u/Big_Estate_3742

▲ 4 r/ExJordan+2 crossposts

محاكمة "الكادح" الأزلي: قراءة في سوسيولوجيا الشيطان

عند الغروب يخرج، وعلى عتبات الأبواب يستلقي، وفي الأطلال الموحشة والخرابات القذرة يسكن. يأكل العظام والروث والخبائث، ويجد في مخابئ اللذة وأوكار الرذائل مرتعاً.

يتسلى بالأذى ويتأذى بالفضيلة، يؤنسه الغناء واللعب ويرعبه الذكر والأذان. يمشي في الأسواق ويقضي ليله في المراقص والحانات. علاقتنا به مضطربة وغامضة؛ فهو الرفيق في الرقص والغناء واللهو، وهو المفارق الهارب في لحظاتنا الروحانية. لا يكلُّ ولا يمل، لا يتوب ولا يشقى، وهو في سعيٍ دائمٍ لتضليلنا والإيقاع بنا في فخاخ المعصية والرذيلة.

أتحدث عن الشيطان؛ ذلك اللعوب الماكر الذي ينتمي للطبقة الكادحة. يعمل ليل نهار ولا يُكافأ إلا بكومة عظام أو بقايا عفنة؛ لا حوافز، ولا ترقيات، ولا حتى تأمين طبي! يعمل لأجل العمل، فليس لحياته معنىً سامٍ ولا نهاية مرضية. إنه يشقى بلا توقف وهو على يقين بأن جهنم هي المصير.

هو "المرؤوس" الذي يأتمر بأمر الطبقة الأرستقراطية المعروفين في عالم الجن بـ "المَرَدَة". فالمارد هو الرئيس صاحب الحنكة والمعرفة في شؤون الخبث والخبائث، وهو الموجه الآمر الناهي. لا نعلم عنه شيئاً في تراثنا سوى كونه رئيساً للشيطان، فلربما كان مستواه المعيشي أوفر حظاً من شياطينه، وقد يسكن الفلل ويقتات على "الفاين داينينق" (العشاء الفاخر)؛ لا نعلم، ولكن من المؤكد أن له مزايا أكبر، إذ لا بد من التراتبية في العمل والطبقية في المعيشة، ويظهر ذلك في زعيمهم وكبيرهم "إبليس" الذي كان نداً للملائكة ومرافقاً لهم، وله من الكِبر والأنفة نصيبٌ وافر، وإلا لما رفض طلب خالقه بالسجود لآدم.

لنكن "ماركسيين" قليلاً ونتأمل حال الشيطان العامل الكادح؛ التناقض ظاهر في السردية الدينية عنه، ولكن ما يهمني هنا هو "شيطنة الشيطان" وتحميله ما لا يحتمل.

كل الشرور التي تختلج في صدورنا، وكل المصائب اللعينة التي تعصف بنا وبجنسنا، نصبّها في حجر ذلك العامل (الشيطان)، وكأننا ملائكة منزهون عن النجاسة والردى. على كل من يؤمن بوجوده وتأثيره أن يكون منصفاً ويتحمل جزءاً من الزلات والهفوات والخبث؛ فمع كل ثورة علمية في علم النفس، نكتشف أن الشر "مولود" معنا، وليس نتاجاً لكائن خفي يهمس في آذاننا ويجري فينا مجرى الدم.

إن الطمع، والخداع، والكذب، والغيرة، والحسد؛ كلها غرائز بشرية محضة يجب كبتها قدر المستطاع، ومن يحيلها إلى الشيطان فهو يتنصل من المسؤولية الأخلاقية، ولا يتحمل عبئاً يقوده للتصحيح والتحسين السلوكي والنفسي.

"إن الشيطان هو تجسيد للجانب المظلم والمكبوت في النفس البشرية. إن إنكار هذا الجانب هو ما يجعله مدمراً، بينما الاعتراف به هو طريق النضج"؛ هذا ما قاله عالم النفس الشهير كارل يونغ، وهو بهذا القول يجعل الشيطان رمزاً يشير إلى دفائن النفوس والغرائز، وليس مخلوقاً حقيقياً بذاته.

في تراثنا الديني ما يشيب له الرأس من أوصاف ورمزيات تحاول بشتى الطرق رسم صورة غريبة وشريرة عن كائن خبيث ماكر، ذكي ومخادع. وفي نفس التراث نجد أن الشيطان عند سماعه للأذان يفرُّ وله "ضراط"! وهنا تحضرني أسئلة بديهية ومضحكة في آن واحد: كيف للشيطان الذكي المخادع ألا يعرف أماكن ومواقيت الأذان فيتجنبها؟ ثم إنه من المعلوم أن الخائف قد يبول على نفسه، أما أن "يُخرج ريحاً" فهذا أمرٌ عجيب!

عموماً، إن كنت تعتقد أن الشيطان هو أصل كل الشرور، فأود أن أذكرك بأن شهر رمضان تُصفّد فيه كل الشياطين، ويبقى الإنسان عارياً مكشوفاً أمام شروره ورغباته ونزواته.

