ضحايا الأثر الصفري
في ذلك الصباح الباكر.
لم تكن الغابة المهجورة في أطراف مدينة بريستول تستيقظ على أصوات الطيور هذه المره .
بل على صفارات سيارات الشرطة التي شقّت سكون المكان
كان الضباب لا يزال عالقًا بين الأشجار،
بينما تحرك أفراد الأدلة الجنائية بخطوات هادئة، يحيطون بالموقع بشريط التحذير، ويثبتون العلامات الصفراء فوق الأرض الرطبة.
في منتصف الطريق الترابي، كانت آثار الدم تمتد على مساحة واسعة، كأن شيئًا عنيفًا انتهى هنا منذ ساعات قليلة.
أما الجثة.
فلم يكن من السهل حتى تسميتها جثة .
لم يبق منها ما يسمح بالتعرف إلى صاحبها، ولا ما يكفي لمنح المحققين بداية واضحة.
اختفت الملامح، تمزقت الملابس، تفتت العظام، وبقيت الأرض وحدها تحتفظ بما حدث.
وقف أحد خبراء الأدلة الجنائية يتأمل محيط المكان، قبل أن ينحني قليلًا ويفحص التربة.
قال بصوت خافت:
لا توجد آثار تشير إلى أن الجثة نُقلت إلى هنا.
رفع المحقق نظره عن الأرض.
إذًا... حدث كل شيء في هذا المكان
عاد الجميع إلى عملهم.
عدسات الكاميرات تلتقط التفاصيل.
أكياس الأدلة تُغلق واحدًا تلو الآخر.
ولم يكن يُسمع سوى وقع الأقدام فوق الطين، وصوت أجهزة التصوير التي تكسر الصمت بين حين وآخر.
ثم...
ارتفع صوت أحد أفراد التمشيط من أطراف الغابة.
سيدي...
لم يكن في صوته ارتباك، لكنه كان كافيًا ليجعل جميع الرؤوس تلتفت نحوه.
وقف الشرطي بين الأشجار، مشيرًا إلى الأمام دون أن يقترب.
تقدم المحقق ويليام تشارلز ومعه اثنان من الضباط.

وعندها
ظهرت امرأة.
كانت تقف على مسافة ليست بعيدة عن الطريق، ساكنة تمامًا،
كأنها لم تشعر بوصول أحد.
لطخت الدماء ملابسها، وامتدت آثارها إلى يديها ووجهها.
لكنها لم تبدُ مصابة.
ولم تحاول الهرب.
اكتفت بالنظر إليهم في صمت، بنظرة شاردة يصعب تفسيرها.
اقترب أحد الضباط بحذر.
سيدتي... هل تسمعينني؟
لم تُجب
اقترب خطوة أخرى.
هل أنتِ بخير؟
رفعت رأسها ببطء، وكأنها عادت إلى الواقع بعد غياب طويل.
تحركت شفتاها أخيرًا، وخرج صوتها بالكاد يُسمع:
أنا... فعلت ذلك.
ساد الصمت.
لم يندفع أحد لطرح الأسئلة.
ولم يحاول أحد تفسير ما سمعه.
تبادل الضباط نظرات سريعة، ثم تقدم اثنان منها وفق الإجراءات المعتادة، وقيدا يديها بهدوء.
لم تعترض.
بقيت تنظر أمامها...
كأنها لا ترى الطريق.
بعد أقل من ساعة، جلست داخل غرفة التحقيق.
يداها فوق الطاولة المعدنية.
وعيناها معلقتان في الفراغ.
سألها أحد الضباط عن اسمها.
لم تجب.
أعاد السؤال.
لم تنظر إليه.
تبادل الحاضرون نظرةً قصيرة.
ثم طلب المحقق ويليام حضور الإستشاري النفسي .
لم تمضِ دقائق...
حتى دخل الطبيب أليستر كاين الغرفه.

ألقى نظرة واحدة عليها.
ثم جلس في صمت.
أما ويليام.
فظل واقفًا يراقب.
جلس أليستر كاين في مواجهتها.
