الكلب وكوكرين ومعركة باسك - نظرة تأمّليّة عن العاطفة وسطوتها على العقل
كلمات ممكن لوهلة ما تربطش بينهم بسّ في الحقيقة في بينهم رابط لذيذ وتعمّدت كتابة العنوان بالشكل ده كهوكّاية أجذبك بيها لقراية البوست يا شقي هه
أحد الصفات المميّزة للعرق البشري هيّا العاطفة واللي بتختلف درجة قوتها من إنسان للتاني، ولكن لا يختلف اتنين إنّها عامل قوي ومؤثّر في حياة الإنسان، بل ممكن نتمادى شويّة ونقول إنّها في بعض الأحيان بتطغى على حياة الإنسان بالكلّيّة. ولكن يا ترى لأيّ درجة؟
أحد أوائل ألعاب الفيديو اللي لعبتها في حياتي وعشقتها لحدّ الجنون لعبة اسمها Sea Dogs.بتدور أحداثها في القرن الـ17 حيث بتكون قبطان سفينة شراعيّة فيها وبتخوض مغامرات بحريّة متنوعة في عصر الصراع فيه على الهيمنة البحريّة بين الإنجليز والفرنسيس والأسبان على أشدّه (وطبعًا القراصنة) فكانت أرضيّة صلبة للعبة قويّة جدًّا في زمانها.
اللعبة ده خلّتني علطول عاشق لعصر الأشرعة Sail age والممتدّ من القرن الـ15 وحتّى القرن الـ18، أيّ حاجة ليها علاقة بالسفن الشراعيّة كانت بتخطفني وبتجذبني ليها بدءًا من تصميم السفن المغري مرورًا بالنظام الإداري المبهر والمتقن لقيادة السفن ووصولًا لصفوف المدافع اللي صوت إطلاقها بيدي نشوة مش طبيعية!
ده خلاني علطول أقرأ أكتر عن الحقبة ده والشخصيّات المميّزة فيها؛ القرصان ذو اللحية السوداء وأدميرال يي وأدميرال نيلسون والإخوة بربروسا وغيرهم كتير. كلّ واحد فيهم ليه قصة مثيرة لأبعد الحدود. لكن أكتر واحد قصّته مثيرة ومجنونة وملحميّة بلا منازع فيهم كلّهم هوّا ذئب البحر الأدميرال الأسكتلندي كوكرين!
كوكرين هوّا أكتر إنسان جسمه أفرز أدرينالين على حدّ اعتقادي. من أوّل ما وعى على الدنيا لغايت موته وهوّا دايمًا بيصارع البحر في مغامرات تعجز السينما عن تصويرها وتحت رايات مختلفة. عشان يتعمل ليه مسلسل بسّ مش هيكون أقل من عشر مواسم من كتر المغامرات اللي خاضها واللي كانت تقريبًا في جميع أنحاء العالم (مش للدرجادي بسّ هوا راح أماكن بعيدة ومختلفة). الراجل ده كنت -ومازلت- موهوم بيه وبقصّة حياته اللي خلالها مش بسّ حقّق البطولات اللي بيحلم بيها أيّ مغامر عايز يعيش مغامرات البحار السندباديّة بل غيّر مصائر أمم بحالها!
أهمّ إنجازين عملهم في حياته إنّه كان أقوى عامل في إنهاء الحرب النابولونية لصالح إنجلترا بحرًا وخلّى دول أمريكا اللاتينية تحصل على استقلالها من القوى الاستعمارية (اللي هوّا أصلًا كبريطاني منهم 😂). قصّة حياة ذئب البحر مليانة مش بسّ أكشن لأ كمان بلوت تويستات وتغيّرات غير متوقّعة إطلاقًا ومش هقدر اذكر ولو جزء بسيط منها هنا.
وانا بقرأ ليه في أكبر معركة بحريّة خاضها في حياته على الإطلاق (معركة باسك) واللي كانت فاصلة في تحديد المنتصر في الحرب النابولونية بين إنجلترا وفرنسا لقيت شيء ذهلني للقاع (وده شيء هتتعوّدوا عليه لما تقروا سيرة ذئب البحر): المعركة مش هقدر اسرد تفاصيلها هنا لكن يكفي إنّكم تعرفوا إنّ الأسطول الفرنسي الجبّار كان واخد وضعيّة دفاعيّة بجانب ساحل باسك الفرنسي بشكل يخلّي أيّ هجوم من طرف إنجلترا مهما كان حجمه يتحوّل لعمليّة انتحاريّة. كوكرين اللي كان قبطان تحت راية إنجلترا وقتها قرّر بعد عجز أفضل قادة الأسطول الإنجليزي في الإتيان بخطّة لكسر دفاع الأسطول الفرنسي إنّه يدي للفرنسيس مرادهم: عمليّة انتحاريّة!
