
لماذا يَقتُل البشر؟ امريكا و سجن ابو غريب
بما ان الأمريكيين يحتفلون بعيد الاستقلال، حبيت اطرح هذه الموضوع .
لما نسمع عن إبادة جماعية، أو تعذيب في السجون، أو مجزرة يرتكبها أشخاص عاديون، فإن أول ما يتبادر إلى أذهاننا هو أن الفاعلين كانوا وحوشًا. فهذي الفكرة تمنحنا شعورًا بالأمان لأنها تجعل الشر شيئًا بعيدًا عنا، يخص أشخاصًا مختلفين عن البشر العاديين.
لكن التاريخ، وعلم النفس، وعلم الأعصاب، يرسمون صورة أكثر إزعاجًا.
الصورة الي تتكرر في عشرات الدراسات والأحداث التاريخية هي أن معظم مرتكبي الجرائم الجماعية لم يكونوا مرضى نفسيين، ولم يولدوا قتلة. كانوا بشرًا عاديين، يعيشون حياة عادية، ثم وجدوا أنفسهم داخل منظومة غيّرت طريقة رؤيتهم للآخرين.
أحد أكثر الأمثلة شهرة هو ما حدث في سجن أبو غريب في العراق.
عندما انتشرت صور التعذيب عام 2004، اعتقد كثيرون أن المشكلة تكمن في مجموعة من الجنود الأمريكيين الساديين. لكن عند دراسة القضية من منظور علم النفس الاجتماعي، لكن الي يظهر شي مختلف حدثت هذه الانتهاكات داخل مؤسسة كاملة، وليس على يد شخص واحد فقط.
السلطة، وغياب الرقابة، والضغط الجماعي، والاعتياد التدريجي على العنف، كلها عوامل ساهمت في خلق بيئة أصبح فيها ما كان يبدو مستحيلًا أمرًا اعتياديًا. لم يبدأ الأمر بتعذيب شديد منذ اليوم الأول، بل بدأ بتجاوزات صغيرة، ثم تحولت التجاوزات إلى ممارسة يومية، حتى وصل الأمر إلى إذلال وتعذيب سجناء والتقاط صور معهم وكأن ما يحدث أمر طبيعي.
في احداث سجن ابو غريب ترى رجل يقف على صندوق، رأسه مغطى بكيس أسود، وأسلاك كهربائية معلقة في يديه، وأُخبر أنه إذا تحرك فسيتعرض للصعق.
سجناء عراة أُجبروا على التكدس فوق بعضهم البعض، كلاب استُخدمت لترهيب المعتقلين، إذلال جنسي، ضرب، حرمان من النوم.
والمشهد الأكثر غرابة أن بعض الجنود كانوا يبتسمون أمام الكاميرا، وكأنهم يلتقطون صورًا تذكارية في رحلة سياحية.
كان رد فعل العالم بسيطًا هؤلاء وحوش، لكن فيليب زيمباردو رفض هذا التفسير.
قال إن هذا الجواب مريح… لكنه لا يفسر شيئًا لأن السؤال الحقيقي هو كيف وصل هؤلاء الجنود إلى هذه المرحلة؟
زيمباردو لم يبدأ من أبو غريب.
بل عاد ثلاثين عامًا إلى الوراء، إلى تجربة سجن ستانفورد الشهيرة.
قسم طلابًا جامعيين أصحاء نفسيًا إلى مجموعتين سجناء وحراس.
وخلال أيام قليلة فقط، بدأ الحراس يمارسون الإذلال النفسي، وابتكروا عقوبات لم يطلبها منهم أحد، بينما أصبح السجناء خاضعين ومنهكين نفسيًا، حتى أُوقفت التجربة مبكرًا بسبب خطورتها.
بعد ثلاثين عامًا، عندما رأى صور أبو غريب، شعر وكأنه يشاهد التجربة نفسها، لكن هذه المرة خارج المختبر.
الفرق الوحيد أن الضحايا كانوا حقيقيين.
لم يكن الجنود قد تلقوا أوامر مكتوبة تقول عذبوا السجناء.
لكنهم كانوا داخل بيئة تسمح بكل شيء، قيادة غائبة، إشراف ضعيف، ضغط نفسي، خوف دائم، عمل لساعات طويلة، غموض في التعليمات.
وخطاب مستمر يصور المعتقلين على أنهم إرهابيون وأعداء وليسوا بشرًا.
في مثل هذه البيئة، يبدأ ما يسميه زيمباردو الانزلاق الأخلاقي.
لا يستيقظ الإنسان صباحًا ويقرر أن يصبح معذبًا بل يبدأ بتجاوز صغير ثم يتكرر ثم يصبح طبيعيًا ثم يبدأ الآخرون بتقليده ثم يتحول السلوك إلى ثقافة داخل المجموعة في النهاية، لا يعود أحد يشعر أن ما يفعله غريب.