ثم قال بهدوء:
هل تتذكرين اسمك؟
لم تجب.
ارتجفت أصابعها فوق الطاولة... ثم سكنت.
تقدم ويليام خطوة.
هل تعرفين من كانت الضحية؟
لم تنظر إليه.
بقي بصرها معلقًا في مكانٍ ما خلف كتف الطبيب.
ثم خرج صوتها خافتًا:
أنا... من قتلها.
ساد الصمت.
أغلق أليستر الملف دون أن يرفع عينيه عنها.
كيف؟
لم تجب.
اقترب ويليام أكثر.
أين الأداة؟
اتسعت حدقتاها فجأة.
وانقبضت أصابعها بقوة.
كأن سؤالًا واحدًا كان كافيًا ليوقظ صورةً لم يرها أحد غيرها.
تحركت شفتاها ببطء.
أنا... من قتلها.
نظر أليستر إلى ويليام.
ثم قال بهدوء:
أوقفوا الاستجواب.
في الخارج، وقف ويليام تشارلز مع فريقه قرب السيارة.
قال أحد الضباط:
سنحاول أولًا تحديد هويتها.
أومأ ويليام.
وحين نعرف من تكون، نعود إلى ما قالته.
نظر إلى بقية الفريق.
يمكن أن تكون تلك الجملة هي الخيط الوحيد الذي لدينا.
ثم اتجه نحو السيارة.
لم يكن أحد يعرف من كانت المرأة.
لكنهم عرفوا شيئًا واحدًا.
أنها ليست الحقيقة الكامله.
بعد أيام.
عثر فريق التمشيط على مطرقة، مدفونة بين الطين والأوراق، في عمق الغابة.
أظهرت الفحوص الجنائية تطابق آثار الدم العالقة بها مع بقايا الضحية.
أما البصمات.
فلم يُعثر على ما يكفي فوق المقبض سوى آثار تعود إلى المرأة.
أغلق ويليام تقرير المختبر ببطء.
كانت الأداة قد عُثر عليها.
والاعتراف مسجلًا منذ الساعات الأولى.
ومع ذلك...
لم يُجب أيٌّ منهما عن السؤال الأهم.
كيف انتهت الأحداث إلى ما انتهت إليه؟
وقف أحد الضباط يدون أقوال رجل في منتصف الأربعينيات، بدا عليه التردد.
قال وهو يحاول أن يتذكر:
رأيتها.
رفع الضابط رأسه.
أين؟
أشار الرجل إلى الطريق المؤدي نحو أطراف الغابة.
كانت تمشي وحدها... ملابسها كانت ملطخة بالدماء.
تردد لحظة.
ظننتها مصابة بحادث. لكنها لم تطلب المساعدة... ولم تلتفت حتى عندما مررت بجوارها.
دوّن الضابط آخر جملة.
ثم انطلق أول خيطٍ حقيقي خارج الغابة.
قادهم الخيط إلى أطراف حي Leigh Woods.
حي هادئ، تفصل الأشجار بين منازله، وتختفي خلف أسواره بيوت لا يلفت وجودها الانتباه.
كان المحققون يطرقون الأبواب واحدًا تلو الآخر.
أسئلة قصيرة.
وصورة واحدة.
وعند أحد المنازل..
تأملت سيدة مسنة الصورة لثوانٍ.
ثم قالت دون تردد:
أعرفها.
رفعت إصبعها نحو الطريق الممتد بين الأشجار.
تعيش هناك... في آخر الطريق.
تبادل الضباط نظرة سريعة.
وبعد دقائق...
كانت سيارات الشرطة تتوقف أمام بوابة حديدية مرتفعة.
خلفها، انتصب قصر كبير، معزول عن بقية منازل الحي، كأنه اختار أن يبقى بعيدًا عن الجميع.
رفع ويليام بصره إلى المبنى.
كان المنزل هادئًا بصورة غير مريحة.
كل شيء في مكانه.
الأثاث مرتب بعناية، والغبار يكاد لا يُرى، كأن أحدًا لم يغادره إلا قبل ساعات.
