

رايك؟
أحيانًا بنحكي عن تغيير النفس وكأنه كبسة زر.
قررت أترك عادة؟ خلاص، من بكرة ما برجع لها.
قررت أصير أصلي؟ خلاص، بصير ملتزم.
قررت أغير طبعي؟ انتهى، من اليوم أنا شخص ثاني.
بس إحنا بننسى شغلة مهمة جدًا: إحنا بشر.
إحنا بنتأثر باللي حولنا، وبالأشياء اللي بنكررها، وبالناس اللي بنعيش معهم، وبالأفكار اللي بنسمعها مرة وراء مرة. وأحيانًا الشيء اللي كان غريب علينا بصير عادي، والشيء اللي كنا نرفضه بصير مقبول عندنا من كثرة ما تعودنا عليه.
حتى أبسط مثال: الهاتف.
زمان كان كثير من الأهل يخافوا من الهاتف، وكانوا يشوفوا إن كثرة استخدامه شيء سيئ، واليوم ممكن تلاقي الأب أو الأم نفسهم قاعدين عليه بالساعات، وأولادهم يحكوا معهم وهم أصلًا مش منتبهين. طبعًا مش كل الناس هيك، لكن الفكرة إن الإنسان ممكن يتغير موقفه وسلوكه مع الوقت والتعوّد.
وممكن نشوف هذا حتى بطريقة تفكيرنا.
تخيل طفلًا تسأله:
هل عادي الواحد يسرق؟
غالبًا رح يقول لك: لا، السرقة غلط.
لكن لو غيرت السؤال وقلت له: طيب، لو كان محتاج؟ لو كان عنده سبب؟
ممكن يبدأ يبحث عن مبرر.
وهذا لا يعني أن الإنسان فقد مبادئه بمجرد موقف واحد، لكن كثرة التبرير والتعرض لنفس الأفكار ممكن مع الوقت تغيّر طريقة نظرته للأشياء.
وهنا الخطورة، وهنا بنفس الوقت الشيء الجميل.
لأن التأثير مش دايمًا يكون باتجاه سيئ.
مثلما ممكن نتعوّد على شيء سيئ، ممكن نتعوّد على شيء صالح.
وأنا هذا الشيء شفته في نفسي.
أنا ما كنت أصلي قيام الليل. كنت أشوف أشخاصًا في حياتي يصلونه وأقول في نفسي: يا ليتني أقدر أكون مثلهم، لكن الموضوع ظل مجرد فكرة.
إلى أن جاء شخص شجعني عليه، وصار يذكرني أكثر من مرة.
وبعد فترة، صرت أقوم له من نفسي.
وصار غريبًا عليّ أن أتركه، وأحس بعدم راحة إذا فاتني، مع إنه أصلًا مش فرض.
وهنا فهمت إن الإنسان فعلًا ممكن يدرّب نفسه على الخير لدرجة يصير الخير جزءًا من عادته.
ومش لازم دائمًا يكون عندك شخص حتى تتغير.
ممكن يكون دافعك شيء تؤمن فيه، مثل رغبتك في رضا الله والجنة.
وممكن يكون عندك شخص يساعدك، لكن لازم يكون شخصًا صالحًا فعلًا، عنده الشيء اللي أنت أصلًا تريد تكتسبه، ويكون وجوده سببًا يعينك بدل ما يجرّك لشيء ثاني.
إذا كنت مثلًا تحاول تترك عادة سيئة، وجود صديق يساعدك ممكن يفرق كثير.
مش ضروري حتى كل مرة تقول له: أنا وقعت.
أحيانًا مجرد ما تشوفه يعمل الشيء الصح، تتحمس تعمل مثله.
إذا شفته يصلي، صلِّ معه.
إذا كنت تحاول تحافظ على الصلاة، خلي وجود شخص محافظ عليها يذكرك.
ومع الوقت ممكن تبدأ تحب الصلاة نفسها، ويصير وجود شخص آخر مجرد بداية، مش الشيء الوحيد اللي يخليك تستمر.
وهذا مهم خصوصًا للشخص اللي تربى في بيئة ما كان فيها اهتمام كبير بالصلاة، أو كانت تجربته معها سيئة.
لأن في فرق بين إنك تتعلم أن الصلاة شيء عظيم، وبين إنك ترتبط بها من البداية بالخوف والضرب والإجبار.
