

وعند الحديث عن المدنيين الذين يموتون في الحرب، كثيرًا ما يكون التركيز على النساء والأطفال باعتبارهم الفئات التي ينبغي حمايتها، حتى مع وجود أعداد كبيرة من الرجال بين الضحايا.

وفي مصر، قد يصل الأمر في بعض الأسر إلى أن يؤجل الأخ زواجه حتى يساعد في تزويج أخواته وتجهيز الشقة.

هذه ليست مجرد أمثلة فردية؛ إنها أمثلة على أدوار جندرية (Gender Roles) وعلى منظومة من التوقعات والحماية والمسؤوليات موزعة بحسب الجنس.

والشيء نفسه يظهر في التعامل مع العنف.

قد يُنظر إلى دفاع الرجل عن نفسه ضد امرأة باعتباره موضوعًا للنقاش أصلًا:

«كيف يضرب امرأة؟»

بينما تُستخرج للمرأة المعتدية مجموعة من الأعذار.

وفي المثال الذي ذكرته، أيدت متحدثة نسوية ضرب رجل لطفل عمره إحدى عشرة سنة لأنه عاكس ابنته ذات التسع سنوات، وحتى بعد الضغط عليها بشأن شدة الضرب بقي التركيز على أن الطفل «يستاهل».

ثم هي نفسها ترى أن امرأة بالغة عاقلة صفعت رجلًا صفعتين بعد أن كان ساكتًا عن شتائمها، ومع ذلك لا ترى أن من حق الرجل رد الضرب.

هنا لا يمكن تفسير الأمر كله بالقوة الجسدية؛ فالطفل في المثال أضعف بكثير من المرأة البالغة.

المسألة إذن تتعلق أيضًا بالمعيار الجندري الذي يُطبق على الرجل والمرأة.

وهذا ما يسمى المعايير المزدوجة (Double Standards): استخدام معيار مختلف للحكم على سلوكين متشابهين بحسب هوية الفاعل أو الضحية.

والأمر اللافت أن بعض الأفكار الجندرية التقليدية التي تُنتقد عندما تضر المرأة يمكن أن تعود نفسها عندما تخدمها:

الرجل أقوى.

الرجل يجب أن يتحمل.

الرجل لا يضرب امرأة.

الرجل يجب أن يضبط نفسه.

لكن إذا أصبح المطلوب إثبات أن المرأة مقيدة اجتماعيًا، يصبح «الرجل أقوى» فكرة أبوية ينبغي التخلص منها.

وهكذا لا يتم التخلص من الفكرة الجندرية، وإنما يُنتقى الجزء الذي يخدم الموقف.

ومن الأمثلة اللافتة أيضًا اللغة.

الرجل قد يُذم بتشبيهه بالمرأة:

«لا تكن مثل النساء».

لكن المرأة قد تُمدح بتشبيهها بالرجل:

«ست بمئة رجل».

التفسير النسوي الشائع قد يكون أن المجتمع يرى المرأة أقل من الرجل، ولذلك فإن تشبيه المرأة بالرجل مدح، وتشبيه الرجل بالمرأة ذم.

لكن هناك تفسيرًا آخر أبسط في كثير من سياقات استعمال هذه العبارات: المجتمع يحمّل الرجل أصلًا مجموعة من المسؤوليات والمهام التي لا يحمّل المرأة مثلها؛ ولذلك عندما تقوم المرأة بجزء من هذه المهام يقال عنها «ست بمئة رجل»، بينما الرجل إذا فشل في أداء ما يُتوقع منه كرجل يُذم بتشبيهه بمن لا يُطلب منه أصلًا أداء هذه المهام.

أي أن العبارة قد تكون ناتجة عن اختلاف التوقعات الجندرية، لا عن تصور أن المرأة أقل قيمة بالضرورة.

ومرة أخرى، لا يعني ذلك أن هذا هو التفسير الوحيد لكل استعمال لهذه العبارة، وإنما يعني أن وجود تفسير بديل معقول يمنعنا من تحويلها تلقائيًا إلى دليل على احتقار المرأة.

وهنا تظهر مشكلة أخرى: إهمال التفسيرات البديلة (Neglect of Alternative Explanations).

عندما يصبح التفسير الجندري هو التفسير المفضل، لا يُسأل أحيانًا: «ما التفسيرات الأخرى الممكنة؟»

بل يُسأل: «كيف نثبت التفسير الذي اخترناه؟»

وهذا فارق جوهري.

لأن الظاهرة الاجتماعية المعقدة لا تحتاج عادةً إلى سبب واحد.

قد يكون هناك انحياز جندري، ومعه تصور عن الرجولة، ومعه مصلحة اجتماعية، ومعه خوف من المخاطر، ومعه تاريخ ثقافي، ومعه اختلاف في الأدوار.

كلها يمكن أن تعمل في الوقت نفسه.

لكن الأيديولوجيا تميل إلى ترتيب الواقع حول محورها المركزي.

ومن أوضح الأمثلة على ذلك طريقة تفسير الدين نفسه.

إذا سألت بعض الخطاب النسوي: لماذا ظهرت الأديان؟ ولماذا تضمنت تشريعات تنظم علاقة الرجل بالمرأة؟ قد يأتي الجواب سريعًا: لأن الرجال أرادوا السيطرة على النساء، فصاغوا منظومة دينية تمنحهم سلطة عليهن.

وإذا سألت: لماذا حُرمت العلاقات الجنسية خارج الزواج؟ يعود التفسير إلى السيطرة على جسد المرأة وإخضاعها.

وإذا سألت: لماذا ظهر الزواج أصلًا؟ قد يُفسر باعتباره مؤسسة اخترعها الرجل لتنظيم جنس المرأة ونسب أبنائها وإبقائها تحت سلطته.

لكن لو طرحنا الأسئلة نفسها على أصحاب أيديولوجيات أخرى، سنجد أن كل واحد منهم قد يأتي بمفتاح مختلف.

الماركسي قد يقول إن الدين نشأ، أو استُخدم تاريخيًا، بوصفه أداة لإعادة إنتاج النظام الطبقي؛ فالفقراء يُعزَّون بوعد التعويض بعد الموت، ويُطلب منهم الصبر على بؤسهم بدل الثورة على أوضاعهم، بينما تستفيد الطبقات المالكة من استقرار النظام.

والديمقراطي أو المعادي للاستبداد قد يركز على وظيفة الدين في إضفاء الشرعية على السلطة، فيقول إن الحكام استخدموا المقدس لإضفاء صفة شرعية على طاعتهم وإخضاع الشعوب.

والقومي قد يراه عنصرًا في تشكيل هوية الجماعة وتوحيدها، أو يرى بعض الأديان والتقاليد الدينية عاملًا في ترسيخ هوية قومية معينة.

والباحث النفسي قد يبحث في حاجات الإنسان إلى المعنى والانتماء وتقليل القلق وتفسير المجهول، وفي الآليات المعرفية التي تجعل المعتقدات الدينية قابلة للانتشار والاستمرار.

أما المؤمن، فسيرى الأمر من أساس مختلف تمامًا: الدين وحي إلهي، وليس ظاهرة اخترعها البشر أصلًا حتى نبحث عن «المصلحة البشرية التي اخترعته من أجلها».

وهنا تظهر نقطة مهمة جدًا:

قد يكون في كل تفسير من هذه التفسيرات جزء من الحقيقة التاريخية أو الاجتماعية، لكن لا يجوز أن يتحول الجزء إلى تفسير شامل للكل.