انتشر أفراد الفريق في أرجاء القصر، كلٌّ يتولى جزءًا من التفتيش.
لم يجدوا شيئًا في البداية.
حتى جاء الصوت من الحديقة الخلفية.
التفت ويليام.
كان أحد خبراء الأدلة الجنائية واقفًا إلى جوار حفرةٍ ضيقة بين أشجار الزينة، ينظر إلى الأرض دون أن ينطق.
اقترب ويليام.
ولم يحتج إلى أكثر من نظرة.
بقايا عظام...
مدفونة بعناية تحت طبقات من التربة.
ساد صمت قصير.
ثم بدأ العمل من جديد.
بعد أيام...
عاد تقرير المختبر.
توقفت عينَا ويليام عند السطر الأول.
تم التعرف إلى هوية الرفات.
زوج المرأة...
المبلغ عن اختفائه منذ أشهر.
قلب الصفحة ببطء.
ثم توقف مرة أخرى.
آثار مادة سامة ما زالت عالقة ببعض العينات العظمية.
لم يعلّق.
أغلق التقرير في هدوء.
لكن اتجاه التحقيق...
لم يعد كما كان.
وفي أثناء تفتيش المطبخ.
توقفت عين ويليام عند صندوق خشبي صغير، وُضع في زاوية بعيدة عن بقية الأدوات.
فتح الغطاء.
كانت بداخله مطحنة قهوة يدوية قديمة.
بدت غريبة وسط مطبخٍ امتلأ بأحدث الأجهزة.
حُفظت ضمن المضبوطات.
ولم تلفت الانتباه إلا بعد وصولها إلى المختبر.
بين التروس المعدنية...
كانت بقايا مسحوقٍ بنيٍّ دقيق، لا يُرى إلا بعد التفكيك.
جاءت نتيجة الفحص بعد ذلك بأيام.
أعاد ويليام قراءة التقرير مرة، ثم ثانية.
المادة نفسها...
التي ظهرت آثارها في رفات الزوج.
ظل التقرير بين يديه للحظات.
ثم قال بهدوء:
لم يكن حادثًا.
تتابعت الأسابيع.
هدأت ضجة الجريمة في الصحف، لكن داخل قسم التحريات لم يهدأ شيء.
تقدير للعمر، وبقايا ملابس، وبعض الملاحظات التي لم تكن كافية لإغلاق ملف.
بدأت مراجعة بلاغات المفقودين ،ملفًا بعد آخر.
وأثناء تقليب أحد السجلات، توقفت يد الضابط فجأة.
رفع ويليام رأسه.
دفع الضابط ملفًا قديمًا نحوه.
تاريخه يعود إلى عام مضى.
بلاغ اختفاء.
المبلِّغ: داميان هندرسون.
ظل ويليام يقرأ بصمت.
آخر مكان شوهد فيه المفقود
عنوان واحد.
رفع عينيه ببطء.
أعد قراءة العنوان.
قرأه الضابط مرة أخرى.
كان هو نفسه.
المنزل الذي فتشوه قبل أيام.
ساد الصمت.
ثم قال ويليام:
ماذا حدث في هذا البلاغ؟
لم يستغرق البحث في الأرشيف طويلًا.
جاء الرد مختصرًا:
لم يُعثر على ما يدعم الاشتباه بوقوع جريمة... فأُغلق الملف.
أعاد ويليام نظره إلى البلاغ.
ثم إلى صور الرفات.
لم يقل شيئًا.
فقط التقط هاتفه.
أرسلوا عينات من الرفات إلى المختبر... وأعيدوا فتح الملف.
أغلق السماعة.
وظل ينظر إلى الاسم المكتوب أعلى الصفحة.
داخل غرفة التحقيق، في أحد مقرات الشرطة بمدينة بريستول، جلس داميان على الجانب الآخر من الطاولة المعدنية.
كان هادئًا.
هدوءٌ لا يشبه التحدي، ولا يشبه الخوف.
أمامه كوب ماء لم تمتد إليه يده.