أحيانًا الشخص ما يكون كارهًا للصلاة نفسها، قد يكون كارهًا للشعور والتجربة اللي ارتبطت عنده فيها.
ولهذا تغيير الفكرة القديمة يحتاج وقت، وتجارب جديدة، وناسًا يساعدونك، وليس مجرد أن تقول لنفسك: "لازم أحبها."
ونفس الفكرة ممكن نطبقها على عادات كثيرة.
لو كنت تحاول تترك شيئًا لا تريد أن يبقى في حياتك، لا تكتفِ بأن تقول: "لن أفعله."
حاول أن تملأ مكانه بشيء آخر.
غيّر الأشياء التي حولك.
ابعد عن الأشياء التي تذكرك به.
قرّب منك الأشياء التي تريد أن تتعود عليها.
ولو كنت تحاول مثلًا الابتعاد عن الموسيقى، لا تجعل كل يومك مجرد مقاومة لفكرة أنك تريد سماعها. ممكن تشغل القرآن، أو تسمع شيئًا نافعًا، أو تملأ وقتك بشيء تحبه.
ومع التكرار، الشيء الذي كنت تعتبره طبيعيًا ممكن يبدأ يفقد مكانه في يومك، والشيء الجديد يبدأ يصير هو الطبيعي.
لكن هنا في شيء أهم من كل هذا: لا تتوقع أن التغيير يكون مستقيمًا.
ممكن تحاول وتنجح.
وبعدين تقع.
وترجع تحاول.
وتقع مرة ثانية.
وترجع.
وهذا لا يعني أن كل محاولاتك السابقة راحت.
التغيير مش طريقًا تمشي فيه بدون ما تتعثر.
أحيانًا تطلع، وتقع، وتطلع مرة ثانية، لكن كل مرة ممكن تكون العودة أسهل من قبل؛ لأنك تعلمت شيئًا، وعرفت نفسك أكثر، وعرفت الأشياء التي توقعك.
وهذا يذكرني بطفل يتعلم المشي.
الطفل لما يقع، ما يقعد يفكر:
"واضح أن مهارة المشي مش مناسبة إلي."
يقوم ويحاول مرة ثانية.
يقع، ويقوم.
لأنه بالنسبة له الموضوع بسيط: أنا لسا بتعلم.
لكن لما نكبر، كل شيء بصير في عيوننا أكبر من حجمه.
المحاولة تصير قرارًا مصيريًا.
والوقوع يصير دليلًا على أننا فشلنا.
والغلط مرة يصير عندنا: "أنا أصلًا ما بتغير."
مع أن الشيء نفسه الذي كان الطفل يتعلمه ببساطة، إحنا نحتاج نتعلمه مرة ثانية في أشياء كثيرة: الصبر، الصلاة، ترك العادات، ضبط الكلام، التعامل مع الناس، وحتى طريقة تفكيرنا.
فيمكن نحتاج نتذكر أننا بشر.
وأن هذه دنيا فانية، وأنه لا معنى لأن نستسلم من كثرة المحاولات.
يمكن تكون هذه المحاولة هي التي تثبت فيها فعلًا.
يمكن تقع اليوم وتقوم غدًا.
يمكن بعد عشر محاولات تكون العاشرة هي التي تغيّر كل شيء.
والأجمل أن الإنسان لا يعرف متى تكون آخر محاولة له.
فماذا لو كانت المحاولة القادمة هي التي يثبت فيها؟
وماذا لو أن الله ثبّتك بعدها حتى تلقاه وأنت بعيد عن الشيء الذي كنت تحاول تركه؟
لذلك لا تجعل وقوعك سببًا للاستسلام.
ارجع.
وحاول.
وغيّر ما حولك.
واختَر من يعينك.
وكرّر الخير حتى تألفه نفسك.
لأن تغيير النفس مش كبسة زر، ومش مطلوب منك تصير شخصًا جديدًا في يوم واحد.
المهم أنك كل مرة تقع، تعرف كيف تقوم.
وكل مرة تحاول، تكون أقرب من قبل.