ولهذا كانت الصور صادمة ليس لأنها أظهرت التعذيب فقط بل لأنها أظهرت جنودًا يضحكون أثناء التعذيب.
كيف يستطيع الإنسان أن يضحك وهو يشاهد إنسانًا آخر يتألم؟
زيمباردو يقول الضحية لم تعد تُرى كإنسان كامل لقد تحولت إلى هدف
هذه ليست حادثة فريدة في التاريخ.
إذا عدنا إلى القرن العشرين، نجد أن أكثر مناطق العالم دموية لم تكن ميادين القتال، بل الأراضي الواقعة بين ألمانيا النازية والاتحاد السوفيتي، وهي المنطقة التي يسميها المؤرخ تيموثي سنايدر أراضي الدم.
في تلك المنطقة، قُتل ملايين المدنيين، ليس لأنهم حملوا السلاح، بل لأنهم كانوا ينتمون إلى جماعة معينة، أو يعيشون في مكان معين، أو يمثلون عقبة أمام مشروع سياسي.
لم يكن القتل دائمًا نتيجة كراهية شخصية بل نتيجة سياسات منظمة.
التجويع أصبح وسيلة للقتل، الترحيل أصبح وسيلة للقتل، السجون أصبحت وسيلة للقتل والإعدامات الجماعية أصبحت جزءًا من الإدارة اليومية للدولة.
والسؤال الذي يطرحه التاريخ هنا ليس كيف استطاع هتلر وستالين قتل هذا العدد؟
بل كيف شارك آلاف الموظفين والجنود والضباط وسائقي القطارات والبيروقراطيين في تنفيذ هذه الجرائم؟
الإجابة تبدأ من اللغة، لا تبدأ الرصاصة بقتل الإنسان بل تبدأ الكلمات.
عندما يتحول البشر إلى خونة، أو حشرات، أو طفيليات، أو أعداء الشعب، أو نجاسة، فإن قتلهم يصبح أسهل نفسيًا.
فالإنسان يجد صعوبة في قتل شخص يراه مساويًا له.
لكنه يصبح أكثر استعدادًا للعنف عندما يُقنع نفسه أن الضحية فقدت إنسانيتها وهذه الفكرة تتكرر باستمرار عبر التاريخ.
في ألمانيا النازية وفي الاتحاد السوفيتي وفي رواندا وفي البوسنة وفي سجون الحروب.
الخطوة الأولى دائمًا هي نزع الصفة الإنسانية عن الضحية.
ثم يأتي تبرير العنف باعتباره ضرورة، أو دفاعًا عن الوطن، أو تنفيذًا للأوامر، أو حمايةً للمجتمع وهنا يظهر عامل آخر لا يقل خطورة الطاعة.
فالتاريخ مليء بأشخاص لم يقتلوا لأنهم استمتعوا بالقتل، بل لأنهم لم يريدوا مخالفة رؤسائهم أو جماعتهم.
الضغط الاجتماعي أقوى بكثير مما نتصور.
الإنسان يخشى أن يُنظر إليه على أنه جبان، أو خائن، أو ضعيف، ولذلك قد يشارك في أفعال لم يكن ليفكر بها لو كان وحده.
لكن هذا لا يعني أن البيولوجيا لا تلعب أي دور.
أبحاث علم الأعصاب إلى أن بعض الأشخاص قد يمتلكون استعدادات تزيد من احتمالية السلوك العنيف، مثل اضطرابات معينة في وظائف الدماغ أو آثار الصدمات المبكرة في الطفولة. إلا أن هذه العوامل ليست حكمًا نهائيًا، فوجود الاستعداد لا يعني أن الإنسان سيصبح قاتلًا. البيئة، والتعليم، والأسرة، والقانون، والمؤسسات، كلها قادرة على تعزيز هذا الاستعداد أو الحد منه.
ولهذا، فإن تفسير القتل بسبب واحد فقط هو تبسيط مخل ليس الدين وحده ولا السياسة وحدها ولا الجينات وحدها ولا الفقر وحده ولا الكراهية وحدها.
بل هو تفاعل معقد بين الإنسان، والسلطة، والخوف، والدعاية، والهوية، والظروف الاجتماعية، والاستعدادات الفردية.
أخطر ما تعلمنا إياه هذه الدراسات ليس أن هناك أشرارًا يعيشون بيننا.
بل أن المجتمعات نفسها قد تصنع الشر عندما تُضعف القانون، وتُقدّس الطاعة العمياء، وتُحوّل الإنسان إلى مجرد رقم، أو عدو، أو شيء يمكن التخلص منه.
The Lucifer Effect
Bloodlands: Europe Between Hitler and Stalin
Ordinary Men
The Anatomy of Violence
On Killing