لو حبيبك لمّح انه بده بنت بلا ماضي جنسي بتكذبي ولا بتقولي لحقيقة ولا بس بتتركيه؟
هل بتشوفي الكذب من حقك طبيعي ولا هذا نوع من الخداع؟
هل من حقه يهتم ولا هذا تخلف ورجعية؟
سواء كان هو بماضي او بلا ماضي أقصد
هل بتشوفي الكذب من حقك طبيعي ولا هذا نوع من الخداع؟
هل من حقه يهتم ولا هذا تخلف ورجعية؟
سواء كان هو بماضي او بلا ماضي أقصد
أنا امرأة ملحدة، وبالنسبة إلي الإلحاد مش مجرد إني ما بآمن بوجود إله، هو كمان خلاني أعيد التفكير بكثير من الأفكار اللي تربيت عليها، وبأشياء كنت مفكرة إنها بديهية لمجرد إنها كانت مفروضة علي من المجتمع
إذا تزوجت بيوم، أنا ما بدي مهر، وما بدي رجل يكون «ستر» علي، ولا بشوف الزواج كأنه انتقال من مسؤولية أهلي لمسؤولية رجل، أنا إنسانة وهو إنسان، وبدي العلاقة تكون شراكة فعلية، بالفلوس، بالبيت، بالقرارات، وبالمسؤوليات، بدون ما يكون جنس الشخص هو اللي بيعطيه سلطة أو امتيازات
وبالنسبة إلي ما في شيء اسمه الرجل إله مساحة أكبر من المرأة لأنه رجل، أو إنه هو مسموح له بأشياء وهي لا، أو إنه ماضيه وتجربته العاطفية شيء طبيعي بينما المرأة لازم تدخل العلاقة بدون أي تجربة سابقة، إذا في معيار أخلاقي فهو لازم يكون واحد للطرفين
وهون تحديدًا عندي مشكلة كبيرة مع كثير من الرجال العرب الملحدين، لأنه أحيانًا بحس إن بعضهم ترك فكرة الإله، بس ما ترك الامتيازات اللي أخذها من المنظومة الدينية والاجتماعية، بطل يؤمن بالدين، بس لسا بده زوجة بمواصفات دينية، بطل يؤمن بتحريم العلاقات قبل الزواج، بس ممكن يرفض المرأة إذا كان إلها ماضٍ، بطل يؤمن بفكرة إن الرجل مسؤول عن المرأة، بس بنفس الوقت بده يكون هو صاحب القرار، وبطل يؤمن بتعاليم معينة، بس لما الموضوع يوصل لحرية المرأة فجأة بتصير العادات والتقاليد مهمة جدًا
يعني أحيانًا الإلحاد عنده بيكون تغيير في العقيدة، مش تغيير في طريقة التفكير
وبصراحة ما بفهم كيف شخص ممكن يحكي عن الحرية والاستقلالية ورفض الدين والسلطة، وبنفس الوقت يتوقع من شريكته إنها تتنازل عن استقلالها وحريتها عشان العلاقة، أو يعتبر إنه من حقه يعيش حياته بالطريقة اللي بده إياها بينما هي لازم تلتزم بمعايير هو نفسه ما بيلتزم فيها
أنا ما بدي رجل «حديث» بس لأنه ملحد، ولا بهمني شو بيسمي حاله أصلًا، اللي بهمني إنه يكون متسق مع أفكاره، إذا هو يؤمن بالمساواة فالمساواة لازم تكون فعلية، وإذا يؤمن بحرية الإنسان فهي لازم تشمل شريكته كمان، وإذا رفض سلطة الدين على حياته، ما بصير يستبدلها بسلطة العادات والتقاليد لما تكون لصالحه
بالنسبة إلي، ترك الدين هو بداية الأسئلة، مش نهاية التفكير، وما بدي شريك ترك الدين بس احتفظ بكل الامتيازات اللي كانت تعطيه إياها المنظومة اللي تركها
هلا السعاودة طول عمرهم همج و قوانينهم همجية .
بس توصل إعدام و إنهاء حياة شخص عشان تعليق ؟
أنا ما بستغرب من القتل في بلاد الصلاعمة كثير حساسيين لدرجة اللي ينتقد دينهم بقتلوه
ويدعو مشروع القرار الذي نوقش أمام البرلمان الأوروبي، الأربعاء، واطلعت "العين الإخبارية" على نسخة منه، نائب رئيس المفوضية، الممثل الأعلى للاتحاد للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، إلى أن يقترح على المجلس الأوروبي إدراج جماعة الإخوان في قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية.
كما يطالب المشروع، بالتعليق الفوري والدائم لأي شكل من أشكال الدعم الاقتصادي أو المنح أو الإعانات أو المساعدات المالية الممولة من ميزانية الاتحاد الأوروبي لأي منظمة أو مؤسسة أو منظمة غير حكومية أو كيان مرتبط بها، تربطها صلات مباشرة أو غير مباشرة بشبكات الإسلام السياسي، بما في ذلك جماعة الإخوان.
وفي مداخلة المفوضية الأوروبية، حذر المفوض من أن التطرف لا يبدأ بالضرورة بالعنف، بل قد يتقدم تدريجيًا عبر غرف الصدى على الإنترنت وانتشار الروايات والمعلومات المضللة، وصولًا إلى تسميم اللغة وتآكل الثقة والتعليم البطيء للكراهية.
وشدد المفوض على أن الحرية الدينية وحرية الفكر وحرية التعبير قيم أساسية في الاتحاد الأوروبي، لكنه قال بوضوح إن المتطرفين لا يمكنهم الاحتماء بحرية التعبير لحماية خطاب الكراهية والتحريض عليها.
وقال إن التهديد الإرهابي المرتبط بالتطرف الإسلاموي في أوروبا خلال السنوات الأخيرة ارتبط بجهات وأفكار متطرفة، «ويشمل ذلك أيضًا حركات مثل جماعة الإخوان المسلمين والشبكات المحيطة بها»، مؤكدًا أن هذه المخاوف «يجب أن تؤخذ على محمل الجد».
https://hafryat.com/ar/blog/التمويل-والتصنيف-والملاحقة-جلسة-عاصفة-ضد-الإخوان-في-برلمان-أوروبا
امبارح طلعت لأول مرة مع صاحبيتي على عمان و قررت افرع لأول مرة بس صاحبيتي عكسي مو أول مرة و دايما بتسويها
رحنا على زاروبة مبينة كثير قديمة و قلنا خلص بنشلحه هناك فجئة طلعتلنا مرة بتقلنا (انتوا مش كنتوا لابسين قبل شوي) و ماسكة تلفون بايدها أنا خفتتت خفتتتتتتت حسيت بالتهديد و عدم الأمان و حكتلها من الخوف (خالتو ما خصك) و عصبت و قعدت تقول مين ما خصه ؟ استلمتنا احترمي حالك وليه وانتي من وين و شو اسمك و وين رايحة و مع مين و انتبهي من الي معك هاي ترا واضح بتخوف بإختصار ضلت تحاول تطلع مني ردة فعل، أنا خفت و سكتت بس صاحبيتي ضلت تحكي معها تحاول تلين بالكلام و تسلكلها و كانت راح تضل مستلميتنا لو ما سحبت صاحبيتي و المشكلة صاحبيتي جد حكتلها احنا من اي محافظة من الخوف ! ما كنا مشلحين حرفيا بس شلحنا الشريطة المشئومة الي على روسنا نتنفس
هو صار شي تاني مثلا الاطفال و المراهقين كانوا يتحرشوا فينا اجى مراهق 15/16 هيك شي بحكي (شو رأيك نتناقش بالسعر؟) سكتنا و عديناها ...
هسا في احتمال حدا يأذينا مثلا صورنا او سجللنا ڤويس؟ اذا صار شي راح تدمر حياتنا رسمي
يا خوان شلحته برغدان بزاوية بالمرة مش مبينة للناس ولا طالة على الشارع حتى بس للتوضيح
دائماً يقولون لك: الإسلام هذب العرب، الإسلام جاء ليتمم مكارم الأخلاق.
الحقيقة عكس ذلك تماماً. الذي يقرأ الشعر الجاهلي والسيرة وتاريخ العرب قبل الإسلام يكتشف أن محمداً لم يتمم مكارم الأخلاق، بل هدم الكثير منها لمصلحة مشروعه السياسي.
خذ أربعة أمثلة فقط:
1- الأشهر الحرم
العرب قبل الإسلام، رغم حروبهم وغزواتهم، اتفقوا على قانون أخلاقي صارم: أربعة أشهر في السنة لا قتل فيها. ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب. كانت تسمى الأشهر الحرم. حتى لو قابلت قاتل أبيك في هذه الأشهر، لا تقتله. كان احتراماً للعهد وللسلام.
ماذا فعل محمد؟
في سرية نخلة، أرسل عبد الله بن جحش في شهر رجب - وهو شهر حرام - فهاجم قافلة لقريش وقتل عمرو بن الحضرمي. قريش نفسها صُدمت. حتى أهل مكة الوثنيون قالوا: محمد استحل الشهر الحرام!