فتح المحقق ويليام تشارلز الملف أمامه، ثم رفع نظره إليه.
سيد هندرسون... استدعيناك اليوم بشأن بلاغٍ سبق أن قدمته قبل عام.
لم تتغير ملامح داميان.
بلاغ اختفاء.
تبادل المحققان نظرة سريعة.
قلب ويليام إحدى الصفحات.
كنت خارج البلاد قبل تقديم البلاغ، أليس كذلك؟
نعم.
الولايات المتحدة؟
واشنطن.
دوّن أحد المحققين ملاحظة سريعة، بينما واصل ويليام:
وعدت إلى بريطانيا قبل البلاغ بفترة قصيرة.
صحيح.
ساد الصمت لحظة.
ثم سأل ويليام:
ماذا حدث بعد عودتك.
أجاب داميان بالنبرة نفسها:
ذهبت إلى المنزل.
توقف لحظة قصيرة.
لم يكن هناك أحد.
حاولت التواصل؟
أكثر من مرة.
ثم؟
توجهت إلى الشرطة.
ظل ويليام يراقب وجهه.
وبعد أيام قليلة... غادرت إلى لندن.
نعم.
بهذه السرعة؟
رفع داميان عينيه إليه.
مقر عملي في لندن. تركت لمحاميَّ متابعة البلاغ إذا ظهر أي جديد.
لم يكتب أحد شيئًا هذه المرة.
اكتفى ويليام بالنظر إلى الملف، ثم أغلقه نصف إغلاق.
ما طبيعة علاقتك بالشخص المذكور في البلاغ؟
مرّت ثانية واحدة.
لا أكثر.
ثم قال داميان:
علاقة عاديه.
وصمت.
انتظر ويليام أن يكمل.
لكنه لم يفعل.
فاكتفى بالسؤال التالي.
هل لاحظت أي شيء غير معتاد داخل المنزل قبل مغادرتك
رفع داميان نظره إليه مباشرة.
لا.
لم تكن الإجابة سريعة.
ولا مترددة.
كانت حاسمة.
ساد الصمت مجددًا.
تبادل المحققان نظرة قصيرة، ثم أغلق ويليام الملف بهدوء.
لم يكن في الأوراق ما يناقض أقواله.
ولم يكن في أقواله ما يدفع إلى احتجازه.
بعد دقائق، فُتح باب غرفة التحقيق.
غادر داميان كما دخل.
بخطوات هادئة.
وبقي الملف مفتوحًا على الطاولة.
كأن الأسئلة التي بداخله.
لم تغادر الغرفة بعد.
في الوقت نفسه، كانت خيوط القضية الأخرى تتحرك في
اتجاه مختلف.
لم تكن الضحية تحمل اسمًا.
لكن مراجعة بلاغات المفقودين، وربطها بما ورد من نتائج المختبر، بدأت تفتح بابًا جديدًا.
توقف أحد المحققين أمام شاشة الحاسوب طويلًا.
ثم التفت إلى ويليام.
أعتقد أنك بحاجة إلى رؤية هذا.
اقترب ويليام.
ظل يقرأ بصمت.
اسم.
بلاغ اختفاء حديث.
ثم رفع بصره إلى صورة الرفات التي عُلقت على اللوح المقابل.
لم يقل شيئًا.
اكتفى بسحب الملفين إلى جوار بعضهما.
لم يُسجل أي إعلان رسمي.
لكن داخل فريق التحقيق، بدأت فرضية جديدة تتشكل بهدوء.
فرضية ربطت بين الرفات المدفونة منذ عام.
والجثة التي عُثر عليها في الغابة.
وبعد أيام، وصلت نتيجة المختبر الجنائي.
فتح ويليام الظرف.
قرأ السطر الأول.
ثم أعاده مرة أخرى، وكأنه أراد أن يتأكد أنه لم يخطئ.
ساد الصمت داخل الغرفة.
سأل أحد الضباط:
هل هناك تطابق؟
رفع ويليام الورقة ببطء.
نعم.
توقف لحظة.
ثم قال:
الضحية...
يتبع.....