لماذا ...(الشاعر الإماراتي مانع سعيد العتيبة)
لماذا أعود إليك لأشقى
إذا الحب ضاع فماذا تبقى؟
أمن أجل عهد هوانا القديم
أصادق عصفاً ورعداً وبرقاً
إذا ما نسيت الذي قد لقيت
فكيف سأنسى الذي سوف ألقى
أعود إليك بغير اندفاع
ومن غير قلب يرف شوقا
ولو كنت أقدر ألا أعود
لسرت إلى الغرب إن سرت شرقاً
زعمت بأني سأسلو وأنسى
وأحرقت تاريخ حبك حرقاً
فلم أستطع رغم شدة بأسي
وعزة نفسي سوى أن أرقا
لأنك أجمل أيام عمري
وأسمى قصائد شعري وأبقى
فمن بعد حبك ما زار قلبي
حبيب جديد وما ذبت عشقا
كأنك كل الذي كنت أرجو
وآخر كأس من الحب أسقى
أعود إليك بصمت جروحي
فلا تستطيع الجراحات نطقا
أعود لأمنح عينيك أمناً
فليتك تمنح للقلب خفقا
وليتك تفهم معنى رجوعي
إليك بجرح سيزداد عمقاً
نبضة قلبي الجريح أدق
وما كنت أقدر ألا أرقا
لأني أحبك والحب عندي
يفيض حناناً وليناً ورفقاً
من الحب حاولت أن أستقيل
لأني رأيت المحبين غرقى
ولما أعدت قراءة شعري
وجدتك أرقى حروفي وأنقى
فكان قراري الأخير الرجوع
إليك لأني أرى الموت حقاً
ولا فرق عندي إذا مت حرقاً
بنار اضطهادك أو مت شنقاً
لا تشك للناس ...(كريم العراقي )
لا تَشكُ للناسِ جُرحاً أَنتَ صاحبُهُ
لا يُؤلمُ الجرحُ إلا مَنْ بِهِ أَلمُ..
شكواكَ للناسِ يا ابنَ الناسِ مَنقصةٌ
ومَنْ مِن الناسِ صاحٍ ما بهِ سَقمُ؟
فالهمُ كالسيلِ والأمراضُ زاخرةٌ
حُمرُ الدلائلِ مَهما أَهلُها كتموا
فإنْ شكوتَ لِمنْ طابَ الزمانُ لهُ
عيناكَ تغليْ ومَن تشكو لهُ صَنمُ
وإذا شكوتَ لمَنْ شكواكَ تُسعدهُ
أضفت جُرحاً لجرحِك اسمهُ الندمُ
هل المواساةُ يوماً حرَّرَتْ وطناً؟
أَمْ التعازيْ بديلٌ.. إنْ هوى العَلَمُ؟
مَنْ يندبُ الحظَّ يُطفئُ عينَ همتّهِ
لا عينَ للحظِّ إنْ لم تبصر الهِمَمُ
كم خابَ ظنّي بِمَنْ أَهديتُهُ ثقتيْ
فأجبرتنيْ على هجرانهِ التهمُ
كم صرتُ جسراً لِمَنْ أَحببتهُ فمشى
على ضلوعيْ وكم زَلّتْ بهِ قدَمُ؟
فداسَ قلبيْ وكانَ القلبُ منزلَهُ
فما وفائيْ لخلٍّ.. ما لَهُ قيَمُ؟
لا اليأسُ ثوبِيْ ولا الأحزانُ تكسرنيْ
جُرحيْ عنيدٌ بلسعِ النارِ يلتئمُ
اشربْ دموعكَ واجرعْ مُرَّها عَسلاً
يغزو الشموعَ حريقٌ وهيَ تبتسمُ
والجِمْ همومكَ واسرجْ ظهرَها فرساً
وانهضْ كسيفٍ إذا الأَنصالُ تلتحمُ
عدالةُ الأرضِ مُذ خُلِقتْ مزيّفةٌ
والعدلُ في الأرضِ.. لا عَدلٌ ولا ذِممُ
فالخير حَمَلٌ وديعٌ خائفٌ قلقٌ
