محاكمة "الكادح" الأزلي: قراءة في سوسيولوجيا الشيطان
عند الغروب يخرج، وعلى عتبات الأبواب يستلقي، وفي الأطلال الموحشة والخرابات القذرة يسكن. يأكل العظام والروث والخبائث، ويجد في مخابئ اللذة وأوكار الرذائل مرتعاً.
يتسلى بالأذى ويتأذى بالفضيلة، يؤنسه الغناء واللعب ويرعبه الذكر والأذان. يمشي في الأسواق ويقضي ليله في المراقص والحانات. علاقتنا به مضطربة وغامضة؛ فهو الرفيق في الرقص والغناء واللهو، وهو المفارق الهارب في لحظاتنا الروحانية. لا يكلُّ ولا يمل، لا يتوب ولا يشقى، وهو في سعيٍ دائمٍ لتضليلنا والإيقاع بنا في فخاخ المعصية والرذيلة.
أتحدث عن الشيطان؛ ذلك اللعوب الماكر الذي ينتمي للطبقة الكادحة. يعمل ليل نهار ولا يُكافأ إلا بكومة عظام أو بقايا عفنة؛ لا حوافز، ولا ترقيات، ولا حتى تأمين طبي! يعمل لأجل العمل، فليس لحياته معنىً سامٍ ولا نهاية مرضية. إنه يشقى بلا توقف وهو على يقين بأن جهنم هي المصير.
هو "المرؤوس" الذي يأتمر بأمر الطبقة الأرستقراطية المعروفين في عالم الجن بـ "المَرَدَة". فالمارد هو الرئيس صاحب الحنكة والمعرفة في شؤون الخبث والخبائث، وهو الموجه الآمر الناهي. لا نعلم عنه شيئاً في تراثنا سوى كونه رئيساً للشيطان، فلربما كان مستواه المعيشي أوفر حظاً من شياطينه، وقد يسكن الفلل ويقتات على "الفاين داينينق" (العشاء الفاخر)؛ لا نعلم، ولكن من المؤكد أن له مزايا أكبر، إذ لا بد من التراتبية في العمل والطبقية في المعيشة، ويظهر ذلك في زعيمهم وكبيرهم "إبليس" الذي كان نداً للملائكة ومرافقاً لهم، وله من الكِبر والأنفة نصيبٌ وافر، وإلا لما رفض طلب خالقه بالسجود لآدم.
لنكن "ماركسيين" قليلاً ونتأمل حال الشيطان العامل الكادح؛ التناقض ظاهر في السردية الدينية عنه، ولكن ما يهمني هنا هو "شيطنة الشيطان" وتحميله ما لا يحتمل.
كل الشرور التي تختلج في صدورنا، وكل المصائب اللعينة التي تعصف بنا وبجنسنا، نصبّها في حجر ذلك العامل (الشيطان)، وكأننا ملائكة منزهون عن النجاسة والردى. على كل من يؤمن بوجوده وتأثيره أن يكون منصفاً ويتحمل جزءاً من الزلات والهفوات والخبث؛ فمع كل ثورة علمية في علم النفس، نكتشف أن الشر "مولود" معنا، وليس نتاجاً لكائن خفي يهمس في آذاننا ويجري فينا مجرى الدم.
إن الطمع، والخداع، والكذب، والغيرة، والحسد؛ كلها غرائز بشرية محضة يجب كبتها قدر المستطاع، ومن يحيلها إلى الشيطان فهو يتنصل من المسؤولية الأخلاقية، ولا يتحمل عبئاً يقوده للتصحيح والتحسين السلوكي والنفسي.
"إن الشيطان هو تجسيد للجانب المظلم والمكبوت في النفس البشرية. إن إنكار هذا الجانب هو ما يجعله مدمراً، بينما الاعتراف به هو طريق النضج"؛ هذا ما قاله عالم النفس الشهير كارل يونغ، وهو بهذا القول يجعل الشيطان رمزاً يشير إلى دفائن النفوس والغرائز، وليس مخلوقاً حقيقياً بذاته.
في تراثنا الديني ما يشيب له الرأس من أوصاف ورمزيات تحاول بشتى الطرق رسم صورة غريبة وشريرة عن كائن خبيث ماكر، ذكي ومخادع. وفي نفس التراث نجد أن الشيطان عند سماعه للأذان يفرُّ وله "ضراط"! وهنا تحضرني أسئلة بديهية ومضحكة في آن واحد: كيف للشيطان الذكي المخادع ألا يعرف أماكن ومواقيت الأذان فيتجنبها؟ ثم إنه من المعلوم أن الخائف قد يبول على نفسه، أما أن "يُخرج ريحاً" فهذا أمرٌ عجيب!
عموماً، إن كنت تعتقد أن الشيطان هو أصل كل الشرور، فأود أن أذكرك بأن شهر رمضان تُصفّد فيه كل الشياطين، ويبقى الإنسان عارياً مكشوفاً أمام شروره ورغباته ونزواته.
يجب أن نمسك بزمام الحق، ونعقد جلسة محاكمة عادلة للشيطان، يكون له فيها كامل الحق في الدفاع عن نفسه، على أن يكون القاضي فيلسوفاً محايداً، وألا يحضر جلسات المحاكمة أي رجل دين.
أقول قولي هذا.. وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم