في شغلة عن تربيتنا بالأردن صارلي سنين متردد أحكيها
طلعت من الأرذن على أمريكا وعمري 23 سنة، واليوم عمري 38. ومن زمان وأنا بفكر أكتب عن المشاكل اللي ورثونا إياها أهلنا بالتربية، بس بصراحة دايمًا بتردد. يمكن لأنه مش عارف قديش الناس هون رح تفهم اللي بحكي عنه، أو إذا أصلًا مرّوا بنفس التجربة.
في مشكلة كبيرة بتربيتنا بالأردن، وبكثير من المجتمعات العربية، وخصوصًا عند الآباء.
الأب بخلف ولد وبفكر إنه الولد نازل على الدنيا مبرمج وجاهز، وكل اللي عليه يعمله إنه يعطيه أوامر:
قوم اشتغل، قوم ادرس، ليش نايم؟ ليش ما تجوزت؟ ليش ما فتحت مشروع؟ شوف ابن فلان، شوف ابن علان، استرجل، اعتمد على حالك!
طيب يا عمي، إنت شو عملت؟ شو علّمت ابنك أصلًا؟
علّمته كيف يلاقي شغل؟ كيف يتعامل مع الناس؟ كيف يبني علاقات؟ كيف يتعرف على بنت ويتزوج؟ كيف يفتح مشروع؟ كيف يتعلم مهارة جديدة؟ كيف يحل مشاكله؟ كيف يصبر ويتعامل مع الفشل؟
ولما فشل، وقفت معه؟ فهمت ليش فشل؟ حاولت تساعده يفهم المشكلة ويتجاوزها؟ ولا بس قعدت تذكّره بفشله وتقارنه بغيره؟
هل استوعبت أصلًا إنه الولد اللي إنت خلّفته مش نازل على الدنيا فاهم كل إشي، وإنه بده حدا ياخد بإيده ويعلّمه كيف يواجه الحياة؟
ولا إشي من هالحكي. بس أوامر ومقارنات وتأنيب طول اليوم.
والمصيبة الأكبر إنه كثير من الآباء نفسهم مسحوقين من نفس المجتمع والظروف اللي عاشوا فيها. الواحد منهم يدوب لقى وظيفة وستر حاله فيها من أيام زمان، وبعرف قديش البلد صعبة وقديش الفرص قليلة، ومع هيك بخلف أولاد وبطالبهم ينجحوا بحياة هو نفسه ما كان عارف كيف يتعامل معها.
والأسوأ إنه في آباء مش مستعدين يعترفوا أصلًا إنه عندهم مشاكل من تربيتهم وتجاربهم. بدل ما يحاولوا يفهموها ويعالجوها، بنقلوها لأولادهم، وبصيروا يمارسوا عليهم نفس الضغط اللي عاشوه.
إنت مش بس مسؤول إنك تجيب ولد على الدنيا وتطعميه وتلبسه. إنت مسؤول تعلّمه كيف يعيش فيها.
مش معقول ما تعلّم ابنك كيف يمشي، وبعدين تقضي عمرك تصرخ عليه ليش مش قاعد يركض!
وهاي المتاهة اللي حطونا فيها أهلنا، وحطوا حالهم فيها قبلنا. لا حدا راضي يعترف بالمشكلة، ولا حدا راضي يطلع منها، وكل جيل بسلّم الجيل اللي بعده نفس المشاكل، وبطالبه ينجح رغم كل إشي.
واللي بقهرك أكثر إنه بعض الآباء بدل ما يواجهوا فشلهم أو يعترفوا إنهم ما عرفوا يجهزوا أولادهم للحياة، بصيروا يحمّلوا الأولاد مسؤولية كل إشي. وكأنه فشل الابن دليل على تقصيره هو، مش ممكن يكون نتيجة لسنين من التربية الناقصة والضغط والمقارنات.
وبالأخير بنقعد نحكي ليش شبابنا ضايعين، ليش ما عنا إنتاج، ليش ما عنا قوة، وليش كل العالم متآمر علينا.
طيب إحنا شو عملنا بأولادنا أصلًا؟ وكيف بدنا نبني مجتمع قوي إذا إحنا من داخل بيوتنا بنكسّر الإنسان اللي المفروض يبنيه؟
مشكلتي مش مع الأب اللي ما عرف ينجح بحياته. مشكلتي مع الأب اللي ما عرف ينجح، وما علّم ابنه كيف يحاول، وبعدين قضى عمره يلومه لأنه ما نجح.