هل هذا اللي أبغاه ولا استعجلت؟
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هل قد اخترت شيء وأنت مقتنع فيه تماماً، ثم بقي في داخلك صوت يهمس لك: "طيب لو اخترت شيء غيره؟" هذا الصوت المزعج هو ما يسمى اقتصادياً بـ "تكلفة الفرصة البديلة".
قبل لا نبدأ: تطبيق نظريات الاقتصاد على مشاعرنا وحياتنا الشخصية (بحكم تخصصي في المالية)، ممكن يبان أنه طرح مادي أو جاف شوية للوهلة الأولى. لكننا هنا ما نلغي العاطفة أبداً، الفكرة ببساطة إننا نحاول نترجم العواطف اللي نحس فيها، ونفهم بشكل منطقي الآلية اللي تجعلنا نتردد ونتعب وقت اتخاذ القرارات.
وراح نبدأ بأحد أهم هذي المبادئ، مبدأ "تكلفة الفرصة البديلة" (Opportunity Cost) ببساطة هو التكلفة الخفية التي تدفعها بخسارتك امتيازات كل الاختيارات اللي ما اخترتها. بمعنى إنك لو اخترت مسار (أ)، المسألة ما وقفت هنا؛ أنت اخترت إنك تتخلى عن كل مكسب كان راح يجيك لو اخترت (ب) أو (ج) أو (د).. إلخ.
مثلا لو قررت إنك ترتاح يوم اجازة، القرار هذا له تكلفة فرصة بديلة إنك خسرت زيادة الراتب لو اشتغلت هذا اليوم. رغم إن قرارك إنك ترتاح سليم ومنطقي وصحيح، لكن ما زالت هناك تكلفة، وبناءً على معاييرك راح تعرف تختار الصح.
أو مثلاً لو قررت تدخر؛ رغم إنه سليم منطقياً والمفروض الكل يدخر، لكن عدم استثمارك هذا المبلغ راح يضيع عليك فرصة إنك تكسب منه ربح استثماري. ومقدار هذا الربح اللي فاتك هو "تكلفة الفرصة البديلة". لكن ممكن تهتم بالسيولة أكثر من هذا الربح، عادي جداً، بس الآن أنت واعي باختيارك تماماً.
الفكرة إن الأمر ما يتوقف عند المال أبداً. وكما نحسب العائد على استثماراتنا المالية، عقولنا تحسب العائد على قراراتنا الشخصية. فنحن بشكل لا واعي نستخدم هذا المبدأ في الكثير من قرارات الحياة كوننا نسعى لأفضل خيار مو بس كون الخيار صحيح؛ مثل اختيار وين أسكن، أو اختيار الوظيفة، أو اختيار الزواج.
وهذا ينقلنا ليش وُجد عند البعض عزوف؟ ببساطة، ورغم إن الزواج خيار جميل وجيد، إلا إن العزوبية ما زالت أفضل له. فهذا الخيار (الزواج) له تكلفة فرصة بديلة عالية؛ لأن هذا الشخص يحب جداً حريته واستقلاليته اللي قد يخسرها لو تزوج، وهي الأهم بالنسبة له.
وحتى عند مرحلة الاختيار والتعارف نلاحظ نفسنا دائماً نفكر: هل هذا الشخص يستاهل إني أتنازل عن باقي الخيارات؟ ونبدأ نشك: هل هذا اللي أنا أبغاه ولا أنا استعجلت؟ لأن ارتباطي بهذا الشخص راح يخسرني احتمالية الارتباط بكل شخص أفضل منه كان ممكن أقابله لو انتظرت. ارتباطي بهذا الشخص له تكلفة فرصة بديلة.
المشكلة الحقيقية إننا ننتظر الخيار الأفضل.. الخيار اللي ما له تكلفة!
فالنتيجة إن هذا الهروب من "التكلفة" يوقعنا في فخ موضوعنا القادم في السلسلة: (ليش ما صار المناسب يكفيني؟). كيف يخدعنا "وهم الوفرة" لنطارد سراب الشخص المثالي اللي مو موجود أصلاً؟ وكيف نسأل نفسنا: هل اللي نطلبه معايير حقيقية ولا مجرد أوهام؟
بعد ما فهمنا المبدأ، تذكر دائماً إن "تكلفة الفرصة البديلة" ضريبة طبيعية لأي قرار. إذا اخترت مسارك، التزم به ولا تلتفت للي فاتك؛ فالتفاتك للخيارات اللي تركتها راح يضيع عليك الاستمتاع باللي اخترته. وكما علمنا رسولنا الكريم ﷺ: "وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل".
⚠️ تنويه: هذا البوست وتباعاً السلسلة هي مجرد تشريح لأفكارنا وطريقة تفكيرنا. هدفي مو تحويل العلاقات لصفقات، ولا إني أقر أو أنكر أي خيار، أنا مجرد أوصف المشكلة عشان نكون واعين أكثر بقراراتنا.
سؤالي لكم: هل لاحظتم من قبل تأثير هذا المبدأ في حياتكم بعيداً عن المال؟ وكيف تشوفوا تطبيقه على أمور أخرى مصيرية بناءً على تجاربكم الشخصية؟ حاب أسمع رأيكم.
وقبل ما أختم حاب أشكر كل من ساعدني وشجعني أبدأ السلسلة وشكر خاص لهؤلاء الأربعة u/Badrpedia u/DetAbdulrahman u/ahm_adballa u/Excellent-Power-8674
وفي الختام: أسأل الله أن يكتب لي ولكم الخيرة في كل أمورنا، ويلهمنا الرشد في قراراتنا، ويرزقنا القناعة والرضا بما قسم لنا، ويبعد عنا وعنكم حيرة الاختيار وشتات التفكير.