فقد تُستخدم الأديان فعلًا لتثبيت سلطة حاكم، وقد تستعمل في أحيان أخرى لمقاومة الحاكم.

وقد ترتبط بعض المؤسسات الدينية تاريخيًا بالطبقات الحاكمة، كما يمكن أن تتحول في سياقات أخرى إلى مصدر للاحتجاج على الظلم الطبقي.

وقد تتأثر بعض التشريعات الدينية بعلاقات القوة بين الجنسين، لكن اختزال الدين كله في «رغبة الرجال في السيطرة على النساء» لا يفسر لماذا ظهرت معتقدات وطقوس وتشريعات لا علاقة مباشرة لها بهذه المسألة أصلًا.

وهذا هو الفارق بين أن تقول:

«الجندر أحد العوامل التي أثرت في بعض أشكال الدين والمؤسسات المرتبطة به»

وبين أن تقول:

«الدين موجود أصلًا لأن الرجل أراد السيطرة على المرأة».

الأولى فرضية قابلة للبحث والمقارنة.

أما الثانية فتحوّل أيديولوجيتك إلى مفتاح يفتح كل الأبواب.

والشيء نفسه يمكن أن نراه في الزواج.

النسوية قد تنظر إلى الزواج بوصفه مؤسسة تاريخية لتنظيم سلطة الرجل على المرأة وضبط جنسها ونسب أبنائها.

الماركسي قد يركز على الملكية والميراث والأسرة بوصفها جزءًا من إعادة إنتاج الثروة والطبقات.

الباحث في علم الإنسان قد يدرسه باعتباره مؤسسة لتنظيم القرابة والنسب والتحالفات بين الجماعات.

وعالم النفس قد يبحث في مسائل الاستثمار الأبوي والغيرة والأبوة والروابط طويلة المدى.

وعالم الاجتماع قد يدرسه من خلال تقسيم الأدوار والعمل والموارد والتنشئة الاجتماعية.

ولا يلزم أن تكون هذه التفسيرات متناقضة بالكامل؛ فقد يكون الزواج قد أدى وظائف متعددة في الوقت نفسه.

لكن حين يدخل الإنسان إلى الظاهرة ومعه تفسيره النهائي، يصبح من السهل أن يرى الوظيفة التي يبحث عنها فقط.

حتى تحريم الزنى يمكن أن يُفسر بطرق مختلفة.

قد تراه النسوية من زاوية ضبط جسد المرأة وإخضاع حياتها الجنسية.

وقد يراه الماركسي من زاوية تنظيم الملكية والميراث والأسرة في المجتمعات الطبقية.

وقد يراه عالم الاجتماع من زاوية تنظيم الأسرة والقرابة وتقليل النزاعات المتعلقة بالنسب.

وقد يبحث علم النفس في الغيرة والأبوة والاستثمار الأبوي والمخاطر الاجتماعية المرتبطة بالعلاقات الجنسية.

وقد يراه الدين نفسه حكمًا أخلاقيًا وتعبديًا قائمًا على الوحي.

ليس المطلوب أن نختار أحد هذه التفسيرات مسبقًا.

المطلوب أن نسأل: أي منها تفسره الأدلة؟ وهل يمكن أن تعمل عدة أسباب معًا؟

وهذا هو السؤال الذي يغيب عندما تتحول الأيديولوجيا إلى عدسة مغلقة.

ويمكن أن نرى النمط نفسه في تفسير الفقر والجريمة والأسرة والتعليم والسياسة.

الماركسي قد يرى البطالة والتشرد والجريمة والتفاوت الاقتصادي وحتى بعض المشكلات الأسرية من خلال علاقات الإنتاج والطبقات والرأسمالية.

الديمقراطي قد يرى الفساد، وضعف المؤسسات، وتدهور الاقتصاد، والعنف السياسي، وانعدام الأمن بوصفها نتائج للاستبداد وغياب المساءلة.

المحافظ قد يرد الطلاق والإدمان والجريمة وانحراف المراهقين والوحدة الاجتماعية إلى انهيار الأسرة والقيم.

الليبرالي الاقتصادي قد يفسر البطالة والفقر وارتفاع الأسعار من خلال تدخل الدولة والحواجز أمام السوق.

القومي قد يرد أزمات التعليم والثقافة والاقتصاد إلى الاستعمار أو التبعية أو فقدان الهوية.

والنسوي قد يرد مجموعة واسعة من هذه الظواهر إلى علاقات القوة بين الجنسين.

واللافت أن صاحب كل عدسة يستطيع أن يفعل بالعدسات الأخرى الشيء نفسه الذي نفعله بعدسة نسويّة أو ماركسية أو سياسية: يرى أنها «تفسر جزءًا من الحقيقة»، ثم يلاحظ أنها تتجاهل جوانب أخرى.

وهذا تحديدًا هو سبب أهمية الأمثلة السابقة.

فالإنسان قد يكون على حق في أن الجندر عامل مهم، والماركسي قد يكون على حق في أن الطبقة عامل مهم، والباحث السياسي قد يكون على حق في أن المؤسسات عامل مهم، وعالم النفس قد يكون على حق في أن الآليات النفسية عامل مهم.

لكن وجود عامل مهم لا يجعله العامل الوحيد.

وهنا يظهر الاختزال التفسيري (Explanatory Reductionism): أن تُختزل ظاهرة متعددة الأسباب والمستويات في تفسير واحد، لا لأن الأدلة أثبتت أنه التفسير الوحيد، وإنما لأن هذا التفسير هو المحور الذي تنطلق منه الأيديولوجيا.

ثم يتحول الاختزال إلى عدسة أيديولوجية (Ideological Lens) يرى صاحبها من خلالها العالم.

وعندها لا يعود السؤال:

«ما الأسباب المحتملة لهذه الظاهرة؟»

بل يصبح:

«كيف يمكنني تفسير هذه الظاهرة من خلال الأيديولوجيا التي أتبناها؟»

وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة.

لأنك تستطيع أن تأخذ الدين، والزواج، والجريمة، والفقر، والتحرش، والطلاق، والتعليم، والفساد، والحرب، والتشرد، وتضعها أمام خمسة أشخاص من خمس أيديولوجيات مختلفة؛ ثم يحصل كل واحد منهم على العالم نفسه، لكنه يعيده إليك وقد أعاد ترتيب عناصره حول متغيره المفضل.

والأخطر أن كل واحد منهم قد يجد بالفعل شواهد تؤيد تفسيره.

لأن الواقع الاجتماعي ليس بسيطًا.

الطبقة تؤثر.

والجندر يؤثر.

والسلطة تؤثر.

والثقافة تؤثر.

والأسرة تؤثر.

والاقتصاد يؤثر.

والدين يؤثر.

والنفس البشرية تؤثر.

والمؤسسات تؤثر.

ولهذا فإن كثرة الشواهد التي تستطيع العثور عليها لصالح تفسيرك لا تعني بالضرورة أن تفسيرك هو التفسير الكامل.

قد تكون ببساطة قد اخترت من الواقع الجزء الذي يتحدث لغتك.

وهنا يعود بنا الأمر إلى التحيز التأكيدي (Confirmation Bias) والاستدلال الدافعي (Motivated Reasoning) وإهمال التفسيرات البديلة (Neglect of Alternative Explanations).

فالتحيز التأكيدي يجعل الإنسان يلتقط الأدلة التي تنسجم مع عدسته.

والاستدلال الدافعي يجعله أكثر استعدادًا لقبول تفسير إذا أوصله إلى النتيجة التي يريدها.