يجب أن نمسك بزمام الحق، ونعقد جلسة محاكمة عادلة للشيطان، يكون له فيها كامل الحق في الدفاع عن نفسه، على أن يكون القاضي فيلسوفاً محايداً، وألا يحضر جلسات المحاكمة أي رجل دين.

أقول قولي هذا.. وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم

reddit.com
u/Big_Estate_3742 — 8 days ago

لا أذكر متى كانت آخر مرة كنت فيها مبتهجاً لفترة ليست بالقصيرة، حين كنت أقضي أياماً وربما أسابيع أنعم بصفاء نفسي وبهجة؛ حيث لا قلق يطفئ مصابيح أفراحي، ولا بادرة أحزان تكدر صفو مزاجي اللعوب. حين كنت أتمنى ألا يحين موعد النوم كي لا تنقطع سلسلة الأحداث المثيرة في يومي، ولا تتوقف نغزات الحب والأمل في قلبي. حين كانت الأحلام بذاتها سعيدة، أمني نفسي ألا أستيقظ حتى لا يتوقف ذلك الحلم الجميل، وعند استفاقتي أتذكر أن يومي سيكون أجمل، فأنطلق فيه راقصاً كالغزال. مرح ولعب وضحك وصحبة وعائلة ورحلات؛ شغف لا يوقفه شيء، وحماس لا ينقطع، وخيالات رغبوية كأنها حقيقة، آمال وطموحات لا حدود لها. كأنها حالة ذهانية يخفت فيها صوت -كأنه الحقيقة- يخبرني أن كل هذا سيستمر إلى الأبد؛ لا خوف ولا رهبة ولا تعب، بل نشاط مستمر ورغبة ساحقة في الاستمرار وتطلعات جريئة.

​كم يشتاق الإنسان لتلك المرحلة الساذجة والعفوية الجميلة، بعد أن جف نهر السعادة المطلقة، وتلاشت أضواء البراءة الدافئة، وتشظت الخيالات الممتعة واستحالت قطعاً متناهية الصغر لا ترى بالعين. كيف ومتى تضاءلت تلك الحياة التي ظننا بها الديمومة، وعلقنا على أكتافها آمالاً ورغبات كانت تشكل ذات يوم "معنى"؟ ذلك المعنى الذي تاه في محيط الأزمات والمسؤوليات؛ محيط لا شاطئ له ولا قاع، بارد وقاتم ومخيف.

​من أنوار الشغف والحب والطمأنينة إلى ظلمات القلق والأرق والشك؛ هذه هي الخطوط العريضة لحياة لم أخترها لنفسي، وأعتقد بكثرة سالكي نفس المسارات، فيبدو لي أنها سنة الحياة لجموع غفيرة من البشر صادف أن أكون منهم، وكم أحسد من كانت مساراته مختلفة!

​لست ساخطاً على مآلات الأمور وتقلبات الأحوال، ولست بالبكّاء على البلاء، فقد استسلمت لهذا الحال منذ زمن، وأسلمت نفسي للدهر يضعني حيث شاء، ورضيت بهذه القسمة التي -وإن كانت غير عادلة في نظري- إلا أنها منطقية وواقعية، ولم يكن الطريق الذي سلكته إلا ليوصلني إلى موقعي هذا.

​ما الحياة إلا خيارات صغيرة تتراكم فوق بعضها لتشكل نتائج كبيرة. إننا نندهش لضخامة النتيجة ونتجاهل أسبابها، نمتعض منها ونتناسى أننا شيدناها بأيدينا. وإنه لأمر مريح أن نحيل أسباب مآسينا إلى غيرنا، وأن نصطنع البراءة من كل ذنب وسبب. إن الجحيم ينتظر كل من صادق ذاته وتمنطق في مآلات مصائره، وإني لأفضل ذلك الجحيم؛ جحيم الروح ونيران الضمير، على عزاءات الوهم وخداع الذات.

​لا يفتري عاقل على حقيقة أن المعاناة حتمية، وأن المآسي لا تضل طريقها إلينا، وأنها بُدٌّ لتطور الذات وإدراك الواقع. لا بد أن نعيد البهجة وننصبها أمام تلك المكابدات، فقد أُدخلنا قفص الوحوش وأوصدت الأبواب من خلفنا.. وبدأت المعركة.

سأحمل روحي على راحتي .. وألقي بها في مهاوي الردى

فإما حياة تسر الصديق .. وإما ممات يغيظ العدا

reddit.com
u/Big_Estate_3742 — 15 days ago

تحليل الذكريات تعد الذكريات المادة الخام التي يُصاغ منها وعي الإنسان، فهي ليست مجرد استرجاع لمواقف مضت، بل هي عملية تصفية وتكرير مستمرة في مختبر العقل. بين ذكرى تؤنس الروح وأخرى ترهق الفكر، يبرز التساؤل الجوهري: كيف... 💡 يمكنك الاستمتاع بقراءة هذا العمل وأعمال اخري عديدة علي تطبيق "أنا الكاتب". https://anakatib.com/share/nHC7B9

u/Big_Estate_3742 — 23 days ago