ونزل القرآن بعدها يبرر: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ ثم يضيف ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ﴾. يعني برر القتل في الشهر الحرام بمصلحة الدعوة.
العرب الوثنيون كانوا يحترمون الشهر الحرام أكثر من نبي الإسلام.
2- المرأة المتزوجة
عند العرب قبل الإسلام كان هناك عرف مقدس: المرأة المتزوجة أسيرة أو لاجئة ترد إلى قبيلتها وأهلها، لا يمسها أحد. حتى في الغزو، كانوا يأخذون المرأة المتزوجة ويعيدونها لزوجها مع دفع فدية أو كرماً. كان هذا من شرف القبيلة.
ماذا فعل محمد؟
بعد غزوة أوطاس، وقع في يد المسلمين نساء متزوجات، أزواجهن أحياء ومشركون. الصحابة تحرجوا: كيف نجامع امرأة متزوجة وزوجها موجود؟
فنزلت الآية الشهيرة: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ [النساء 24]. أي المرأة المتزوجة حرام إلا إذا أصبحت ملك يمين، أي سبية، فتصبح حلالاً لمالكها الجديد حتى لو زوجها حي.
الطبري وابن كثير يفسرانها بوضوح: إذا سبيت المرأة المتزوجة، انفسخ نكاحها وأصبحت حلالاً للسابي.
العرب كانوا يردون المرأة المتزوجة لزوجها، والإسلام أباح وطأها وهي على ذمة رجل آخر بمجرد أن أصبحت غنيمة.
أين مكارم الأخلاق هنا؟
3- التبني
التبني كان من أجمل أخلاق العرب. الرجل يتبنى طفلاً يتيماً، يربيه، يعطيه اسمه، يرثه، يدافع عنه كأنه ابنه من صلبه. كان نظاماً اجتماعياً رائعاً لحماية الأيتام.
محمد نفسه تبنى زيد بن حارثة وكان يسمى زيد بن محمد، وكان الناس ينادونه بذلك.
ثم حدثت القصة المعروفة: محمد رأى زينب بنت جحش، زوجة ابنه بالتبني زيد، فأعجب بها. زيد ذهب وطلقها. ثم أراد محمد أن يتزوجها، لكن العرب كلهم قالوا: كيف يتزوج الرجل زوجة ابنه؟ هذا عيب كبير عند العرب.
فما الحل؟
نزلت آية إلغاء التبني كله: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ و ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ و ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ﴾.
من أجل زواج واحد، تم تحريم نظام اجتماعي كامل كان يحمي آلاف الأيتام في الصحراء. ومن يومها أصبح التبني حراماً في الإسلام، والطفل المتبنى لا يرث ولا يحمل اسم أبيه المربي ويظل غريباً في البيت.
العرب كانوا يتبنون الأطفال رحمةً، ومحمد حرم التبني نزوةً.
4- الغدر
العرب قبل الإسلام كان عندهم قانون الفروسية: لا تغدر. إذا أعطيت الأمان، لا تخن. إذا دخل رجل في جوارك، تحميه حتى لو كان عدوك. عنترة بن شداد كان يقول: وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها.
ماذا فعل محمد؟
مع كعب بن الأشرف، الشاعر اليهودي الذي كان يهجوه. أرسل له محمد بن مسلمة وأصحابه. ذهبوا إليه متظاهرين بالصداقة، قالوا له نحن جئناك نشكو محمداً، استأمنهم، ثم غدروا به وقتلوه غدراً وهو في حضن زوجته ليلاً.
نفس الشيء مع أبي رافع سلام بن أبي الحقيق، ومع غزوات كثيرة كان يأمر أصحابه بالإغارة على القبائل ليلاً وهم نيام، وهو ما يسمى البيات، وهو ما كان العرب الجاهليون يعتبرونه غدراً وخسة.
العرب كانت تقول: الحرب لها ميعاد ومكان، وجهاً لوجه. أما الإسلام فأباح الكذب في الحرب وقال "الحرب خدعة" وبرر الاغتيال السياسي والغدر الليلي.
لا تصدق أسطورة أن الإسلام جاء ليتمم مكارم أخلاق العرب. العرب كان عندهم منظومة أخلاقية بدوية قائمة على الشرف والوفاء واحترام العهود والأشهر الحرم وحماية المرأة المتزوجة وكفالة اليتيم بالتبني.
الإسلام أخذ من هذه الأخلاق ما يخدم دولته، وألغى ما يعيق مشروعه.
وعندما تقرأ السيرة بلا قداسة، ستكتشف أن العرب قبل محمد كانوا في كثير من المواقف أكثر نبلاً من العرب بعد محمد.
بدون هجوم
ما بتحسو بعد ترك الدين تغيرت نظرتكم لكثير افكار
زي مثلا البنت الي بدك تتزوجها لازم تكون ڤيرجن وغشاء البكارة والهبل هاد تبع الجاهلية .. طيب أنا وانت يمكن نكون غلطنا وهي غلطت ليش حرام عليها وحلال علينا الغلط .. ف صرت أشوف انه اوك كلنا منغلط وعادي
ف ب اختصار صرت ما احكم عالبشر من تدينها وأغلاطها والذنوب الي رسمهم وحطهم الدين
واشياء زي هيك هل أنا هيك غلط ولازم اخفف تحرر ؟وهل في ناس كانو متمسكين بالأفكار هاي وتغيرو كمان
هل اذا رحت على هولندا وطلبت لجوء من السفارة بحجة اني ملحدة بقبلوا يخلوني فيها؟
ما بدي دعم مادي راح اجي بفلوسي وشهادتي بس أنه الفكرة أنه شو احسن طريقة اضمن فيها أنه اكون مواطنة شرعية
اللي فترة بفكر أعمل تاتو
هم اتنين صراحة بس خايفة بعد فترة اندم ويصير بدي اشيلهم
يلي جربو يعملو وندمو قدرتو تشيلوه؟ شو رأيكم
حالة كتير منتشرة شركات كبيرة بالاردن و مشهورة كتير " يمكن في بلاد غير الاردن كمان ما بعرف " صارت معي اكتر من مرة و مبارح كمان مرة رجع نفس الموضوع ، تشوف اعلان ل وظيفة معينة مثلا 3d animator
بخصوص هذا التخصص مو كتير منشتر بالبلد ف لما تقدم ببعتولك ايميل انو حتى نكمل باقي الاجراءات لازم تعمل تاسك بسيط ، مرات يكون بسيط مرات ياخذ فوق الاسبوع ، التاسك بيكون عبارة عن جزء من مشروع همة بشتغلو في ف ل كل مقدم عل الوظيفة ببعتو تاسك مختلف و بطلبو منك تبعتو 4k و جميع الملفات المستعملة و ملخص عن طريقة العمل ، هلا تحكو انو بدهم يتاكدو مو Ai , انا هيك كنت افكر مرة عملت ل شركة كبيرة بالاردن تاسك و بعتت فايلات باكتر من صيغة و تعبت جهازي و اشتغلت عليه كتير و كتبت حرفيا طريقة العمل و شو استخدمت بعدين مارجعولي حتى بالقبول و الرفض ، و صدفت بعرف بنت قدمت عل منصب متدربة ٦ اشهر بدون راتب ، ف قالت انو وصلهم كتير فايلات جاهزة و عدلو عليها و استخدموهم ل مشروعهم الي اطلقوه و جننو الناس في .
و مبارح اجاني ايميل بطلب فيديو ثريدي انميشن و موشن جرافك و كل الفايلات مع 4k ريندر كل هذا ك تاسك
ك شغل فري لانس عل اقل باخذ عليه ١٥٠٠ دينار و همة بدهمياه ك تاسك ببلاش و اكسترا cheese 🤣
حرفيا الوظائف الي زي هيك و بشركات مشهورة اكتر شي صار يقلقني و بعرف انو نصب بطريقة احترافية
طلعت من الأرذن على أمريكا وعمري 23 سنة، واليوم عمري 38. ومن زمان وأنا بفكر أكتب عن المشاكل اللي ورثونا إياها أهلنا بالتربية، بس بصراحة دايمًا بتردد. يمكن لأنه مش عارف قديش الناس هون رح تفهم اللي بحكي عنه، أو إذا أصلًا مرّوا بنفس التجربة.
في مشكلة كبيرة بتربيتنا بالأردن، وبكثير من المجتمعات العربية، وخصوصًا عند الآباء.
الأب بخلف ولد وبفكر إنه الولد نازل على الدنيا مبرمج وجاهز، وكل اللي عليه يعمله إنه يعطيه أوامر:
قوم اشتغل، قوم ادرس، ليش نايم؟ ليش ما تجوزت؟ ليش ما فتحت مشروع؟ شوف ابن فلان، شوف ابن علان، استرجل، اعتمد على حالك!