والشرُّ ذئبٌ خبيثٌ ماكرٌ.. نَهِمُ
كلُّ السكاكين صوبَ الشاةِ راكضةٌ
لتطمئنَ الذئبَ أنَّ الشملَّ ملتئمُ
كُنْ ذا دهاءٍ وكُن لِصّاً بغيرِ يَدٍ
ترَ الملذات تحتَ يديكَ تزدحمُ
فالمالُ والجاهُ تمثالانِ من ذهبٍ
لهما تُصلّي بكلِّ لغاتِها.. الأُمَمُ
والأَقوياءُ طواغيتٌ فراعنةٌ
وأَكثرُ الناسِ تحتَ عروشهمْ.. خَدمُ
شكواكَ شكوايَ يا مَنْ تكتويْ أَلماً
ما سالَ دمعٌ على الخدينِ.. سالَ دَمُ
ومَن سِوى اللهِ.. نَأوِي تحت سِدرتِه
ونَسْتَعِينُ به عَوناً ونَعْتَصِمُ؟
كَنْ فيلسوفاً ترَ أَن الجميعَ هُنا
يتقاتلونَ على عَدمٍ.. وهُمْ عَدَمُ
ضيعني هواك (صائغ القوافي الشاعر فهد بن عبدالله بن فهد بن خالد الصويغ )
ضَيَّعَنِي هَوَاكْ
مَضَيْتُ وَخَلْفِي مِنْ سِنِيَّ جَرَائِحُ
وَأَمَامَ عَيْنِي لَمْ يَكُنْ إِلَّا مَدَاكْ
وَطَوَيْتُ أَرْضًا كُلَّمَا نَادَيْتُهَا
رَدَّتْ صَدَى خُطْوِي وَمَا رَدَّتْ نِدَاكْ
جِئْتُ الَّذِينَ ظَنَنْتُهُمْ لِي مَوْطِنًا
فَرَأَيْتُ وَجْهَ الغَدْرِ يَسْكُنُ فِي حِمَاكْ
وَدَخَلْتُ أَبْوَابَ القُلُوبِ مُسَلِّمًا
فَرَأَيْتُ بَيْنَ ضُلُوعِهَا صَدَّ جَفَاكْ
مَا كُنْتُ أَطْلُبُ غَيْرَ حِضْنٍ آمِنٍ
يَأْوِي إِلَيْهِ مُتْعَبٌ يَبْغِي رِضَاكْ
فَإِذَا الَّذِي ظَنَنْتُهُ سَكَنَ المَدَى
أَمْسَى يُرِيقُ عَلَى الطَّرِيقِ أَذَاكْ
وَرَجَعْتُ أَحْمِلُ فِي الضُّلُوعِ تَجَارِبًا
تَرْوِي لِقَلْبِي كَيْفَ ضَيَّعَنِي هَوَاكْ
وَمَشَيْتُ لَا أَرْجُو مِنَ الدُّنْيَا سِوَى
دَرْبٍ يُعِيدُ إِلَى الفُؤَادِ سَنَاكْ
وَغَدَوْتُ أَعْرِفُ أَنَّ بَعْضَ مَوَاطِنٍ
تَدْعُو إِلَيْكَ، وَفِي الخَفَاءِ هَلَاكْ
وَأَنَّ بَعْضَ القُرْبِ أَبْعَدُ مِنْ نَوًى
وَأَنَّ بَعْضَ الوُدِّ مَحْضُ ادِّعَاكْ
كَمْ مَرَّ فِي صَدْرِي رَجَاءٌ مُورِقٌ
فَأَتَتْ رِيَاحُ اليَأْسِ تَقْتَلِعُ المُنَى
وَكَمِ اسْتَنَدْتُ إِلَى وُجُوهٍ أَبْصَرَتْ
فِيهَا العُيُونُ خَدِيعَةً مِنْ رُؤَاكْ
لَمْ أَعُدْ أَرْجُو مِنْ يَدَيْكَ مَوَدَّةً
فَالقَلْبُ أَبْصَرَ بَعْدَ طُولِ عَنَاكْ
أَلْقَيْتُ عَنْ كَتِفَيَّ أَثْقَالَ الأَسَى
وَغَسَلْتُ عَنْ وَجْهِ الطَّرِيقِ شَقَاكْ
وَتَرَكْتُ خَلْفِي كُلَّ بَابٍ مُوصَدٍ
وَمَضَيْتُ أَبْحَثُ فِي البَعِيدِ عَنْ هُدَاكْ
فَإِذَا الطَّرِيقُ ، وَإِنْ تَعَاظَمَ وَعْرُهُ
أَهْوَنُ مِنْ قَلْبٍ يَبِيتُ عَلَى أَذَاكْ
وَإِذَا اللَّيَالِي أَثْقَلَتْ أَيَّامَنَا
جَعَلَتْ مِنَ الصَّبْرِ الجَمِيلِ عُرَاكْ
لَا تَسْأَلِ الأَيَّامَ عَمَّا أَوْجَعَتْ
فَالصَّمْتُ أَبْلَغُ مِنْ كَثِيرِ شَكَاكْ
إِنِّي تَعَلَّمْتُ الطَّرِيقَ وَأَهْلَهُ
وَعَرَفْتُ مَنْ يَرْعَى الوَفَا وَمَنْ سَلَاكْ
وَعَلِمْتُ أَنَّ العُمْرَ لَيْسَ مُقَامَهُ
فِي دَارِ مَنْ يَرْضَى بِأَنْ يَشْنَاكْ
فَاخْتَرْتُ أَنْ أَمْضِي وَأَحْفَظَ عِزَّتِي
وَأَصُونَ نَفْسِي عَنْ لَهِيبِ جَفَاكْ
وَسَأَلْتُ قَلْبِي: هَلْ تُرِيدُ عَوْدَةً ؟
فَأَجَابَنِي : لَا شَيْءَ بَعْدَ خَطَاكْ
إِنْ كَانَ فِي بُعْدِ المَسَافَةِ وَحْشَةٌ
فَأَنَا بِحُرِّيَّةِ الخُطَى أَحْيَاكْ
سَأَشُقُّ دَرْبِي وَالمَتَاعِبُ حَوْلَنِي
وَأَصُونُ لِنَفْسِي هَيْبَةً وَفِكَاكْ
حَتَّى أَصِلَ لِمَوْطِنٍ لَا يَنْثَنِي
فِيهِ الوَفِيُّ إِذَا أَرَادَ لِقَاكْ
انا العدُو لذاتي والسُمُ في كبدي
أَنَا العَدُوُّ لِذَاتِي، وَالسُّمُّ فِي كَبِدِي
وَكُلُّ مَا كُنْتُ أَخْشَاهُ ارْتَكَبْتُهُ بِيَدِي
مَا خُنْتُ غَيْرِي وَلَكِنِّي خُذِلْتُ أَنَا
ذَاكَ الَّذِي فِي المَرَايَا يَرْتَجِي أَحَدِي
ربما غدا او بعد غد
ربما غدا او بعد غد
ربما بعد سنين لا تعد
ربما ذات مساءً نلتقي
على الطريق من غير قصد
رايك؟
- البداية: ما الذي جعلني أفكر في هذا الموضوع؟
شاهدتُ مؤخرًا عدة مقاطع وقصص لفتيات وأطفال تعرضوا للتحرش أو للأذى، وكانت بعض هذه القصص من مصر. وبصراحة، تأثرتُ بها نفسيًا وشعرتُ بالاشمئزاز والعجز، وبدأت أفكر: لماذا تحدث مثل هذه الأمور؟ وكيف يمكن أن نمنعها بدل أن نكتفي بمشاهدة نتائجها بعد وقوعها؟
وأنا لا أريد أن أقول إن هذه الحالات تمثل مصر كلها أو أن جميع الناس هناك سيئون؛ فهذا تعميم غير منطقي. في كل مجتمع يوجد أشخاص صالحون وأشخاص سيئون، ولكن انتشار بعض الحالات على وسائل التواصل يجعلنا نراها بصورة أكبر، وكأنها تمثل المجتمع كله، بينما هي في الحقيقة لا يمكن أن تكون صورة كاملة عن ملايين الناس.
- دور وسائل التواصل الاجتماعي
أرى أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت جزءًا مهمًا من المشكلة؛ لأن كل شيء تقريبًا أصبح متاحًا أمام الناس، ومن بينهم الأطفال والمراهقون. أصبح من السهل جدًا أن يصل الشخص إلى محتوى غير مناسب، أو أن يرى أشخاصًا يتصرفون بطريقة سيئة، ثم يعتاد على مشاهدة هذه الأشياء أو يقلدها.