وإهمال التفسيرات البديلة يجعله لا يسأل بما يكفي: «ماذا لو كان هناك تفسير آخر أكثر قدرة على تفسير هذه الوقائع؟»

ومن هنا يصبح النقد الحقيقي للأيديولوجيا ليس أن نقول: «كل ما تقوله خطأ».

بل أن نسألها سؤالًا أصعب:

هل تستطيع هذه النظرية أن تفسر الوقائع التي لا تحبها أيضًا؟

هل تستطيع النسوية تفسير الجرائم والظواهر التي لا تنسجم مع إطار «كراهية النساء» من دون إخراجها من الظاهرة؟

هل يستطيع الماركسي تفسير ظاهرة لا تفسرها الطبقة دون أن يعيدها قسرًا إلى الرأسمالية؟

هل يستطيع الديمقراطي تفسير مشكلة في دولة ديمقراطية من دون أن يجعل غياب الديمقراطية سببًا لها؟

هل يستطيع المحافظ تفسير مشكلة في أسرة مستقرة دون أن يعيدها تلقائيًا إلى انهيار الأسرة؟

هل يستطيع القومي تفسير مشكلة داخلية دون أن يجعل العامل الأجنبي هو المتهم الأول؟

إذا كانت الإجابة نعم، فهذه أيديولوجيا يمكن أن تكون أداة تحليل.

أما إذا كانت الإجابة دائمًا: «هذه حالة استثنائية، أو ليست من الظاهرة أصلًا، أو السبب الحقيقي ما زال هو العامل الذي أؤمن به»، فقد تحولت الأيديولوجيا من أداة لفهم الواقع إلى حصن يحمي نفسه من الواقع.

وهنا تصبح المشكلة أعمق من مجرد التناقض في بعض المواقف.

إنها مشكلة في طريقة النظر إلى الواقع نفسه.

فالإنسان لا يرى العالم كما هو فقط؛ بل يراه من خلال التصنيفات التي يحملها، والأسئلة التي يطرحها، والأسباب التي يعتبرها جديرة بالبحث، والأسباب التي لا تخطر له أصلًا.

ولهذا يمكن لشخصين أن ينظرا إلى الحادثة نفسها، فيرى أحدهما صراعًا طبقيًا، ويرى الثاني صراعًا على السلطة، ويرى الثالث صراعًا بين الجنسين، ويرى الرابع انهيارًا أسريًا، ويرى الخامس ظاهرة نفسية.

وقد يكون كل واحد منهم قد رأى جزءًا حقيقيًا.

لكن الخطأ يبدأ عندما يقول كل واحد:

«الجزء الذي رأيته هو القصة كلها.»

وهنا أصل إلى النقطة التي دفعتني أصلًا إلى ملاحظة هذه الظاهرة.

أنا لا أرى المشكلة في أن يبحث الإنسان عن الظلم الواقع على المرأة، أو عن تأثير الجندر في المجتمع، أو عن التمييز ضد أي فئة.

المشكلة تبدأ حين تتحول النتيجة إلى شيء معروف مسبقًا، ثم يُعاد ترتيب الواقع حتى يصل إليها.

لأن البحث الحقيقي يبدأ بسؤال:

«ما الذي يفسر هذه الظاهرة؟»

أما البحث الأيديولوجي المغلق فيبدأ بسؤال آخر:

«كيف أثبت أن هذه الظاهرة تؤكد ما أؤمن به؟»

والفرق بين السؤالين أكبر بكثير مما يبدو.

فحين تصبح جريمة الرجل ضد المرأة «كراهية نساء»، ومشكلة المرأة الأسرية «معاناة النساء»، واختلاف العقوبة «تمييزًا ضد المرأة»، واختلاف اللغة «احتقارًا للمرأة»، واختلاف السلوك «معيارًا مزدوجًا ضد المرأة»، والدين مؤسسة للسيطرة على المرأة، والزواج أداة للسيطرة عليها، وتحريم الزنى محاولة للسيطرة على جسدها؛ بينما الوقائع التي لا تنسجم مع هذه الصورة تُعاد صياغتها أو تُستبعد من الإطار، والتفسيرات النفسية والاجتماعية والتاريخية والاقتصادية البديلة لا تحضر إلا إذا أمكن توظيفها لخدمة الرواية، فإن الجندر لم يعد مجرد متغير من متغيرات كثيرة.

لقد أصبح مفتاحًا تفسيريًا شاملًا.

والشيء نفسه يمكن أن يحدث مع الطبقة أو السلطة أو القومية أو الدين أو الأسرة أو أي أيديولوجيا أخرى.

وهنا تحديدًا أرى اعوجاج الخطاب الأيديولوجي الذي أناقشه: ليس فقط في بعض النتائج التي يصل إليها، وإنما في طريقة النظر إلى العالم؛ في أن العدسة التي بدأ بها الإنسان تحليل الواقع تنتهي إلى تحديد ما الذي يسمح للواقع بأن يقوله.

وعندما يحدث ذلك، لا تعود الأيديولوجيا مجرد موقف من الواقع.

تصبح عدسة ترى من خلالها الواقع، ثم تصبح العدسة نفسها دليلًا على أن رؤيتك للواقع صحيحة.

وهنا تطغى العدسة على المشهد.

reddit.com
u/metracode — 3 days ago

حين تطغى العدسة على المشهد

من أكثر الظواهر التي لفتت انتباهي في النقاشات الأيديولوجية أن الإنسان لا يكتفي أحيانًا بأن يحمل موقفًا معينًا من قضية، بل يبدأ مع الوقت في النظر إلى القضايا المختلفة كلها من خلال الموقف نفسه.

فيصبح عنده تفسير جاهز، وإطار جاهز، وطريقة جاهزة في تحديد من هو الضحية ومن هو الجاني، وما الذي يُعد دليلًا وما الذي يُعد استثناءً، وما الذي يدخل في الظاهرة وما الذي يُستبعد منها.

وأكثر ما يكشف ذلك أن المعيار نفسه قد يتغير من نقاش إلى آخر بحسب النتيجة التي يريد الشخص الوصول إليها.

خذ مثلًا النقاش عن العلاقة بين الرجل والمرأة.

قد ينتقد لا ديني تحريم الإسلام للصداقة والمصافحة والتعامل بين الرجل والمرأة إلا للضرورة، ويقول إن هذا التصور يعكس نظرة جنسية مبالغًا فيها؛ لأن كل لمسة أو همسة أو نظرة بين الرجل والمرأة تُعامل وكأنها سلوك جنسي، ثم يقارن ذلك بالغرب، حيث المصافحة والاختلاط والقرب الجسدي بين الجنسين سلوكيات عادية ما دامت بالتراضي.

ثم يأتي نقاش آخر عن التحرش واحترام المرأة في الغرب، فتنعكس الصورة:

المسلمون متساهلون في لمس المرأة والنظر إليها، بينما الغربيون يحترمون حدود المرأة، وأي شخص يلمسها أو ينظر إليها بطريقة غير مرغوبة قد يتعرض لعقوبة شديدة.

قد يتدارك عليّ أحدهم قائلًا إن الفرق ببساطة هو التراضي: في الحالة الأولى الطرفان راضيان، وفي الثانية المرأة لم تكن راضية.

لكن هذا لا يفسر التناقض إذا كان الكلام في السياق الأول قد ذهب إلى أبعد من مجرد القول بالتراضي، فأصبح السلوك نفسه غير جنسي أصلًا، ثم عاد في سياق آخر ليُفهم من خلال دلالته الجنسية عندما أصبح ذلك مفيدًا للحجة.