طيب يا عمي، إنت شو عملت؟ شو علّمت ابنك أصلًا؟
علّمته كيف يلاقي شغل؟ كيف يتعامل مع الناس؟ كيف يبني علاقات؟ كيف يتعرف على بنت ويتزوج؟ كيف يفتح مشروع؟ كيف يتعلم مهارة جديدة؟ كيف يحل مشاكله؟ كيف يصبر ويتعامل مع الفشل؟
ولما فشل، وقفت معه؟ فهمت ليش فشل؟ حاولت تساعده يفهم المشكلة ويتجاوزها؟ ولا بس قعدت تذكّره بفشله وتقارنه بغيره؟
هل استوعبت أصلًا إنه الولد اللي إنت خلّفته مش نازل على الدنيا فاهم كل إشي، وإنه بده حدا ياخد بإيده ويعلّمه كيف يواجه الحياة؟
ولا إشي من هالحكي. بس أوامر ومقارنات وتأنيب طول اليوم.
والمصيبة الأكبر إنه كثير من الآباء نفسهم مسحوقين من نفس المجتمع والظروف اللي عاشوا فيها. الواحد منهم يدوب لقى وظيفة وستر حاله فيها من أيام زمان، وبعرف قديش البلد صعبة وقديش الفرص قليلة، ومع هيك بخلف أولاد وبطالبهم ينجحوا بحياة هو نفسه ما كان عارف كيف يتعامل معها.
والأسوأ إنه في آباء مش مستعدين يعترفوا أصلًا إنه عندهم مشاكل من تربيتهم وتجاربهم. بدل ما يحاولوا يفهموها ويعالجوها، بنقلوها لأولادهم، وبصيروا يمارسوا عليهم نفس الضغط اللي عاشوه.
إنت مش بس مسؤول إنك تجيب ولد على الدنيا وتطعميه وتلبسه. إنت مسؤول تعلّمه كيف يعيش فيها.
مش معقول ما تعلّم ابنك كيف يمشي، وبعدين تقضي عمرك تصرخ عليه ليش مش قاعد يركض!
وهاي المتاهة اللي حطونا فيها أهلنا، وحطوا حالهم فيها قبلنا. لا حدا راضي يعترف بالمشكلة، ولا حدا راضي يطلع منها، وكل جيل بسلّم الجيل اللي بعده نفس المشاكل، وبطالبه ينجح رغم كل إشي.
واللي بقهرك أكثر إنه بعض الآباء بدل ما يواجهوا فشلهم أو يعترفوا إنهم ما عرفوا يجهزوا أولادهم للحياة، بصيروا يحمّلوا الأولاد مسؤولية كل إشي. وكأنه فشل الابن دليل على تقصيره هو، مش ممكن يكون نتيجة لسنين من التربية الناقصة والضغط والمقارنات.
وبالأخير بنقعد نحكي ليش شبابنا ضايعين، ليش ما عنا إنتاج، ليش ما عنا قوة، وليش كل العالم متآمر علينا.
طيب إحنا شو عملنا بأولادنا أصلًا؟ وكيف بدنا نبني مجتمع قوي إذا إحنا من داخل بيوتنا بنكسّر الإنسان اللي المفروض يبنيه؟
مشكلتي مش مع الأب اللي ما عرف ينجح بحياته. مشكلتي مع الأب اللي ما عرف ينجح، وما علّم ابنه كيف يحاول، وبعدين قضى عمره يلومه لأنه ما نجح.
..
السلام عليكم، أنا الآن بصدد العمل على كتاب بعنوان «تحرير العقول من أغلال النقول» وقد أكملت بالفعل بابًا كاملًا بطول 55 صفحة عن الإعجاز البلاغي. وهذا المقال يتضمن مقتطفات مختصرة من ذلك الباب. إذا أعجبك ما تقرأ وأردت قراءة الباب كاملًا فلك أن تراسلني.
الفصل الأول: طرح الحجة
من مفاخر هذه الأمة امتلاكها لكتاب بلغ الغاية في الفصاحة والكمال في البلاغة، فقال عنه ألد أعدائه:
>واللَّهِ ما يشبِهُ هذا الَّذي يقولُ شيئًا مِن هذا، وواللَّه إنَّ لقولِهِ الَّذي يقولُ لَحلاوةً، وإنَّ عليهِ لطلاوةً وإنَّهُ لمثمرٌ أعلاهُ، مُغدقٌ أسفلَهُ، وإنَّهُ ليَعلو وما يُعلى، وإنَّهُ ليَحطِمُ ما تحتَهُ…
فالإعجاز البلاغي معناه: أوجه البلاغة التي يعجز البشر عن مثلها، والبلاغة -كما عرفها أهلها- هي: بلوغ المتكلم في تأدية المعنى حدا له اختصاص بتوفية خواص التراكيب حقها، وإيراد أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها… وقيل في تعريفها أيضا: البلاغة هي أن يبلغ المتكلم بعبارته كنه مراده مع إيجاز بلا إخلال، وإطالة من غير إملال… لا يختلف أهل العلم أن أعظم معجزة للنبي عليه الصلاة والسلام هي القرآن الكريم، فالقرآن كتاب الله الخالد الذي تحدى به الإنس والجن، فعجزوا عن الإتيان بنظيره:
>(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الإسراء: ٨٨]
يقول الدكتور سامي عامري: وقد كانت المعجزة الكبرى لنبي الإسلام -صلى الله عليه وسلم- القرآن، فقد قال:
>ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيٌّ إلَّا أُعْطِيَ ما مِثْلُهُ آمَنَ عليه البَشَرُ، وإنَّما كانَ الذي أُوتِيتُ وَحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ، فأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهُمْ تابِعًا يَومَ القِيامَةِ. (صحيح البخاري: 4981 ومسلم: 152)
إنتهى من قول الدكتور (براهين النبوة والرد على اعتراضات المستشرقين والمنصرين (ص 215)). ثم عجز العرب البلغاء عن معارضة القرآن مع توفر الدوافع الشديدة لذلك؛ لإثبات ما زعموه من كونه مفترى من عند محمد ولشدة عداوتهم له، ومع ذلك وقفوا أمام تحدي القرآن عاجزين. وقد تميز القرآن بوجوه بلاغية عظيمة وهي كما قال القاضي عياض: حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته، ووجوه إيجازه وبلاغته الخارقة عادة العرب، إنتهى (الشفا بتعريف حقوق المصطفى (1/ 258)). كما أن من إعجازه: صورة نظمه العجيب، والأسلوب الغريب، المخالف لأساليب كلام العرب، ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء عليه، ووقفت مقاطع آيه وانتهت فواصل كلماته إليه، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له، ولا استطاع أحد مماثلة شيء منه، انته (الشفا بتعريف حقوق المصطفى (1/ 264)). فكتاب الله فيه أعلى درجات البيان، وأسمى أساليب البلاغة، وأعظم مراتب الفصاحة، وأعذب أنواع الكلم.
>[يونس: 38] (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)
>(وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ (23) فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ (24)) [البقرة]
إذا هكذا نكون أنصفنا المسلمين في طرح الحجة في أكمل وأقوى أشكالها، فالآن الرد من أهم الوجوه…
الفصل الثاني: في ضوء المنطق
وقع القرآن في هذا التحدي بمغالطة تبديل عبء الإثبات، وهي مغالطة منطقية تحدث عندما يحاول شخص ما تجنب مسؤولية إثبات ادعائه عن طريق تحويل عبء الإثبات إلى الخصم. بمعنى آخر: بدلا من أن يقدم الشخص دليلا على صحة ادعائه، يطلب من الخصم إثبات عدم صحة الادعاء. مثال على ذلك:
>خالد: أتدري أن هناك كائنات فضائية ذكية على المريخ؟ وقد أرسلوا لي هذه الرسالة الحاسوبية!
>عمر: وما دليل ذلك
>خالد: هل لديك دليل على أن الرسالة ليست منهم؟
>عمر: لا…
خالد: إذن فهي كذلك لا محالة!