وقد يكون هناك شخص يقضي ساعات طويلة في مشاهدة محتوى سيئ أو جنسي، ثم يبدأ في التعامل مع الآخرين بطريقة منحرفة، وربما يستغل شخصًا أضعف منه. وهذا لا يعني أن الهاتف أو الإنترنت يجعلان الإنسان متحرشًا تلقائيًا، فالمسؤولية في النهاية تقع على الشخص نفسه وعلى اختياراته، ولكن سهولة الوصول إلى هذا المحتوى قد تكون عاملًا يساعد على تطبيع السلوكيات الخاطئة عند بعض الناس.
كما أن الضحية ليست بالضرورة فتاة؛ فقد يكون الضحية طفلًا أو ولدًا أيضًا، ولذلك يجب أن تكون التوعية شاملة للجميع.
- مشكلة تصوير الضحايا ونشرهم
من أكثر الأشياء التي أزعجتني أيضًا أن بعض الناس يصورون مواقف مؤذية وينشرونها على وسائل التواصل، حتى لو كانت نيتهم في البداية حسنة.
مثلًا، إذا كان هناك طفل تعرض لموقف سيئ، فإن تصويره ونشر صورته قد لا يساعده، بل قد يزيد ألمه. فالطفل قد يشعر بالخجل أو الخوف، وقد يتعرض للتنمر، وقد تبقى صورته منتشرة على الإنترنت لفترة طويلة.
وأحيانًا يكون الناس منشغلين بتصوير الموقف وإثبات ما حدث أكثر من اهتمامهم بحماية الشخص الموجود أمامهم. وفي رأيي، إذا أردنا مساعدة الضحية، فيجب أن تكون الأولوية لحمايتها وإبعادها عن الأذى وإبلاغ الأشخاص المسؤولين، لا تحويل معاناتها إلى محتوى يتداوله الناس.
- دور الأسرة والتربية
وهنا أصل إلى السبب الذي أراه مهمًا جدًا: التربية.
أشعر أن الهاتف أصبح عند بعض الأهالي وسيلة لتربية الأطفال بدل أن يكون مجرد أداة. الطفل يبكي، فيُعطى الهاتف. الطفل يشعر بالملل، يُعطى الهاتف. الطفل يريد شيئًا، يُعطى الهاتف حتى يسكت.
ومع الوقت، يصبح الهاتف هو الذي يربي الطفل: يعلّمه من خلال المقاطع التي يشاهدها، والأشخاص الذين يتابعهم، والمحتوى الذي يظهر أمامه.
المشكلة ليست في وجود الهاتف نفسه، ولا في أن يستخدم الطفل الإنترنت، وإنما في أن يكون لديه وصول إلى كل شيء من دون رقابة أو توجيه أو حوار. والأهل أنفسهم يحتاجون إلى التوعية؛ لأن بعضهم ربما لا يعرف حجم الأشياء التي يمكن أن يصل إليها الطفل عبر الإنترنت.
لذلك أعتقد أن الطفل يحتاج إلى أكثر من مجرد هاتف. يحتاج إلى أهل يتحدثون معه، ويعلمونه معنى الاحترام، والحدود، والخصوصية، والحياء، وكيف يتصرف إذا تعرض لموقف غير مريح، وأنه يستطيع أن يخبر أهله إذا حدث له شيء من دون أن يخاف من اللوم.
- عدم لوم الضحية
ومن أهم الأمور التي يجب أن تتغير في المجتمع طريقة التعامل مع الضحايا.
لا ينبغي أن يكون أول سؤال للضحية: لماذا ذهبتِ؟ ولماذا وثقتِ به؟ ولماذا كنتِ في ذلك المكان؟
هذه الأسئلة قد تجعل الشخص يشعر بأنه هو المخطئ، بينما المسؤولية عن التحرش والاعتداء تقع على المعتدي.
وحتى لو أخطأ الإنسان في تقدير شخص أو وثق بشخص لا يستحق الثقة، فهذا لا يعطي الطرف الآخر الحق في الاعتداء عليه.
- المسؤولية تبدأ من الإنسان نفسه
في النهاية، أعتقد أن جزءًا كبيرًا من الحل يبدأ من الإنسان نفسه.
على الإنسان أن يتقي الله حتى عندما لا يراه أحد، وألا يفعل شيئًا لمجرد أنه يستطيع الإفلات من العقوبة أو الفضيحة. الأخلاق الحقيقية تظهر عندما يكون الإنسان قادرًا على فعل الخطأ ولكنه يختار ألا يفعله.