لمّا تمعّن كوكرين في وضعيّة الأسطول الفرنسي وجد إنّ الوضعيّة الدفاعيّة زيّ ما مدّية ميزة ضخمة للفرنسيس ففيها عيب وهوّا إن السفن كلها كانت متكتّلة ومتكثّفة في مساحة ضيّقة. فكرة ذئب البحر كانت أشبه بتفجير انتحاري بسّ من غير أي خساير للطرف اللي بينفّذها. قرّر يملأ 3 سفن من ضمنهم سفينته الشخصية بأطنان من المتفجّرات وإرسالها مباشرة لقلب الأسطول الفرنسي وإخلاء السفن بعد إشعال المتفجّرات دقائق قبل الانفجار. كانت فكرة غير تقليديّة وقتها لكن إذا نجحت فخساير السفن الفرنسية هتبقا ضخمة لتجمّعها وتكثّفها في مساحة ضيّقة. العمليّة اتنفّذت بالليل وبالفعل الساعة 8 ونصّ وبعد تثبيت مسار السفينة ناحية الأسطول الفرنسي أشعل طاقم القبطان كوكرين الفتيل اللي كان هيفجّر المتفجّرات بعد عشر دقايق. وبعد امّا هرب الطاقم والقبطان من السفينة باستخدام قوارب النجاة ذئب البحر اكتشف إنه نسي حاجة غاية في الأهمية على السفينة... نسي كلبه!
هنا اتصدمت بل حتّى رفضت اصدّق اللي حصل بعدها. كوكرين أمر طاقمه بالإبحار تاني تجاه السفينة اللي واكلها اللهب عشان ينقذ كلبه. أنا عايزكم تتخيّلوا معايا الموقف ده كويّس. الواحد في الحرب من شدّة هول الموقف والرعب وتعرّض حياته الدائم للخطر ممكن ينسى ابنه، فما بالكم بمعركة غاية في الحساسية في تحديد مصير الحرب أقلّ غلطة فيها بفورة؟ ما بالكم بمكان حتمًا هينفجر في أيّ لحظة والمفروض كامل التركيز منصبّ على الهروب من سخط النار والانفجار بأسرع ما يمكن؟ في خضمّ الأهوال ده كلّها اللي الواحد فيها يعجز عن التفكير في الملك أو العائلة أو حتّى الفلوس يقوم يفكّر في كلبه؟
قضّيت فترة طويلة من حياتي مقتنع إنّ اللي عمله كوكرين ده جنون فاضي مالوش لزمة؛ حتّة كلب مش مستاهل التضحية بالنّفس عشانه. ومش لوحدي اللي كنت مقتنع بكدة بدليل إنّ القيادة العسكريّة سجنت كوكرين بعد الواقعة ده لأنّه عرّض حياة البحّارة للخطر بلا داعي. لغايت امّا في مرّة وانا ماشي في الشارع شوفت كلب صغيّر (جرو) رجله مكسورة وكان بيتألّم ألم بشع وبينبح نباح يكسر القلب. فضلت واقف باصص ليه ولمّا شافني فضل يزحف ناحيتي كأنّه بيتوسّل إنّي أنقذه من معاناته. هنا قرّرت اشيله واجري بيه لأقرب عيادة بيطريّة عشان أعالجه. وبعد امّا سيبته في العيادة رجعت البيت وانا معتقد (زيّ أيّ واحد عمره ما اتعامل مع كلب) إنّ الكلب ده مش هيتعرّف عليّا تاني أو ماعندوش الإمكانيّة يعرف أصلًا لأنّ النص ساعة اللي قضّيتها معاه في حمله والجري بيه للعيادة هوّا قضّاها في الأنين ومحاربة الألم دون أدنى اهتمام مين اللي شايله.بعد يومين روحت اتطّمّن عالكلب في العيادة وإذا بي أُفاجأ إنّ الكلب بعد امّا بقا أحسن ولله الحمد لمّا شافني من بعيد انتفض وهزّ ديله بعد ما كان مستلقي مش قادر يتحرّك وزحف بأقصى سرعة ناحيتي ومسك رجلي وفضل يلحس فيها بشكل هستيري ويبصّ ليّا وهوّا مبتسم. الكلب عرف أنا مين، قدر يتعرّف عليّا وفهم إنّ انا ساعدته في محنته وفي مقابل المساعدة البسيطة التافهة ده أكاد اقسم إنّه كان مستعد يضحّي بحياته عشاني. كانت من أصعب لحظات حياتي لما اضطّررّيت أمشي والكلب فضل ينبح بحزن ليّا عشان ما امشيش. لو كان بيعرف يمشي كويّس أنا متأكد إنّه كان هيجري ورايا وما يفارقنيش.
هنا أنا أعدت التفكير تاني. حدود استيعابي لسطوة العاطفة على العقل بقت أوسع ولكنّها بقت مخلّياني أشكّ في نفسي وفي قراراتي: هل أنا واثق من قراري ده عشان فعلًا هوّا مبني على تحليل منطقي عقلي تبنّاه بشكل محايد؟ ولّا العاطفة تدخّلت عشان تأثّر على قراري؟ ولو كدة فازّاي اعرف بالظّبط مقدار تأثير العاطفة على تفكيري العقلاني؟ النوع الغير معهود من العاطفة اللي حسّيتها تجاه كلب ما اعرفوش كان كفيل بإنّه يخلّيني فعلًا أخاطر بحياتي عشانه. الموضوع طبعًا غير منطقي وغير مقبول عقلًا لكن من ناحية العاطفة فهوّا ده الأمر المنطقي المقبول الوحيد. ساعتها قولت لنفسي لو كلب كوكرين أبدى إليه ربع العاطفة اللي الجرو الصغيّر ده أبداها ليّا فانا كنت هعتبر إنّ الحاجة الوحيدة الغير منطقيّة والغير مقنعة هيّا إنّه يسيب كلبه عالسفينة!