فالواقعة لم تتغير.

الذي تغير هو الإطار الذي وُضعت فيه.

والشيء نفسه يظهر في الحديث عن الكبت الجنسي والتحرش.

قد يقول لا ديني إن تحريم العلاقات الجنسية بالتراضي ينتج كبتًا، وإن الكبت يمكن أن يسهم في التحرش.

ثم يأتي مسلم للرد عليه فيقول إن سهولة الوصول إلى الجنس في المجتمعات الغربية هي التي تنتج التحرش، ويستشهد بإحصائيات من دول غربية.

ثم قد نجد المسلمين أنفسهم في نقاش آخر ينتقدون تصعيب الزواج وتأخره، ويقرون بأن صعوبة الوصول إلى العلاقة الجنسية والكبت الناتج عنها يمكن أن يكونا من أسباب التحرش.

أنا هنا لا أحسم أي تفسير من هذه التفسيرات، وإنما ألفت النظر إلى شيء آخر: العامل نفسه يصبح تفسيرًا مقبولًا عندما يخدم الحجة، ثم يصبح تفسيرًا مرفوضًا عندما يخدم الحجة المقابلة.

وهناك صورة أخرى للتناقض نفسه تتعلق بعمل المرأة.

في سياق يكون فيه موضوع النقاش حرمان المرأة من العمل والاستقلال الاقتصادي، قد يُقال إن المجتمع التقليدي حبس المرأة في البيت ومنعها من العمل، وجعلها تابعة للرجل اقتصاديًا.

ثم في سياق آخر، عندما يكون النقاش عن الأسرة وتقسيم الأدوار، قد يُقال أن أغلب الأسر تعيلها امرأة أصلًا! بينما الرجل لا يفعل شيئًا، بل يصل الخطاب إلى تصوير الرجل وكأنه لا فائدة حقيقية منه داخل الأسرة.

فكانت المرأة في الصورة الأولى محرومة من العمل، ثم أصبحت في الصورة الثانية هي التي المنفقة الوحيدة على الأسرة والمتحملة لكل أعباء المنزل والأسرة بينما الرجل عديم الفائدة!

لكن تحويل كل صورة إلى حجة مختلفة بحسب الحاجة يجعل «حرمان المرأة من العمل» دليلًا على الظلم في موضع، و«المرأة هي المعيلة الوحيدة للأسرة» دليلًا على اتكالية الرجل في موضع آخر.

وهنا تظهر الفكرة التي أتحدث عنها: النقاش اللحظي قد يحدد أي صورة للمرأة والرجل يستدعيها المتحدث في تلك اللحظة.

وهذا قريب مما يسمى في علم النفس المعرفي الاستدلال الدافعي (Motivated Reasoning): أي أن النتيجة التي يريد الإنسان الوصول إليها تؤثر في طريقة بحثه عن التفسير وتقييمه للأدلة.

ومن هنا أيضًا يظهر الفرق بين التفسير (Explanation) والتبرير (Justification).

أن تقول إن الكبت أحد العوامل التي قد تسهم في سلوك إجرامي لا يعني أنك تبرر الجريمة أو تعفي مرتكبها من المسؤولية.

فالجريمة يمكن أن يكون لها تفسير سببي، وفي الوقت نفسه يكون فاعلها مسؤولًا عنها أخلاقيًا وقانونيًا.

لكن في النقاشات الأيديولوجية كثيرًا ما يُعامل مجرد البحث عن سبب للسلوك وكأنه دفاع عن السلوك نفسه.

ثم نصل إلى التاريخ.

قد تتحدث نسوية ملحدة عن الأديان والحضارات القديمة باعتبارها جزءًا من تاريخ طويل اضطُهدت فيه المرأة، وأن الحضارات القديمة وضعتها في مكانة أدنى.

لكن عندما يأتي النقاش إلى الإسلام، وتقول إن المسلمين يذكرون أن المرأة قبل الإسلام كانت تعاني من صور مختلفة من الظلم، وأن الإسلام جاء بتغييرات لصالحها، قد تنقلب الرواية:

العرب قبل الإسلام كانوا يحترمون المرأة ويجلونها، والفراعنة أعطوها مكانة عالية، وحضارات بلاد الرافدين منحتها حقوقًا، وبالتالي فإن تصوير المجتمعات القديمة باعتبارها مضطهِدة للمرأة تصوير خاطئ.

والواقع التاريخي أعقد من الروايتين معًا؛ فالحضارات القديمة لم تكن كتلة واحدة، ولا يمكن اختزالها في «اضطهاد المرأة» أو «تكريم المرأة».

لكن الملاحظة التي تهمني هنا هي أن الحضارة نفسها يمكن أن تتحول في الخطاب إلى دليل على اضطهاد المرأة أو دليل على تكريمها بحسب المعركة التي تُستخدم فيها.

وهذا يدخل في التحيز التأكيدي (Confirmation Bias): ميل الإنسان إلى ملاحظة المعلومات التي تنسجم مع اعتقاده وإعطائها وزنًا أكبر، بينما يبحث عن طرق لتفسير المعلومات المخالفة أو التقليل من أهميتها.

ولهذا فالمشكلة ليست دائمًا في أن المعلومة خاطئة؛ قد تكون صحيحة في ذاتها، لكن المشكلة في انتقاء الجزء المناسب من الحقيقة وإغفال الجزء الذي يعقّد الرواية.

وهذا يظهر كذلك في تفسير الاختلافات بين الرجال والنساء.

قد ترى نسوية أن الناس ينظرون إلى تدخين المرأة أو تعدد علاقاتها نظرة أشد من نظرتهم إلى الرجل، ثم يكون التفسير المباشر عندها: المجتمع يكره النساء ويراهن أقل من الرجال.

لكن لماذا يكون هذا التفسير هو التفسير الوحيد؟

علم النفس مليء بالانحيازات والقوالب النمطية والتوقعات الجندرية والارتباطات السلوكية التي يمكن أن تجعل الناس يحكمون على السلوك نفسه بصورة مختلفة بحسب هوية الفاعل أو الضحية.

بل توجد انحيازات يمكن أن تعمل ضد الرجل أيضًا؛ فقد يُنظر إلى ارتكاب الرجل للسلوك نفسه باعتباره أشد، بينما يُنظر إلى المرأة باعتبارها أقل مسؤولية أو أكثر استحقاقًا للتعاطف.

فمجرد وجود معيار مختلف للرجل والمرأة لا يثبت وحده أن مصدره كراهية النساء.

قد يكون وراءه تصور عن الرجولة، أو المسؤولية، أو الحماية، أو المخاطر، أو الأمومة، أو أدوار الجنسين، أو خليط من هذه العوامل.

لكن عندما تكون النتيجة التي يبحث عنها الشخص هي «المجتمع يكره النساء»، يصبح كل اختلاف في الحكم بين الجنسين تقريبًا دليلًا على ذلك.

وهنا يظهر التفكير أحادي السبب (Monocausal Thinking): اختزال ظاهرة معقدة لها أسباب متعددة في سبب واحد، أو جعل عامل واحد هو العدسة الأساسية التي تُفسر من خلالها كل الوقائع.

وهذا بالضبط ما أراه كثيرًا في تفسير الجرائم.

لنفترض أن مجتمعًا شهد رجلًا قتل زوجته، ورجلًا قتل ابنته، ورجلًا ضرب زوجته، ورجلًا تحرش بامرأة، ورجلًا اغتصب امرأة، ورجلًا قتل امرأة لأنها رفضته، ورجلًا هدد امرأة بسبب علاقة عاطفية.

وفي المجتمع نفسه امرأة قتلت زوجها، وامرأة قتلت أبناءها، وامرأة اعتدت على زوجها، وامرأة قتلت رجلًا في خلاف عاطفي، ورجل انتحر بسبب انهيار زواجه، وامرأة انتحرت بسبب خلافات أسرية، ورجل قتل أخاه، وامرأة قتلت أختها، وأب قتل ابنه، وأم قتلت ابنتها.

ولدينا أيضًا السطو والسرقة والبلطجة والاعتداءات في الشوارع.

يمكن للباحث في علم الجريمة أن يرى بعض هذه الوقائع باعتبارها أجزاء من مشكلة الجريمة والعنف عمومًا.

ويمكن للباحث في الأسرة أن يجمع بعضها تحت عنوان المشاكل الأسرية والتفكك الأسري.

ويمكن للباحث السياسي أن يربط بعضها بارتفاع الجريمة وانعدام الأمن وفساد السلطة.

لكن النسوية قد تضع عددًا من هذه الجرائم في إطار مختلف تمامًا:

رجل قتل زوجته: كراهية نساء (Misogyny).

رجل قتل ابنته: كراهية نساء.

التحرش: كراهية نساء.

الاغتصاب: كراهية نساء.

قتل امرأة لأنها رفضت رجلًا: كراهية نساء.

أي أن جنس الضحية يدخل في تفسير الجريمة نفسها.

لكن عندما تكون الضحية رجلًا، لا نجد بالضرورة بحثًا عن تفسير جندري معاكس.

امرأة قتلت زوجها؟ مشكلة أسرية.

امرأة قتلت رجلًا؟ جريمة فردية.

امرأة قتلت أبناءها؟ مشكلة نفسية أو أسرية.

رجل انتحر بعد انهيار زواجه؟ مشكلة نفسية أو أسرية.

أما إذا انتحرت امرأة بسبب مشكلة أسرية، فقد تدخل الواقعة في إطار «معاناة النساء».

وهنا أرى مشكلة أعمق من مجرد اختلاف التفسير:

الوقائع التي لا تخدم الرواية لا تُعطى دائمًا تفسيرات بديلة داخل الظاهرة، بل تُستبعد من الظاهرة أصلًا.

إذا قتل رجل امرأة، تدخل الواقعة في «كراهية النساء».

إذا قتلت امرأة رجلًا، يمكن إخراج الواقعة من إطار العنف الجندري واعتبارها مشكلة أسرية.

إذا عانت امرأة من مشكلة أسرية، تصبح «معاناة النساء».

إذا عانى رجل من المشكلة نفسها، تصبح «مشكلة أسرية».

وهذا مثال واضح على التأطير (Framing): ليست القضية فقط كيف تفسر الواقعة، بل أي إطار تضعها داخله منذ البداية.

والأخطر أن هذا يمكن أن يجعل النظرية شديدة المقاومة للتفنيد.

فكل واقعة تؤيدها تصبح دليلًا.

أما الواقعة التي تناقضها، فيمكن القول إنها لا تنتمي إلى الظاهرة أصلًا.

وهنا نقترب من مفهوم عدم قابلية التفنيد (Unfalsifiability): عندما تصبح الفكرة مصاغة بطريقة تجعل من الصعب، أو المستحيل، أن توجد واقعة يمكنها أن تثبت خطأها.

إذا كانت كل جريمة رجل ضد امرأة دليلًا على كراهية النساء، وكل جريمة امرأة ضد رجل مجرد جريمة أسرية، فكيف يمكن أصلًا أن تأتي واقعة لتختبر الفرضية؟

والشيء نفسه يحدث عندما نتحدث عن الجريمة في الدول الغربية والعربية.

يمكن لأي شخص أن يتقبل أن دولة فيها سرقات كثيرة وجرائم قتل قليلة، ودولة أخرى فيها جرائم قتل أكثر لكن سرقات أقل.

ولا أحد يفترض أن جميع أنواع الجريمة يجب أن ترتفع وتنخفض معًا.

لكن عندما يتعلق الأمر بالنساء، يظهر أحيانًا تصور مختلف:

إذا كانت الدولة تحترم المرأة، فيجب أن تكون جرائم قتل النساء والتحرش والاغتصاب منخفضة.

وإذا كانت الدولة تحتقر المرأة، فيجب أن تكون هذه الجرائم مرتفعة.

فإذا قيل إن الولايات المتحدة أو بعض الدول الأوروبية المتقدمة لديها في بعض أنواع الجريمة معدلات أعلى من دول عربية أو خليجية، يمكن تقبل ذلك.

لكن إذا قيل إن بعض الجرائم التي تستهدف النساء قد تكون أعلى أيضًا، يظهر رفض لاحتمال أن تكون أعلى أصلًا، ويُفترض مباشرة أن السبب هو اختلاف معدلات التبليغ أو التعريفات القانونية.

قد تكون هذه العوامل مهمة فعلًا، لكن السؤال الذي يهمني هو: لماذا يصبح احتمال ارتفاع الجريمة ضد النساء مستغربًا إذا كان المجتمع نفسه يشهد ارتفاعًا في الجريمة عمومًا؟

إذا كانت دولة ما أعلى في الجريمة، فمن الطبيعي أن يكون مستوى الجريمة العامة أحد المتغيرات التي نبحثها عند تفسير بعض الجرائم ضد النساء.

لماذا يجب أن تكون الجرائم ضد النساء منفصلة تمامًا عن منظومة الجريمة العامة؟

يمكن أن تكون السرقة مرتفعة والقتل منخفضًا، أو القتل مرتفعًا والسرقة منخفضة، فلماذا نفترض أن التحرش والاغتصاب وقتل النساء يجب أن تتحرك كلها معًا بحسب سؤال واحد: «هل المجتمع يحترم المرأة؟»

الجرائم ليست كتلة واحدة.

والعوامل المؤثرة فيها ليست عاملًا واحدًا.

قد تدخل فيها معدلات الجريمة العامة، والأمن، والقانون، ومعدلات التبليغ، والتعريفات القانونية، والثقافة، والأسرة، والفقر، والبطالة، والكحول والمخدرات، والعوامل النفسية، وغير ذلك.

لكن العدسة الأيديولوجية تختزل هذا التعقيد أحيانًا إلى ثنائية بسيطة:

دولة تحترم المرأة ← جرائم ضد النساء أقل.

دولة تحتقر المرأة ← جرائم ضد النساء أكثر.

ثم تصبح كل نتيجة لا تنسجم مع هذه الثنائية بحاجة إلى تفسير ينقذ الصورة المسبقة.

وهذا مثال آخر على الاختزالية الأيديولوجية (Ideological Reductionism): تحويل ظاهرة مركبة إلى نتيجة أساسية لعامل أيديولوجي واحد.

والأمر نفسه في العقوبات.

قد تكون المجتمعات المحافظة أكثر تشددًا في العقوبات عمومًا، وفي بعض الجرائم الجنسية خصوصًا، بينما تكون المجتمعات الأكثر ليبرالية أقل تشددًا في بعض المجالات.

ومع ذلك يمكن أن يتحول تشدد الدولة في العقوبة إلى دليل على احترام المرأة، أو يتحول تساهلها النسبي إلى دليل على احتقارها.