وكما أن بعض الناس قد يرتكبون أخطاء ثم يندمون ويتوبون، فإن الإنسان يجب أن يحاول من البداية الابتعاد عن الأشياء المحرمة والسلوكيات التي يمكن أن تقوده إلى إيذاء الآخرين.
وأحيانًا قد يظن الإنسان أن ما يفعله سر ولن يعرفه أحد، لكن الإنسان لا يستطيع أن يعيش حياته على أساس أن عدم انكشافه يعني أن ما فعله أصبح صحيحًا.
- لا نأخذ الحالات السيئة ونعممها على مجتمع كامل
رغم كل ما سبق، لا أريد أن أصل إلى نتيجة تقول إن بلدًا كاملًا أو شعبًا كاملًا سيئ.
كل مجتمع فيه الخير والشر، وفيه أشخاص يحاولون حماية الآخرين، وفيه أشخاص يؤذون غيرهم. لكن وسائل التواصل تجعل الحالات الصادمة تنتشر بسرعة، ولذلك قد نشعر أن هذه الأشياء أكثر انتشارًا مما نعرفه في الواقع.
لذلك يجب أن ننتقد السلوك الخاطئ نفسه، لا أن نحكم على ملايين الناس بسبب أشخاص ظهروا في مقاطع منتشرة.
- نظرتنا إلى الحضارات والشخصيات التاريخية
وهذا جعلني أفكر أيضًا في شيء آخر يتعلق بطريقة تعظيم بعض الشخصيات والحضارات القديمة.
أنا لا أرى مشكلة في دراسة الحضارات القديمة أو التعرف إلى إنجازاتها في الطب أو الفلك أو الهندسة أو غيرها. ومن الطبيعي أن يدرس الإنسان كيف بُنيت الأهرامات، أو كيف تطورت بعض العلوم عند الحضارات القديمة، أو أن يعرف تاريخ الشخصيات التي أثرت في التاريخ.
لكن ما لا أفهمه هو أن يتحول الإعجاب بالإنجاز إلى تعظيم الإنسان نفسه وكأنه قدوة لمجرد أنه حقق شيئًا عظيمًا.
فمثلًا، يمكنني أن أدرس تاريخ توت عنخ آمون أو الإسكندر الأكبر وأعرف ما حدث في عصرهما، من دون أن أعتبرهما قدوة أو أتعامل مع كل ما فعلوه باعتباره شيئًا يستحق الإعجاب.
ومن منظوري الديني، فإن القدوة التي أبحث عنها ليست في مجرد القوة أو الشهرة أو الإنجازات التاريخية، وإنما في الأشخاص الذين أرى فيهم الإيمان والأخلاق والصلاح، ولذلك أرى أن الاقتداء بالأنبياء والصحابة والصالحين أولى من تحويل شخصيات تاريخية غير مسلمة إلى نماذج يُحتذى بها.
- ما الذي أعتقد أنه الحل؟
في النهاية، لا أعتقد أن هناك سببًا واحدًا يفسر كل هذه المشكلات. هناك التربية، والأسرة، ووسائل التواصل، والمحتوى المتاح، وضعف الوعي، وسوء استخدام التكنولوجيا، وأحيانًا ضعف الوازع الأخلاقي والديني.
لكنني أعتقد أن التغيير يجب أن يبدأ من الأساس:
تربية الطفل قبل أن يصل إلى المشكلة، وتوعية الأهل قبل أن يعطوا الطفل هاتفًا، وتعليم الإنسان أن يتقي الله ويحترم حدود الآخرين، وتعليم المجتمع ألا يلوم الضحية أو يفضحها، وتعليم الناس أن التكنولوجيا أداة وليست بديلًا عن التربية.
ولا يكفي أن نغضب عندما نشاهد حادثة أو أن ننشر الفيديو ونقول إن الأمر مقرف؛ بل يجب أن نسأل أنفسنا: ماذا كان يمكن أن يمنع حدوث هذا من البداية؟
فالتغيير الحقيقي يبدأ منّا نحن، ومن الطريقة التي نربي بها الأطفال، ومن الأشياء التي نسمح لهم بمشاهدتها، ومن القيم التي نزرعها فيهم، ومن مسؤولية كل إنسان عن أفعاله حتى عندما لا يراه أحد.
اي حدا فاضي افضفضله
اي حدا فاضي افضفضله ؟ يبعتلي طلب