فهنا وقع خالد في المغالطة، إذ إنه طلب من الخصم أن يأتي بدليل على أن الرسالة ليست من هذه الكائنات الفضائية بدلا من أن يأتي هو بدليل وإثبات ذلك، فهو إنما حول عبء الإثبات على الخصم، وافترض صحة الادعاء إن عجز الخصم عن الإتيان بدليل النفي هذا! وهذا تماما حال التحدي القرآني، فالحقيقة أن قريش ومشركي العرب هم من بدأوا بتحدي محمد لأن يثبت أن كتابه هذا هو كلام الله بحق، وأنه نبي بحق، فطلبوا منه المعجزات:
>(وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِن جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ لَّيُؤۡمِنُنَّ بِهَاۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَا يُشۡعِرُكُمۡ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتۡ لَا يُؤۡمِنُونَ) [الأنعام: 109]
>(وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) [الإسراء: 59]
>(وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا قَالُواْ قَدۡ سَمِعۡنَا لَوۡ نَشَآءُ لَقُلۡنَا مِثۡلَ هَٰذَآ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ (31) وَإِذۡ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلۡحَقَّ مِنۡ عِندِكَ فَأَمۡطِرۡ عَلَيۡنَا حِجَارَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٖ (32) وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ (33)) [الأنفال]
فأما بعد عجز محمد عن الإتيان بأي برهان على نبوته وأن القرآن هو كلام الله، خرج للناس بهذا التحدي الشهير. وهو فيه إنما يقع في مغالطة تبديل عبء الإثبات؛ لأنه يطلب من الكفار أن يأتوا بسورة من مثل القرآن لتكون دليلا أنه ليس كلام الله، وإن ما فعلوا فهو سيبقى على هذا الافتراض القائم دون دليل… قد يقول معترض: «لا، فهو إنما أتى بهذا التحدي كنوع من الدليل التجريبي - أي أنه يقول: إن كان من صنع البشر، فأتوا بمثله. هذا ليس مجرد تحويل لعبء الإثبات، بل محاولة لوضع معيار قابل للاختبار» لكن هذا ليس بصحيح، لأنه يقول:
>(فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ) [البقرة: 24]
أي أنه يفترض مسبقا أنهم لن يفعلوا، ولذلك يفترض صحة المقال بقوله «فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة» وهذا الافتراض يؤكد أنه بدل عبء الإثبات، واكتفى بعدم ردهم على التحدي لتأكيد الادعاء، فهذا عين المغالطة…
الفصل الثالث: في ضوء التاريخ
في التاريخ الإسلام عدة نقاط مهمة يجب مراجعتها عند الحديث عن الإعجاز البلاغي وهي:
1: هل شهد مشركو العرب للقرآن بالبلاغة؟
هناك بعض الروايات المشهورة التي تفيد أن مشركي العرب من قريش أعجبوا بالقرآن ورأوا فيه البلاغة المعجزة، ولعل أشهرها هي تلك عن الوليد بن المغيرة:
لا أريد أن أفاجئك يا أخي المسلم… لكن الحديث على شهرته ضعيف. ففي إسناده شيخ الحاكم أبو عبد الله محمد بن علي الصنعاني، مجهول الحال. وقد رواه بعضهم عن عكرمة مرسلا. فقال الوادعي بعد سرد الحديث: هكذا رواه البيهقي عن الحاكم أبي عبد الله عن محمد بن علي الصنعاني بمكة عن إسحاق به وقد رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة مرسلا. قال أبو عبد الرحمن: والظاهر ترجيح المرسل لأن حماد بن زيد أثبت الناس في أيوب وأيضا معمر قد اختلف عليه كما في دلائل النبوة للبيهقي فالحديث ضعيف والله أعلم، إنتهى (الصحيح المسند من أسباب النزول (ص 225)). أما قصة استماع أبي جهل وأبي سفيان والأخنس بن شريق لتلاوة محمد كما روى البيهقي:
>وغيره: عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمدُ بنُ مسلمِ بْنِ شهابٍ الزهريُّ أَنَّهُ حُدِّث: أَنَّ أَبَا سُفْيان بْنَ حَرْبٍ، وَأَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَالْأَخْنَسَ بْنَ شَرِيق بن عَمرو بن وهب الثَّقفي حليف بني زُهْرة خَرَجُوا لَيْلَةً لِيَسْتَمِعُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فِي بَيْتِهِ. فَأَخَذَ كلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسًا يَسْتَمِعُ فِيهِ، وَكُلٌّ لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِ صَاحِبِهِ. فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إذَا طَلَعَ الفجرُ تَفَرَّقُوا فَجَمَعَهُمْ الطريقُ، فَتَلَاوَمُوا، وَقَالَ بعضُهم لِبَعْضِ: لَا تَعُودُوا، فَلَوْ رَآكُمْ بعضُ سُفَهَائِكُمْ لَأَوْقَعْتُمْ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا. ثُمَّ انْصَرَفُوا. حَتَّى إذَا كَانَتْ الليلةُ الثَّانِيَةُ، عَادَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إلَى مَجْلِسِهِ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إذَا طَلَعَ الفجرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَهُمْ الطريقُ، فَقَالَ بعضُهم لِبَعْضِ مثلَ مَا قَالُوا أَوَّلَ مَرَّةٍ. ثُمَّ انْصَرَفُوا. حَتَّى إذَا كَانَتْ الليلةُ الثالثةُ أَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مجلسَه، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إذَا طَلَعَ الفجرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَهُمْ الطَّرِيقُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: لَا نَبْرَحُ حَتَّى نتعاهدَ ألا نعود على ذلك ثم تفرقوا. (دلائل النبوة (2/ 206))
فهذا الخبر من حيث الإسناد لا يصح كذلك؛ للجهالة بحال من حدث الزهري بالخبر حيث لم يسمه. وكذلك ما رواه البيهقي:
>عن الْمُثَنَّى بْن زُرْعَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا قَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وَسَلَّمَ عَلَى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ (حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) أَتَى أَصْحَابَهُ فَقَالَ لَهُمْ: يَا قَوْمُ ، أَطِيعُونِي فِي هَذَا الْيَوْمِ واعصوني فيما بعده، فوالله لَقَدْ سَمِعْتُ مِنَ هَذَا الرَّجُلِ كَلَامًا مَا سَمِعَتْ أُذُنَايَ قَطُّ كَلَامًا مِثْلَهُ وَمَا دَرَيْتُ مَا أَرُدُّ عَلَيْهِ. (دلائل النبوة (2/ 205))
هذا في إسناده المثنى بن زرعة، وهو مجهول. قال ابن كثير: وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه، انتهى (البداية والنهاية (3/ 64)). وعلى فرض صحته فلا تقوم به حجة، إذ رواه أبو نعيم:
>قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ} [فصلت: ٢] حَتَّى قَرَأَ: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: ١٣] فَقَالَ لَهُ عُتْبَةُ: حَسْبُكَ مَا عِنْدَكَ غَيْرُ هَذَا؟ قَالَ: لَا. فَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ فَقَالُوا: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ شَيْئًا أَرَى أَنَّكُمْ تُكَلِّمُونَهُ إِلَّا وَقَدْ كَلَّمْتُهُ قَالُوا: فَهَلْ أَجَابَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: لَا وَالَّذِي نَصَبَهَا بِنْيَةً، مَا فَهِمْتُ شَيْئًا مِمَّا قَالَ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: {أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: ١٣] قَالُوا: وَيْلَكَ يُكَلِّمُكَ رَجُلٌ بِالْعَرَبِيَّةِ لَا تَدْرِي مَا قَالَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا فَهِمْتُ شَيْئًا مِمَّا قَالَ غَيْرَ ذِكْرِ الصَّاعِقَةِ! (دلائل النبوة لأبي نعيم (ص 230))
فكيف لعربي قح أن لا يفهم شيء من بداية سورة فصلت إلى الآية الثالثة عشر؟! بل قال: «ما فهمت شيئا مما قال غير أنه قال {أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: ١٣]» فقالوا له: «ويلك يكلمك رجل بالعربية لا تدري ما قال؟» فقال: «لا والله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة» فهذا كيف يكون كلامه حجة على البلاغة وهو لا يفهم ما يسمع أصلا؟!
فإذا كل ما جاء بأن مشركي العرب وخصوم محمد مدحوا القرآن وبلاغته، فلا يصح وإن كان شهيرا. فانظر إلى المسلمين كيف يتحرون صحة السند عندما يخدمهم، ثم ينسون علم الرجال عندما يعارضهم ويركضون بالأحاديث والأخبار الضعيفة سقيمة السند، فينمقونها بتصاميم مزخرفة ليتراسلوها على مواقع التواصل الاجتماعي، ويكررونها في كتبهم وبرامجهم، وهي لا تصح!
2: كيف آمن من آمن؟
من حديث ابن عباس أنه قال:
>بُعِثَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لأرْبَعِينَ سَنَةً، فَمَكُثَ بمَكَّةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُوحَى إلَيْهِ، ثُمَّ أُمِرَ بالهِجْرَةِ فَهاجَرَ عَشْرَ سِنِينَ، وماتَ وهو ابنُ ثَلاثٍ وسِتِّينَ. (صحيح البخاري: 3902 ومسلم: 2351)
والمشهور أن عدد المؤمنين به في الفترة المكية كان قليلا، لعل ذلك لضعف حجته وكذلك للأذى الذي تعرض له المسلمون في مكة، وهذا الأذى كثير لا ننكره. فلم يؤمن به إلا حوالي سبعين إلى تسعين شخصا. فبعد ذلك لم يؤمن كافة مشركي العرب لمحمد إلا بالسيف، فقال شاعره حسان بن ثابت (مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لابن باز (3/ 184)):
أما فكيف أصبح السيف صلت بكفه؟ ومن أين له هذه القوة؟! كانت في إيمان الأوس والخزرج الذين آمنوا به خوفا من تهديد اليهود. فيهود المدينة كانوا يهددون الأوس والخزرج بالمسيا لديهم، وهو الاعتقاد بمجيء المسيح (المشيح) المخلص المنتظر الذي سيأتي لإنقاذ الشعب اليهودي وتحقيق الخلاص. فكان يهود المدينة إذا يهددون ويخوفون الأوس والخزرج به، ويقولون لهم: «أن نبيا من الأنبياء مبعوث في هذا الزمان، سيخرج فنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم» فلما رأت الأوس والخزرج محمد، ظنوا أنه هو نبي اليهود هذا، مع أنه ليس كذلك فهو لم يأتي ليعيد مملكة اليهود ولا لينصرهم على غيرهم. لكن الأوس والخزرج ظنوا ذلك فهم قوم لا يعلمون، وليسوا من أهل الكتاب بل من مشركي العرب الوثنيين الذين يحجون البيت. فقرروا أن ينصروا محمد قبل أن تسبقهم اليهود إلى ذلك.