وكأن القانون مجرد مقياس مباشر لمقدار احترام الدولة للمرأة.

مع أن التشريع نتاج دين وثقافة وتاريخ وسياسة وأخلاق وتصوّر للجريمة ومؤسسات قانونية، وليس مؤشرًا أحاديًا على «احترام المرأة».

ثم تأتي مسألة المعايير الجندرية المفروضة على الرجل.

الخطاب النسوي يتحدث كثيرًا عن أن المجتمع يحاسب المرأة على أخطائها أكثر من الرجل.

لكن عندما أنظر إلى مفهوم الرجولة في المجتمعات التقليدية، أجد منظومة كاملة من التوقعات المفروضة على الرجل.

أنا مثلًا كان والدي يضربني بسبب خوفي من الظلام، بينما كان يعذر أختي لأنها فتاة.

وأمي حكت عن أبيها وإخوته الذكور موقفًا مشابهًا.

والرجل الذي يخاف أو يبكي أو يتردد أو يعاني من الرهاب الاجتماعي قد يُعامل باعتباره ناقص الرجولة، بينما يُعذر في المرأة الشيء نفسه.

والرجل مطالب بأن يكون قويًا، شجاعًا، متحملًا، قادرًا على المواجهة، مسؤولًا عن الإنفاق، مستعدًا للمخاطرة، وحاميًا لمن حوله.

وأنا لا أرى في المجتمعات التقليدية أن المعايير الاجتماعية أعلى على المرأة من الرجل في كل المجالات.

أبرز ما أراه بوضوح هو مجالات اللباس والشرف والسلوك الجنسي.

أما خارجها، فهناك مجالات كثيرة يُحمّل فيها الرجل معيارًا أعلى ومسؤولية أكبر.

في سفينة تغرق ولا تكفي قوارب النجاة للجميع، يظهر مبدأ «النساء والأطفال أولًا».

وفي بعض ترتيبات تبادل أسرى الحرب تُعطى النساء أولوية رغم أنهن قد يكن أقلية واضحة بين الأسرى.

وفي عمليات الإجلاء والكوارث توجد أحيانًا أولوية للنساء والأطفال.

وعند الحديث عن المدنيين الذين يموتون في الحرب، كثيرًا ما يكون التركيز على النساء والأطفال باعتبارهم الفئات التي ينبغي حمايتها، حتى مع وجود أعداد كبيرة من الرجال بين الضحايا.

وفي مصر، قد يصل الأمر في بعض الأسر إلى أن يؤجل الأخ زواجه حتى يساعد في تزويج أخواته وتجهيز الشقة.

هذه ليست مجرد أمثلة فردية؛ إنها أمثلة على أدوار جندرية (Gender Roles) وعلى منظومة من التوقعات والحماية والمسؤوليات موزعة بحسب الجنس.

والشيء نفسه يظهر في التعامل مع العنف.

قد يُنظر إلى دفاع الرجل عن نفسه ضد امرأة باعتباره موضوعًا للنقاش أصلًا:

«كيف يضرب امرأة؟»

بينما تُستخرج للمرأة المعتدية مجموعة من الأعذار.

وفي المثال الذي ذكرته، أيدت متحدثة نسوية ضرب رجل لطفل عمره إحدى عشرة سنة لأنه عاكس ابنته ذات التسع سنوات، وحتى بعد الضغط عليها بشأن شدة الضرب بقي التركيز على أن الطفل «يستاهل».

ثم هي نفسها ترى أن امرأة بالغة عاقلة صفعت رجلًا صفعتين بعد أن كان ساكتًا عن شتائمها، ومع ذلك لا ترى أن من حق الرجل رد الضرب.

هنا لا يمكن تفسير الأمر كله بالقوة الجسدية؛ فالطفل في المثال أضعف بكثير من المرأة البالغة.

المسألة إذن تتعلق أيضًا بالمعيار الجندري الذي يُطبق على الرجل والمرأة.

وهذا ما يسمى المعايير المزدوجة (Double Standards): استخدام معيار مختلف للحكم على سلوكين متشابهين بحسب هوية الفاعل أو الضحية.

والأمر اللافت أن بعض الأفكار الجندرية التقليدية التي تُنتقد عندما تضر المرأة يمكن أن تعود نفسها عندما تخدمها:

الرجل أقوى.

الرجل يجب أن يتحمل.

الرجل لا يضرب امرأة.

الرجل يجب أن يضبط نفسه.

لكن إذا أصبح المطلوب إثبات أن المرأة مقيدة اجتماعيًا، يصبح «الرجل أقوى» فكرة أبوية ينبغي التخلص منها.

وهكذا لا يتم التخلص من الفكرة الجندرية، وإنما يُنتقى الجزء الذي يخدم الموقف.

ومن الأمثلة اللافتة أيضًا اللغة.

الرجل قد يُذم بتشبيهه بالمرأة:

«لا تكن مثل النساء».

لكن المرأة قد تُمدح بتشبيهها بالرجل:

«ست بمئة رجل».

التفسير النسوي الشائع قد يكون أن المجتمع يرى المرأة أقل من الرجل، ولذلك فإن تشبيه المرأة بالرجل مدح، وتشبيه الرجل بالمرأة ذم.

لكن هناك تفسيرًا آخر أبسط في كثير من سياقات استعمال هذه العبارات: المجتمع يحمّل الرجل أصلًا مجموعة من المسؤوليات والمهام التي لا يحمّل المرأة مثلها؛ ولذلك عندما تقوم المرأة بجزء من هذه المهام يقال عنها «ست بمئة رجل»، بينما الرجل إذا فشل في أداء ما يُتوقع منه كرجل يُذم بتشبيهه بمن لا يُطلب منه أصلًا أداء هذه المهام.

أي أن العبارة قد تكون ناتجة عن اختلاف التوقعات الجندرية، لا عن تصور أن المرأة أقل قيمة بالضرورة.

ومرة أخرى، لا يعني ذلك أن هذا هو التفسير الوحيد لكل استعمال لهذه العبارة، وإنما يعني أن وجود تفسير بديل معقول يمنعنا من تحويلها تلقائيًا إلى دليل على احتقار المرأة.

وهنا تظهر مشكلة أخرى: إهمال التفسيرات البديلة (Neglect of Alternative Explanations).

عندما يصبح التفسير الجندري هو التفسير المفضل، لا يُسأل أحيانًا: «ما التفسيرات الأخرى الممكنة؟»

بل يُسأل: «كيف نثبت التفسير الذي اخترناه؟»

وهذا فارق جوهري.

لأن الظاهرة الاجتماعية المعقدة لا تحتاج عادةً إلى سبب واحد.

قد يكون هناك انحياز جندري، ومعه تصور عن الرجولة، ومعه مصلحة اجتماعية، ومعه خوف من المخاطر، ومعه تاريخ ثقافي، ومعه اختلاف في الأدوار.

كلها يمكن أن تعمل في الوقت نفسه.

لكن الأيديولوجيا تميل إلى ترتيب الواقع حول محورها المركزي.

ومن أوضح الأمثلة على ذلك طريقة تفسير الدين نفسه.

إذا سألت بعض الخطاب النسوي: لماذا ظهرت الأديان؟ ولماذا تضمنت تشريعات تنظم علاقة الرجل بالمرأة؟ قد يأتي الجواب سريعًا: لأن الرجال أرادوا السيطرة على النساء، فصاغوا منظومة دينية تمنحهم سلطة عليهن.

وإذا سألت: لماذا حُرمت العلاقات الجنسية خارج الزواج؟ يعود التفسير إلى السيطرة على جسد المرأة وإخضاعها.

وإذا سألت: لماذا ظهر الزواج أصلًا؟ قد يُفسر باعتباره مؤسسة اخترعها الرجل لتنظيم جنس المرأة ونسب أبنائها وإبقائها تحت سلطته.

لكن لو طرحنا الأسئلة نفسها على أصحاب أيديولوجيات أخرى، سنجد أن كل واحد منهم قد يأتي بمفتاح مختلف.

الماركسي قد يقول إن الدين نشأ، أو استُخدم تاريخيًا، بوصفه أداة لإعادة إنتاج النظام الطبقي؛ فالفقراء يُعزَّون بوعد التعويض بعد الموت، ويُطلب منهم الصبر على بؤسهم بدل الثورة على أوضاعهم، بينما تستفيد الطبقات المالكة من استقرار النظام.

والديمقراطي أو المعادي للاستبداد قد يركز على وظيفة الدين في إضفاء الشرعية على السلطة، فيقول إن الحكام استخدموا المقدس لإضفاء صفة شرعية على طاعتهم وإخضاع الشعوب.

والقومي قد يراه عنصرًا في تشكيل هوية الجماعة وتوحيدها، أو يرى بعض الأديان والتقاليد الدينية عاملًا في ترسيخ هوية قومية معينة.

والباحث النفسي قد يبحث في حاجات الإنسان إلى المعنى والانتماء وتقليل القلق وتفسير المجهول، وفي الآليات المعرفية التي تجعل المعتقدات الدينية قابلة للانتشار والاستمرار.

أما المؤمن، فسيرى الأمر من أساس مختلف تمامًا: الدين وحي إلهي، وليس ظاهرة اخترعها البشر أصلًا حتى نبحث عن «المصلحة البشرية التي اخترعته من أجلها».

وهنا تظهر نقطة مهمة جدًا:

قد يكون في كل تفسير من هذه التفسيرات جزء من الحقيقة التاريخية أو الاجتماعية، لكن لا يجوز أن يتحول الجزء إلى تفسير شامل للكل.

فقد تُستخدم الأديان فعلًا لتثبيت سلطة حاكم، وقد تستعمل في أحيان أخرى لمقاومة الحاكم.

وقد ترتبط بعض المؤسسات الدينية تاريخيًا بالطبقات الحاكمة، كما يمكن أن تتحول في سياقات أخرى إلى مصدر للاحتجاج على الظلم الطبقي.

وقد تتأثر بعض التشريعات الدينية بعلاقات القوة بين الجنسين، لكن اختزال الدين كله في «رغبة الرجال في السيطرة على النساء» لا يفسر لماذا ظهرت معتقدات وطقوس وتشريعات لا علاقة مباشرة لها بهذه المسألة أصلًا.

وهذا هو الفارق بين أن تقول:

«الجندر أحد العوامل التي أثرت في بعض أشكال الدين والمؤسسات المرتبطة به»

وبين أن تقول:

«الدين موجود أصلًا لأن الرجل أراد السيطرة على المرأة».

الأولى فرضية قابلة للبحث والمقارنة.

أما الثانية فتحوّل أيديولوجيتك إلى مفتاح يفتح كل الأبواب.

والشيء نفسه يمكن أن نراه في الزواج.

النسوية قد تنظر إلى الزواج بوصفه مؤسسة تاريخية لتنظيم سلطة الرجل على المرأة وضبط جنسها ونسب أبنائها.

الماركسي قد يركز على الملكية والميراث والأسرة بوصفها جزءًا من إعادة إنتاج الثروة والطبقات.

الباحث في علم الإنسان قد يدرسه باعتباره مؤسسة لتنظيم القرابة والنسب والتحالفات بين الجماعات.

وعالم النفس قد يبحث في مسائل الاستثمار الأبوي والغيرة والأبوة والروابط طويلة المدى.

وعالم الاجتماع قد يدرسه من خلال تقسيم الأدوار والعمل والموارد والتنشئة الاجتماعية.

ولا يلزم أن تكون هذه التفسيرات متناقضة بالكامل؛ فقد يكون الزواج قد أدى وظائف متعددة في الوقت نفسه.

لكن حين يدخل الإنسان إلى الظاهرة ومعه تفسيره النهائي، يصبح من السهل أن يرى الوظيفة التي يبحث عنها فقط.

حتى تحريم الزنى يمكن أن يُفسر بطرق مختلفة.

قد تراه النسوية من زاوية ضبط جسد المرأة وإخضاع حياتها الجنسية.

وقد يراه الماركسي من زاوية تنظيم الملكية والميراث والأسرة في المجتمعات الطبقية.

وقد يراه عالم الاجتماع من زاوية تنظيم الأسرة والقرابة وتقليل النزاعات المتعلقة بالنسب.

وقد يبحث علم النفس في الغيرة والأبوة والاستثمار الأبوي والمخاطر الاجتماعية المرتبطة بالعلاقات الجنسية.

وقد يراه الدين نفسه حكمًا أخلاقيًا وتعبديًا قائمًا على الوحي.

ليس المطلوب أن نختار أحد هذه التفسيرات مسبقًا.

المطلوب أن نسأل: أي منها تفسره الأدلة؟ وهل يمكن أن تعمل عدة أسباب معًا؟

وهذا هو السؤال الذي يغيب عندما تتحول الأيديولوجيا إلى عدسة مغلقة.

ويمكن أن نرى النمط نفسه في تفسير الفقر والجريمة والأسرة والتعليم والسياسة.

الماركسي قد يرى البطالة والتشرد والجريمة والتفاوت الاقتصادي وحتى بعض المشكلات الأسرية من خلال علاقات الإنتاج والطبقات والرأسمالية.

الديمقراطي قد يرى الفساد، وضعف المؤسسات، وتدهور الاقتصاد، والعنف السياسي، وانعدام الأمن بوصفها نتائج للاستبداد وغياب المساءلة.

المحافظ قد يرد الطلاق والإدمان والجريمة وانحراف المراهقين والوحدة الاجتماعية إلى انهيار الأسرة والقيم.

الليبرالي الاقتصادي قد يفسر البطالة والفقر وارتفاع الأسعار من خلال تدخل الدولة والحواجز أمام السوق.

القومي قد يرد أزمات التعليم والثقافة والاقتصاد إلى الاستعمار أو التبعية أو فقدان الهوية.

والنسوي قد يرد مجموعة واسعة من هذه الظواهر إلى علاقات القوة بين الجنسين.

واللافت أن صاحب كل عدسة يستطيع أن يفعل بالعدسات الأخرى الشيء نفسه الذي نفعله بعدسة نسوية أو ماركسية أو سياسية: يرى أنها «تفسر جزءًا من الحقيقة»، ثم يلاحظ أنها تتجاهل جوانب أخرى.

وهذا تحديدًا هو سبب أهمية الأمثلة السابقة.

فالإنسان قد يكون على حق في أن الجندر عامل مهم، والماركسي قد يكون على حق في أن الطبقة عامل مهم، والباحث السياسي قد يكون على حق في أن المؤسسات عامل مهم، وعالم النفس قد يكون على حق في أن الآليات النفسية عامل مهم.

لكن وجود عامل مهم لا يجعله العامل الوحيد.