>وكان ممَّا صنَعَ اللهُ لرسولِهِ: أنَّ الأَوْسَ والخَزْرجَ كانوا يَسمَعون مِن حلفائِهِ مِن يهودِ المدينةِ: أنَّ نبيًّا مِن الأنبياءِ مبعوثٌ في هذا الزمانِ، سيخرُجُ فنتَّبِعُه ونقتُلُكم معه قَتْلَ عادٍ وإرَمَ، وكانت الأنصارِ يحُجُّون البيتَ كما كانت العرَبُ تحُجُّه دون اليهودِ، فلمَّا رأى الأنصارُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يدعو الناسَ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، وتأمَّلوا أحوالَه، قال بعضُهم لبعضٍ: تَعلَمون واللهِ يا قومِ أنَّ هذا الذي توعَّدَكم به يهُودُ، فلا يَسبِقُنَّكم إليه. وكان سُوَيدُ بنُ الصامتِ مِن الأَوْسِ قد قَدِم مكَّةَ، فدعَاه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلم يُبعِدْ ولم يُجِبْ حتى قَدِم أنَسُ بنُ رافعٍ أبو الحَيْسَرِ في فِتْيةٍ مِن قومِه مِن بني عبدِ الأشهَلِ يطلُبون الحِلْفَ، فدعَاهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى الإسلامِ، فقال إيَاسُ بنُ مُعاذٍ -وكان شابًّا حدَثًا-: يا قومِ، هذا واللهِ خيرٌ ممَّا جِئْنا له، فضرَبه أبو الحَيْسَرِ وانتهَره، فسكَت، ثم لم يَتِمَّ لهم الحِلْفُ، فانصرَفوا إلى المدينةِ. (زاد المعاد في هدي خير العباد (3/ 39-40) وخلاصة حكم المحدث: رجاله ثقات وإسناده حسن )
فالشاهد هنا أن إيمان الأوس والخزرج كان حركة سياسية وليس لها علاقة أصلا بإعجاز القرآن البلاغي أو ما شابه…
3: من أين أتى أسلوب القرآن؟
المسلمون دائما ما يكررون أن القرآن أتى بأسلوب جديد على العرب، ما كان معروفا في ذلك الوقت وهذا حتما باطل، فمحمد ما أتى العرب إلا بما تعرفه، ولم يأت بالشيء الجديد. فما القرآن إلا سجع، يحاول بشكل واضح مجاراة سجع الكهان المعروف في ذلك الوقت، وهذا طبيعي لما كان في سجع الكهان من دلالات دينية في الروح العربية، فبالطبع محمد كان يحاول تقليده لاجتذاب هذه الروح، خصوصا في بداية الأمر أي في الفترة المكية. لكن أولا فمن هم الكهان؟ وكيف كان سجعهم؟!
يقول شوقي ضيف فيهم (وأنا هنا أتجاوز في الاقتباس بعض الأجزاء التي لا تعنينا كي لا يطول المقال، ولك أن ترجع إلى الكتاب): كانت عند العرب في العصر الجاهلي طائفة تدعي التنبؤ ومعرفة المغيبات، وأنها تنطق عن آلهتهم بما سخر لها من الجن التي تسترق لها السمع، فتكشف لها الحجب، وما تأتي به ألواح الغد. وكانوا يسمونها الكهان، وواحدهم يمسي كاهنا، أما تابعه من الجن فيسمى رئيا، وكانوا يفزعون إليهم لاستشارتهم في الأمور الجلى كإعلان حرب، أو قعود عن نصرة أحلاف، أو كشف قتل إنسان أو ناقة، أو خلال بنذر من النذور لأربابهم لا يستطيعون أداءه. وقد يلجأون إليهم للحكم بينهم أو للمنافرة، ممتثلين لأحكامهم فهي لا تنقض ولا ترد، وقد يطلبون إليهم تعبير رؤاهم وأحلامهم، وهم بدورهم قد يتنبئون لأقوامهم بوقوع كارثة، أو حدوث غزو…
وروت كتب الأدب والتاريخ طائفة من أقوال هؤلاء الكهان، والكاهنات وخطابهم، وكلها تلتزم السجع، وما نشك في أن أكثر ما روي عنهم مصنوع، وإن من الخطأ أن يعتمد باحث على تلك المرويات، ويظنها صحيحة النسبة إلى من قيلت على ألسنتهم، لسبب طبيعي، وهو أنها لم تكن مدونة ولا مكتوبة، ومن الصعب أن تحتفظ بها ذاكرة الرواة نحو قرنين من الزمان أو أكثر، فلا تبدل فيها ولا تحرف، حتى يخرج العصر العباسي فيدونها اللغويين والأخباريون.
على أننا نستطيع بعد أن نرفض ما يروى من أقوالهم، وخطبهم أن نعود فنظن ظنا أنهم كانوا يسجعون في خطاباتهم، وإلا لما استقر عند جميع من نحلو لهم بعض الأقوال، والخطب أنهم كانوا يعتمدون على السجع في كهانتهم، ومن ثم صاغوا ما نسبوه إليهم من كلام سجعا خالصا، ولعل هذا السجع في كلامهم هو الذي دفع بعض المشركين من قريش إلى الظن بأن ما يتلوه الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن، إنما هو من كلام الكهان، إنتهى (الفن ومذاهبه في النثر العربي (ص 38)).
فبالفعل إن مشركي العرب اتهموا محمد أن ما يأتي به هو كهانة. بالنسبة لمضمون الكلام فهم مخطئون، لأن محمد أتى بمعتقدات أحناف العرب التي أخذوها عن أهل الكتاب، أما بالنسبة للأسلوب فقد كانوا محقين.
>(فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ) [سورة الطور: 29]
>(إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ (40) وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَاعِرٖۚ قَلِيلٗا مَّا تُؤۡمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوۡلِ كَاهِنٖۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ (42)) [الحاقة]
وقد جاء في هذا الحديث الصحيح ما يثبت أن الكهان كانوا يأتون بالسجع:
>أنَّ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَضَى في امْرَأَتَيْنِ مِن هُذَيْلٍ اقْتَتَلَتَا، فَرَمَتْ إحْدَاهُما الأُخْرَى بحَجَرٍ، فأصَابَ بَطْنَهَا وهي حَامِلٌ، فَقَتَلَتْ ولَدَهَا الذي في بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَقَضَى: أنَّ دِيَةَ ما في بَطْنِهَا غُرَّةٌ؛ عَبْدٌ أوْ أَمَةٌ، فَقَالَ ولِيُّ المَرْأَةِ الَّتي غَرِمَتْ: كيفَ أغْرَمُ -يا رَسولَ اللَّهِ- مَن لا شَرِبَ ولَا أكَلَ، ولَا نَطَقَ ولَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذلكَ يُطَلُّ؟! فَقَالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّما هذا مِن إخْوَانِ الكُهَّانِ. (صحيح البخاري: 5758)
فإن نظرنا بالسجع الذي وصلنا منهم، وإن لم نكن نستطيع التحقق من صحته، وإن كان الإحتمال الأعلى أنه منحول كما يقول شوقي ضيف، إلا أن النظر فيه يعطينا صورة عامة لجنس هذا السجع. فنجد أن أهم صفاته التالي:
الحلف بالأشياء: كالحلف بالليل، الخيل، النهار، الشمس، بل الحلف بأي شيء مهما كان وخصوصا في بداية الكلام.
التكلف الظاهر: إذ كانوا يختارون كلمات صعبه متكلفة، ويقدمون السجع على المعنى.
يقول الجاحظ: وكان الذي كره الأسجاع بعينها وإن كانت دون الشعر في التكلف والصنعة، أن كهان العرب الذين كان أكثر الجاهلية يتحاكمون إليهم، وكانوا يدعون الكهانة وأن مع كل واحد منهم رئيا من الجن مثل حازي جهينة، ومثل شق وسطيح، وعزى سلمة وأشباههم، كانوا يتكهنون ويحكمون بالأسجاع، كقوله: «والأرض والسماء، والعقاب الصقعاء، واقعة ببقعاء، لقد نفر المجد بني الشعراء، للمجد والسناء» إنتهى (البيان والتبيين (1/ 241)).
فيكمل شوقي ضيف فيقول: وإذا صحت هذه الكلمة لعزى سلمة، فإنها ترينا أن الكهان كانوا يعتمدون في كهانتهم على السجع، كما كانوا يعتمدون على مثل هذه الأقسام، والأيمان بالأرض والسماء، والطير والشمس، وما يتصل بذلك من القمر والنجوم، والكواكب، والأشجار والرياح، وكل ما يظنون أنه يحمل قوى خفية، وأيضا فإنهم كانوا يعتمدون على الإغراب في ألفاظهم للإيهام، والتأثير في نفوس السامعين.
وهذه هي نفس السمات العامة التي يمكن أن نستنبطها من خلال النصوص الكثيرة التي رويت من سجعهم، ونحن نرى هذه السمات واضحة في هذه القطعة الصغيرة التي رواها الجاحظ لعزى سلمة، وهي سمات طبيعية، إذ كانوا يلجأون إلى الإيهام في أحاديثهم وأقوالهم، وكانوا يعتمدون في هذا الإيهام على الأقسام، واللفظ الغريب ليتيح لهم ذلك ما يريدون من الوهم في أساليبهم، ومعاني كلامهم. وأكبر الظن أنهم كانوا يبالغون في ذلك حتى تنبهم معانيهم وتغمض دلالاتهم، فيكثر عند السامعين الفهم، ويكثر الاحتمال والتأويل، ولعلنا لا نبعد إذا زعمنا أن الكهان كانوا يبنون سجعهم في كثير من جوانبه على الرمز، فإن كهانتهم كانت تقتضي أن يختاروا ألفاظا موهمة توعظ بما يريدون دون أن تفصح -في كثير من أحوالها- عن دلالة بينه، ومهما يكن فإن حرقة الكهان في هذا العصر أثمرت ضربا طريفا من السجع كان يتكئ على الأقسام، والأيمان الموهمة والألفاظ الغريبة.
وأكبر الظن أن فيما قدمنا من حديث عن سجع الكهان، وخطابة الجاهليين وما كان من أمثالهم ما يدل دلالة صريحة على أن ما سلم لنا من بقايا نثرهم، إنما هو شظايا متناثرة من صناعة بليغة كانت تستفيد من أصحابها آمادا واسعة من التعب، والعناء والجهد، والنشاط، إنتهى (الفن ومذاهبه في النثر العربي (ص 38)).
ولعل من أشهر ما نقل قول الكاهنة الزبراء لما أنذرت قومها غارة عليهم، فقالت: واللوح الخافق والليل الغاسق، والصبح الشارق، والنجم الطارق، والمزن الوادق، إن شجر الوادي ليأدوا ختلا، ويحرق أنيابا عصلا، وإن صخر الطود لينذر ثكلا، ولا تجدون عنه معلا، إنتهى (تاريخ الأدب الجاهلي (ص 270)). ألا يذكرك هذا السجع بشيء ما ربما قرأته؟!
>(وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ (1) وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ (2) ٱلنَّجۡمُ ٱلثَّاقِبُ (3) إِن كُلُّ نَفۡسٖ لَّمَّا عَلَيۡهَا حَافِظٞ (4) فَلۡيَنظُرِ ٱلۡإِنسَٰنُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِن مَّآءٖ دَافِقٖ (6) يَخۡرُجُ مِنۢ بَيۡنِ ٱلصُّلۡبِ وَٱلتَّرَآئِبِ (7) إِنَّهُۥ عَلَىٰ رَجۡعِهِۦ لَقَادِرٞ (8) يَوۡمَ تُبۡلَى ٱلسَّرَآئِرُ (9) فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٖ وَلَا نَاصِرٖ (10) وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجۡعِ (11) وَٱلۡأَرۡضِ ذَاتِ ٱلصَّدۡعِ (12) إِنَّهُۥ لَقَوۡلٞ فَصۡلٞ (13) وَمَا هُوَ بِٱلۡهَزۡلِ (14) إِنَّهُمۡ يَكِيدُونَ كَيۡدٗا (15) وَأَكِيدُ كَيۡدٗا (16) فَمَهِّلِ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَمۡهِلۡهُمۡ رُوَيۡدَۢا (17)) [الطارق]
>(وَٱلشَّمۡسِ وَضُحَىٰهَا (1) وَٱلۡقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا (2) وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّىٰهَا (3) وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰهَا (4) وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا (5) وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا طَحَىٰهَا (6) وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا (7)) [الشمس]
>(وَٱلۡعَٰدِيَٰتِ ضَبۡحٗا (1) فَٱلۡمُورِيَٰتِ قَدۡحٗا (2) فَٱلۡمُغِيرَٰتِ صُبۡحٗا (3) فَأَثَرۡنَ بِهِۦ نَقۡعٗا (4) فَوَسَطۡنَ بِهِۦ جَمۡعًا (5)) [العاديات]
فما معنى هذا الحلف العجيب؟ وهل قرب أسلوبه بل قل توافقه مع سجع الكهان مجرد مصادفة؟! فلا أرى هذا إلا سجع لا يخرج عن النثر في شيء… فليس بالشيء الجديد على العرب… ثم بعد ذلك وفي الفترة المدنية تقريبا نجد أن القرآن يقع في أبحر الشعر في بعض آياته.
4: هل عارض مشركو العرب القرآن؟ وهل من مانع لنقل المعارضة؟
السؤال التالي الذي يجب مراجعته هو: هل عارض مشركو العرب القرآن أصلا؟ وهل هناك مانع من نقل هذه المعارضة إلينا؟ المسلمون هم المنتصرون في النهاية، والتاريخ غالبا ما يكتبه المنتصر. فهل كان المسلمون منصفين في نقل أي معارضات إن حدثت؟ الحقيقة أننا لا يمكننا أن نجزم في نهاية المطاف، لكن لدينا من الأخبار والمواقف ما يدعو للتشكيك في ذلك. ومنها:
أن النضر بن الحارث كان يطرح كلام ليضاهي ويعارض به كلام محمد، لكنه لم يصلنا بالحرف والنص. فقد قال الطبري في تفسير الآية الخامسة من سورة الفرقان: ذكر أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث، وأنه المعني بقوله: ﴿ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾. فهل كان النضر بن الحارث في كلامه هذا الذي يضاهي ويعارض فيه كلام محمد، أكان مجرد كلام وخطب عادية؟ أم أنه عارض طريقة القرآن فيه؟! حقيقة أننا لا نعلم، فالمسلمون لم ينقلوا كلامه بدقة، إنما كل ما وصلنا كلام عام أنه عارض بنوع من المعارضة والمضاهاة. فنحن لا نملك مسند النضر بن الحارث مثلا، ولا صحيح أبو جهل لنقارن الأقوال.
ما أشاعه المسلمون من تلفيق واضح على قرآن مسيلمة. وهو مسلمة بن حبيب الحنفي مدعي نبوة آخر في زمن محمد نفسه. لقبه المسلمون بمسيلمة الكذاب وحاربوه حتى قتل، وكان له وحي وكتاب مزعوم. يدعي المسلمون أن من قرآنه ما يلي:
>(الْفِيلُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْفِيلُ (1) لَهُ زَلُّومٌ طَوِيلٌ (2) إِنَّ ذَلِكَ مِنْ خَلْقِ رَبِّنَا الْجَلِيلِ (3))
>(يَا ضِفْدَعُ بِنْتُ ضِفْدَعِينَ (1) نِقِّي كَمْ تَنِقِّينَ (2) لَا الْمَاءَ تُكَدِّرِينَ (3) وَلَا الشَّارِبَ تَمْنَعِينَ (4) رَأْسُكِ فِي الْمَاءِ وَذَنَبُكِ فِي الطِّينِ (5))
>(إِنَّ اَللَّهَ خَلْقَ اَلنِّسَاءَ أَفْوَاجًا (1) وَجَعْلَ اَلرِّجَالَ لَهُنَّ أَزْوَاجًا (2) فَنُولِجُ فِيهِنَّ قَعْسَا إِيلَاجًا (3) ثُمَّ نُخْرِجُهَا إِذَا شِئْنَا إِخْرَاجًا (4) فَيُنْتِجْنَ لَنَا سَخَالَا نِتَاجًا (5))
فهذا الكلام السخيف، كله نقل إما بأسانيد في غاية النكران، أو بلا أسانيد أساسا. ولا يصدق عاقل أن عربيا يقول مثل هذا الكلام، وإن فعل فلا يصدق عاقل أن تتبعه ثلة من العرب، وهذا ما يقره المسلمون اليوم كالدكتور سامي عامري مثلا. أما ما صح في حق مسيلمة وأتباعه، الحديث الذي يروي كيف أن المسلمين في عهد عثمان استتابوا قوما كانوا من أتباع مسيلمة ويذيعون ذلك، فتركوا من تاب وضربوا رأس من أبى:
>صلَّيْتُ الغَداةَ مع عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، فلمَّا سلَّمَ قام رجُلٌ، فأخبَرَه أنَّه انتهى إلى مسجِدِ بني حنيفةَ؛ مسجدِ عبدِ اللهِ بنِ النَّوَّاحةِ، فسمِعَ مُؤَذِّنَهم يشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُسَيْلِمَةَ الكذَّابَ رسولُ اللهِ، وأنَّه سمِعَ أهلَ المسجدِ على ذلك. فقال عبدُ اللهِ: مَن هاهنا؟ فوثَبَ نفرٌ، فقال: عَلَيَّ بابنِ النَّوَّاحةِ وأصحابِه. فجِيءَ بهم، وأنا جالسٌ، فقال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ لعبدِ اللهِ بنِ النَّوَّاحةِ: أين ما كنْتَ تقرَأُ مِن القُرآنِ؟ قال: كنْتُ أتَّقِيكُم به. قال: فَتُبْ، فأبى. قال: فأمَرَ قَرَظةَ بنَ كعبٍ الأنصاريَّ، فأخرَجَه إلى السُّوقِ، فضرَبَ رأْسَه. قال: فسمِعْتُ عبدَ اللهِ يقولُ: مَن سرَّهُ أنْ ينظُرَ إلى ابنِ النَّوَّاحةِ قتيلًا في السُّوقِ، فليخرُجْ، فلينظُرْ إليه. قال حارثةُ: فكنْتُ فيمَن خرَجَ، فإذا هو قد جُرِّدَ. ثمَّ إنَّ ابنَ مسعودٍ استشار النَّاسَ في أولئك النَّفرِ، فأشار عليه عَدِيُّ بنُ حاتمٍ بقتْلِهم، فقام جريرٌ والأشعثُ، فقالا: بلِ استَتِبْهم، وكَفِّلْهم عشائرَهم، فتابوا، وكَفَّلَهم عشائرَهم. (تغليق التعليق (3/ 290) وخلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح )
فهل بيئة كهذه يمكن أن تنتشر فيها المعارضات؟ وأن تصل إلينا؟ من الواضح أن الجواب هو لا…
لم يصلنا شيء من الوحي المزعوم للأسود العنسي كذلك، وهو مدعي نبوة ثالث ظهر في نفس تلك الفترة، وتبعه الناس وسرعان ما سيطر على اليمن، ويقال أن ذلك كان في ثلاثة أو أربعة أشهر فقط. لكن المسلمين اغتالوه بالتعاون مع سبية له، كان قد قتل أهلها وسباها لذا فهي بطبيعة الحال تكرهه، فتآمرة على قتله. فمن الواضح إذن أن الأسود العنسي هذا كان شديد البأس، وكان له نفوذ سريع وقوي، ولربما لولا أن المسلمين تآمروا مع هذه المرأة لكان الأسود سينتصر، ولكنا اليوم نصلي ونسلم عليه بدل محمد… والشاهد من الكلام أن الأسود هذا يبدو أنه كان يدعي الوحي كذلك وكان لربما له كتاب، لقول المرأة في رواية قتله: «النبي يوحى إليه» لما سأل الحرس عن صوت الصياح… فكيف كان وحي الأسود المزعوم هذا؟ فهل كان له كتاب يعارض فيه القرآن؟! فالكثيرون من أهل اليمن ارتدوا عن دين محمد وتبعوا العنسي. الحقيقة أننا لا نعلم فكتب المسلمين لم تنقل ذلك…
لم يصلنا من كتب ابن الراوندي كتاب واحد! هو أحد الفلاسفة الذين رموا بالإلحاد. قال ابن الجوزي: زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الراوندي، وأبو حيان التوحيدي، وأبو العلاء المعري، إنتهى (سير أعلام النبلاء (17/ 119)). وكان له الكثير من الكتب منها ما عارض به القرآن، فقال ابن خلكان: أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الرواندي، العالم المشهور؛ له مقالة في علم الكلام، وكان من الفضلاء في عصره، وله من الكتب المصنفة نحو من مائة وأربعة عشر كتابا، منها كتاب فضيحة المعتزل وكتاب التاج وكتاب الزمرد وكتاب " القصب " وغير ذلك. وله مجالس ومناظرات مع جماعة من علماء الكلام، وقد انفرد بمذاهب نقلها أهل الكلام عنه في كتبهم، إنتهى (وفيات الأعيان (1/ 94)).
فهذه الكتب المائة وأربعة عشر أين هي؟! للأسف لم يتبق منها أي شيء الآن… وإنما ما لدينا من كلامه هو فقط من كتب المسلمين الذين ردوا عليه. فالمسلمون يتحدون الناس بالقرآن، ويطمسون كتب من يرد! فإن كانوا يفعلون ذلك مع ابن الراوندي الذي ظهر في زمن أكثر انفتاحا، فما أدرانا أنهم لم يفعلوه مع كفار قريش ومشركي العرب؟!
الفصل الرابع: في ضوء اللغة
لدراسة الإعجاز البلاغي بشكل صحيح، فيجب أن نقف على ما يلي من نقاط:
1: ما هي أقسام اللغة العربية؟
كلام العرب لا يخرج عن كونه شعرا ونثرا، ولا تعرف العرب غيرهما. فالشعر: ما يكون منظوما وموزونا على البحور المعروفة. أما النثر: فما لا يكون على ذلك. يقول ابن خلدون: اعلم أن لسان العرب وكلامهم على فنين في الشعر المنظوم وهو الكلام الموزون المقفى ومعناه الذي تكون أوزانه كلها على روي واحد وهو القافية. وفي النثر وهو الكلام غير الموزون وكل واحد من الفنين يشتمل على فنون ومذاهب في الكلام، انتهى (تاريخ ابن خلدون (1/ 781)).
2: إذا ما هو القرآن؟
القرآن -كما سبق أن قلنا- لا يلتزم بأي بحر شعري، وإن وقع في بعضها مصادفة لذا؛ يمكن أن نقول إنه نثر، على الرغم من الكلام الشائع أنه ليس شعرا ولا نثرا. كقول طه حسين: ولكنكم تعلمون أن القرآن ليس نثرا، كما أنه ليس شعرا، إنما هو قرآن ولا يمكن أن يسمى بغير هذا الاسم، انتهى (من حديث الشعر والنثر (ص 26)). فهذا الكلام غير منطقي إذ إن المسألة قسمة حاصرة. فالكلام إن لم يلتزم بشروط الشعر فهو تلقائيا نثر، شاء من شاء وأبى من أبى. فلا أرى إنكار ذلك إلا محاولة عاطفية لإبعاد القرآن بقدر المستطاع عن صنائع البشر. لكنها محاولة توقع قائلها في العبث. إلا أن يقوم بخلق نظام كامل جديد لتصنيف الأدب العربي، وهذا حتما مستهجن وخارج نطاق من يدعي هذا الادعاء عادة، بل يمكن أن نقول دائما.
فبكل صراحة، لا أرى القرآن سوى نثر مسجوع، أو فلنقل محاولة لمجاراة السجع قد تختلف في بعض الأحيان. السجع هو: توافق الفواصل في الحرف الأخير (أو ما يقاربه) في كلام منثور، مع قصد سابق لهذا التوافق. فمن هذا الحيث هو حاضر في كثير من آيات القرآن، غير أن البلاغيين رفضوا إدراجه في باب السجع الاصطلاحي، بدعوى أن فواصله غير متكلفة ولا منتظمة على نسق واحد، وأنها تابعة للمعنى لا حاكمة له. غير أن هذا التمييز قائم على معايير تقويمية ذوقية، لا على حدود لغوية صارمة، مما يجعل إخراج القرآن من السجع حكما اصطلاحيا قابلا للمساءلة. فمن الذي يحكم في أن سائر السجع "متكلف"؟ وبأي معايير موضوعية قابلة للقياس؟ بل نحن نعلم أن العرب كانوا قادرين على تجنب التكلف حتى عند الالتزام بشروط أضيق في الشعر. فهل سنقول فعلا بعد ذلك إنهم لم يتمكنوا من إنتاج أي سجع غير متكلف؟ وهل كون القرآن غير منتظم على نسق واحد حسنة أصلا؟ فهو أشبه بمن يعجز عن الالتزام بنسق واحد فيضطر للتحول المستمر، وهذه حتما ليست بميزة.
3: هل نظم القرآن أفضل من الشعر، أم العكس؟
تخيل أن أستاذ لغة عربية طلب من طلابه تقديم مشروع، وهو أن يكتبوا نصا وفقا لأحد أسلوبين. الأول: أن يلتزم الطالب ببحور الشعر المعروفة، وبالوزن، وبقافية صعبة كقافية الهمزة أو الظاء أو الذال مثلا، كل هذا من غير أن يظهر التكلف. أما الثاني: ألا يلتزم الطالب بأي بحر أو وزن حقيقي، وألا يلتزم حتى بطول معين قبل الإتيان بحرف الروي، وأن يعتمد على قافية سهلة في جل كلامه، كقافية الألف والنون أو الواو والنون. فتخيل بعد ذلك أن طالبين قدما المشروع، أحدهما عمر، وقد اختار الأسلوب الأول. والثاني خالد الذي اختار الأسلوب الثاني. ففي هذه الحال، من في رأيك أقوى في اللغة العربية؟
هذا تماما هو واقع الأمر عند مقارنة الشعر بالقرآن، فلوازم الشعر أضيق، إلا أن الشاعر المتمكن يأتي ببديع الكلام من غير تكلف. أما الأسلوب القرآني أوسع بكثير، فهو أسهل التطبيق. فانظر مثلا إلى ألفية ابن مالك، فهو يلتزم بشروط الشعر الضيقة ومع ذلك يتمكن من شرح قواعد اللغة بإتقان وبلا تكلف. أما أنظر إلى القرآن، وسترى كيف أنه لا يلتزم حتى بأبسط الأمور، يستخدم قوافي سهلة في أغلبه، ومع ذلك يغير القافية بلا نمط وقانون معين. وبل حتى طول الآية فمع أنه غير مقيد ببحر أو وزن إلا أنه لا يلتزم بنمط ثابت:
فانظر كيف تتراوح الفواصل بين (خالدون، أثيم، يحزنون، مؤمنين، تظلمون، تعلمون، يظلمون) كلها قواف سهلة بالنون والميم، ومع ذلك لا ينتظم على نسق واحد حتى في هذه السهولة بل يطيل للغاية. فكيف يقارن هذا بالشعر؟ الذي يلتزم بالبحر والوزن، وفوق ذلك بقواف ليست بالضرورة الأسهل، كل ذلك دون أن يظهر التكلف، كقول المتنبي:
الهمزة وإن لم تكن أصعب القوافي، فهي أضيق من الألف والنون التي يعتمد عليها القرآن. أو كقول جرير:
فحتى مع قافية الألف والنون التي يكثر القرآن من استخدامها، فإن جرير يلتزم بالبحر والوزن الدقيق، بينما القرآن حر من هذه القيود، فأيهما أصعب وأبلغ؟ ولو أردنا أمثلة بقواف أصعب كالظاء أو الذال أو الخاء، لوجدنا الشعراء يلتزمون بها مع الوزن والبحر، بينما القرآن يتجنب هذه القوافي الصعبة كليا.
4: أمثلة من القرآن فيها ركاكة وتكلف
فمع هذا كله، لا تزال تجد في القرآن تكلف وركاكة في مختلف الآيات:
كالحلف في بداية السور:
>(وَٱلۡعَٰدِيَٰتِ ضَبۡحٗا (1) فَٱلۡمُورِيَٰتِ قَدۡحٗا (2) فَٱلۡمُغِيرَٰتِ صُبۡحٗا (3) فَأَثَرۡنَ بِهِۦ نَقۡعٗا (4) فَوَسَطۡنَ بِهِۦ جَمۡعًا (5)) [العاديات]
فسورة العاديات مثلا، تبدأ بقسم طويل بالخيل المغيرة على العدا، بكثير من التفاصيل الحسية، ثم تنتقل فجأة إلى الحديث عن كنود الإنسان وحبه للمال، دون أي رابط واضح بين المقدمة والموضوع. فما علاقة الخيل المغيرة بطبيعة الإنسان الطماعة؟ المفسرون حاولوا إيجاد روابط متكلفة كأن يقولوا: الخيل التي تغير تشبه الإنسان الذي يطمع، لكن هذا تأويل بعدي لا يظهر من النص ذاته. والأرجح أن القسم جاء لموافقة السجع (ضبحا، قدحا، صبحا، نقعا، جمعا، كنود، شهود، شديد)، وهذا تكلف واضح في سورة قصيرة كان يفترض أن تكون محكمة البناء. بل إن هذا القسم الطويل يشغل نصف السورة تقريبا دون أن يضيف شيئا لمعناها الأساسي، وهذا يضعف البنية الموضوعية للسورة بدلا من أن يقويها.
الاعتماد المفرط على عبارات ختامية متكررة لإنهاء الآيات بسجع سهل، مثل:
>إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (تتكرر 91 مرة)
>إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (42 مرة)
>إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (42 مرة)
>وغيرها…
هذا التكرار الممل يفقد هذه العبارات قوتها البلاغية، ويحولها إلى حشو موسيقي ميكانيكي لايضيف للمعنى شيئا في كثير من الأحيان. انظر مثلا:
>(فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعۡدَ مَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثۡمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ (181) فَمَنۡ خَافَ مِن مُّوصٖ جَنَفًا أَوۡ إِثۡمٗا فَأَصۡلَحَ بَيۡنَهُمۡ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ (182)) [البقرة]
>(إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفۡتَدُواْ بِهِۦ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنۡهُمۡۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ (36) يُرِيدُونَ أَن يَخۡرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنۡهَاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ (37) وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ (38) فَمَن تَابَ مِنۢ بَعۡدِ ظُلۡمِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ (39)) [المائدة]
>(وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوۡجٞ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ فَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٖ كَفُورٖ (32) يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡ وَٱخۡشَوۡاْ يَوۡمٗا لَّا يَجۡزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوۡلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ (33) إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ (34)) [المائدة]
المعنى يكون مكتملا قبل هذه الإضافات، لكنها تلحق لتحقيق السجع بقافية سهلة (ـيم، ـيم، ـير). ولو أن شاعرا كرر نفس القافية والمعنى 91 مرة في قصائده، لعد ذلك ضعفا بلاغيا صارخا. فكيف يعتبر هذا إعجازا؟
ايآت ركيكة المعنى مثل:
>(لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [ النور: 61]
فهذه الآية مثلا ركيكة المعنى، بل لا يكاد يفهم لها معنى واضح، ولذلك اختلف فيها المفسرون. فقد حاول بعضهم تفسيرها بأن العرب كانوا يكرهون ويتحرجون من الأكل مع ذوي الإعاقات كالأعمى والأعرج والمريض، فنزلت الآية لرفع هذا الحرج. غير أن الآية في الحقيقة لم ترفع الحرج عنهم في الأكل مع سائر الناس، بل رفعته عنهم في الأكل من بيوتهم، وهو أمر بديهي بطبيعته.
كما أن هذا التخصيص يضعف الشمول، إذ لو قيل: «لا حرج على ذوي الإعاقات» لكان أعم وأدق، أما تخصيص الأعمى والأعرج والمريض فيوحي بإقصاء غيرهم كالأصم والأبكم. ومن ثم فالآية لا تضيف معنى جديدا، بل تقرر بديهيات، كإباحة الأكل من بيوتنا وبيوت أهلنا، أو من البيوت التي نملك مفاتيحها، وهو إما فهم غير مقبول إن أخذ على إطلاقه، أو معنى متفق عليه لا يحتاج إلى نص قرآني أصلا.
الأحرف المقطعة
مع أن القرآن يقول أنه نزل:
>(بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) [سورة الشعراء: 195]
إلا أنه مليء بهذه الأحرف المقطعة في بدايات بعض السور:
>(كهيعص) [مريم: 1]
>(الم) [ آل عمران: 1]
>(المر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ۗ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) [ الرعد: 1]
>(الم) [البقرة: 1]
بل من المضحك أن الآية الثانية من سورة البقرة تقول:
>(ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) [البقرة: 2]
فهذه الحروف المقطعة بلا معنى واضح، أليس في ذلك ريب؟ حتى أن وصل الأمر بالمفسرين أن قالوا إنها من أسرار القرآن التي استأثر به الله لنفسه… إذا لماذا يرسلها في كتابه الأخير للبشر؟
الفصل الخامس: من مثله
والآن، سنأتي بمثله! لكن أولا علينا أن نرد على من يقون أن "من مثله" تعني أن نأتي بأسلوب جديد وليس أن نقلد أسلوب القرآن. فنحن عندما نأتي المسلمين بكلام بنفس أسلوب القرآن يقولون: «لا التحدي أن تأتي بشيء جديد» أما إذا أتينا بشيء جديد يقولون: «لا هذا ليس من مثل القرآن». فالمسلم دائما يغير الهدف والتحدي كما يحلو له في أي نقاش.
العرب عندما كانت ترد على بعضها البعض في الشعر، كانت تشترط أن تكون قصيدة الرد على نفس البحر لكي يكون للرد معنى. وهذا بديهي لأن المراد من الرد هو أن يري الشاعر خصمه أنه يستطيع أن يأتي بقصيدة أفضل منه على نفس البحر وبنفس الشروط، فهذا ما جرت به عادة المعارضات والردود في الشعر عند العرب. مثال على ذلك نقائض جرير والفرزدق والأخطل في العصر الأموي، حيث كانوا يردون على بعضهم البعض بقصائد على نفس البحر العروضي ونفس القافية أحيانا. ومثل معارضة البحتري لسينية أبي تمام، حيث نظم قصيدته الشهيرة «صنت نفسي عما يدنس نفسي» على نفس بحر وروي قصيدة أبي تمام «السيف أصدق أنباء من الكتب» وتطول الأمثلة.
فمن البديهي أن القرآن الذي يقول المسلمون أنه أتى العرب بالمعجزة بما كانت تعرف وتحترف، من البديهي أنه قصد بالتحدي أن نأتي بكلام على نفس الأسلوب للرد. بالتأكيد من مثله تعني بنفس أسلوبه اللغوي هذا بديهي. وإن فهمنا التحدي على ما يقولون لن يكون له معنى، فمثلا الشعر الحر هو أسلوب جديد في الأدب، ظهر في منتصف القرن العشرين. فهذا هل لأنه أسلوب جديد مبتكر يعني أصبح معجز فجأة؟ بالتأكيد لا. هذا إن تنازلنا وقلنا أن القرآن أتى بأسلوب جديد، وهو لم يفعل فهو مجرد نثر مسجوع تعرفه العرب حق المعرفة قبل الإسلام وبعده.
شكرا على القراءة ♡