وهنا يظهر الاختزال التفسيري (Explanatory Reductionism): أن تُختزل ظاهرة متعددة الأسباب والمستويات في تفسير واحد، لا لأن الأدلة أثبتت أنه التفسير الوحيد، وإنما لأن هذا التفسير هو المحور الذي تنطلق منه الأيديولوجيا.

ثم يتحول الاختزال إلى عدسة أيديولوجية (Ideological Lens) يرى صاحبها من خلالها العالم.

وعندها لا يعود السؤال:

«ما الأسباب المحتملة لهذه الظاهرة؟»

بل يصبح:

«كيف يمكنني تفسير هذه الظاهرة من خلال الأيديولوجيا التي أتبناها؟»

وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة.

لأنك تستطيع أن تأخذ الدين، والزواج، والجريمة، والفقر، والتحرش، والطلاق، والتعليم، والفساد، والحرب، والتشرد، وتضعها أمام خمسة أشخاص من خمس أيديولوجيات مختلفة؛ ثم يحصل كل واحد منهم على العالم نفسه، لكنه يعيده إليك وقد أعاد ترتيب عناصره حول متغيره المفضل.

والأخطر أن كل واحد منهم قد يجد بالفعل شواهد تؤيد تفسيره.

لأن الواقع الاجتماعي ليس بسيطًا.

الطبقة تؤثر.

والجندر يؤثر.

والسلطة تؤثر.

والثقافة تؤثر.

والأسرة تؤثر.

والاقتصاد يؤثر.

والدين يؤثر.

والنفس البشرية تؤثر.

والمؤسسات تؤثر.

ولهذا فإن كثرة الشواهد التي تستطيع العثور عليها لصالح تفسيرك لا تعني بالضرورة أن تفسيرك هو التفسير الكامل.

قد تكون ببساطة قد اخترت من الواقع الجزء الذي يتحدث لغتك.

وهنا يعود بنا الأمر إلى التحيز التأكيدي (Confirmation Bias) والاستدلال الدافعي (Motivated Reasoning) وإهمال التفسيرات البديلة (Neglect of Alternative Explanations).

فالتحيز التأكيدي يجعل الإنسان يلتقط الأدلة التي تنسجم مع عدسته.

والاستدلال الدافعي يجعله أكثر استعدادًا لقبول تفسير إذا أوصله إلى النتيجة التي يريدها.

وإهمال التفسيرات البديلة يجعله لا يسأل بما يكفي: «ماذا لو كان هناك تفسير آخر أكثر قدرة على تفسير هذه الوقائع؟»

ومن هنا يصبح النقد الحقيقي للأيديولوجيا ليس أن نقول: «كل ما تقوله خطأ».

بل أن نسألها سؤالًا أصعب:

هل تستطيع هذه النظرية أن تفسر الوقائع التي لا تحبها أيضًا؟

هل تستطيع النسوية تفسير الجرائم والظواهر التي لا تنسجم مع إطار «كراهية النساء» من دون إخراجها من الظاهرة؟

هل يستطيع الماركسي تفسير ظاهرة لا تفسرها الطبقة دون أن يعيدها قسرًا إلى الرأسمالية؟

هل يستطيع الديمقراطي تفسير مشكلة في دولة ديمقراطية من دون أن يجعل غياب الديمقراطية سببًا لها؟

هل يستطيع المحافظ تفسير مشكلة في أسرة مستقرة دون أن يعيدها تلقائيًا إلى انهيار الأسرة؟

هل يستطيع القومي تفسير مشكلة داخلية دون أن يجعل العامل الأجنبي هو المتهم الأول؟

إذا كانت الإجابة نعم، فهذه أيديولوجيا يمكن أن تكون أداة تحليل.

أما إذا كانت الإجابة دائمًا: «هذه حالة استثنائية، أو ليست من الظاهرة أصلًا، أو السبب الحقيقي ما زال هو العامل الذي أؤمن به»، فقد تحولت الأيديولوجيا من أداة لفهم الواقع إلى حصن يحمي نفسه من الواقع.

وهنا تصبح المشكلة أعمق من مجرد التناقض في بعض المواقف.

إنها مشكلة في طريقة النظر إلى الواقع نفسه.

فالإنسان لا يرى العالم كما هو فقط؛ بل يراه من خلال التصنيفات التي يحملها، والأسئلة التي يطرحها، والأسباب التي يعتبرها جديرة بالبحث، والأسباب التي لا تخطر له أصلًا.

ولهذا يمكن لشخصين أن ينظرا إلى الحادثة نفسها، فيرى أحدهما صراعًا طبقيًا، ويرى الثاني صراعًا على السلطة، ويرى الثالث صراعًا بين الجنسين، ويرى الرابع انهيارًا أسريًا، ويرى الخامس ظاهرة نفسية.

وقد يكون كل واحد منهم قد رأى جزءًا حقيقيًا.

لكن الخطأ يبدأ عندما يقول كل واحد:

«الجزء الذي رأيته هو القصة كلها.»

وهنا أصل إلى النقطة التي دفعتني أصلًا إلى ملاحظة هذه الظاهرة.

أنا لا أرى المشكلة في أن يبحث الإنسان عن الظلم الواقع على المرأة، أو عن تأثير الجندر في المجتمع، أو عن التمييز ضد أي فئة.

المشكلة تبدأ حين تتحول النتيجة إلى شيء معروف مسبقًا، ثم يُعاد ترتيب الواقع حتى يصل إليها.

لأن البحث الحقيقي يبدأ بسؤال:

«ما الذي يفسر هذه الظاهرة؟»

أما البحث الأيديولوجي المغلق فيبدأ بسؤال آخر:

«كيف أثبت أن هذه الظاهرة تؤكد ما أؤمن به؟»

والفرق بين السؤالين أكبر بكثير مما يبدو.

فحين تصبح جريمة الرجل ضد المرأة «كراهية نساء»، ومشكلة المرأة الأسرية «معاناة النساء»، واختلاف العقوبة «تمييزًا ضد المرأة»، واختلاف اللغة «احتقارًا للمرأة»، واختلاف السلوك «معيارًا مزدوجًا ضد المرأة»، والدين مؤسسة للسيطرة على المرأة، والزواج أداة للسيطرة عليها، وتحريم الزنى محاولة للسيطرة على جسدها؛ بينما الوقائع التي لا تنسجم مع هذه الصورة تُعاد صياغتها أو تُستبعد من الإطار، والتفسيرات النفسية والاجتماعية والتاريخية والاقتصادية البديلة لا تحضر إلا إذا أمكن توظيفها لخدمة الرواية، فإن الجندر لم يعد مجرد متغير من متغيرات كثيرة.

لقد أصبح مفتاحًا تفسيريًا شاملًا.

والشيء نفسه يمكن أن يحدث مع الطبقة أو السلطة أو القومية أو الدين أو الأسرة أو أي أيديولوجيا أخرى.

وهنا تحديدًا أرى اعوجاج الخطاب الأيديولوجي الذي أناقشه: ليس فقط في بعض النتائج التي يصل إليها، وإنما في طريقة النظر إلى العالم؛ في أن العدسة التي بدأ بها الإنسان تحليل الواقع تنتهي إلى تحديد ما الذي يسمح للواقع بأن يقوله.

وعندما يحدث ذلك، لا تعود الأيديولوجيا مجرد موقف من الواقع.

تصبح عدسة ترى من خلالها الواقع، ثم تصبح العدسة نفسها دليلًا على أن رؤيتك للواقع صحيحة.

وهنا تطغى العدسة على المشهد.

reddit.com
u/metracode — 3 days ago