جرامشي وحرب المواقع
بمناسبة الجدل الدائر اليومين دول، فأرى إن ديه فرصة كويسة لاستحضار فكرة جرامشي عن "حرب المواقع".
في البداية، أنطونيو جرامشي هو مثقف ومناضل شيوعي إيطالي، وأبرز معارضي الفاشية، شكل رافد من روافد مقاومة الفاشية وانتهى الأمر به في السجن بحد ما مات. خلال فترة سجنه هيألف أهم أعماله وهي "كراسات السجن"، واللي هتتهرب عن طريق أخت مراته.
أهمية "كراسات السجن" مش بس إنها إعادة تفكير في الماركسية، ولكن كمان طرحت أفكار موثرة في الفكر السياسي بعد كده زي الهيمنة الثقافية، والبراكسيس، والمثقف العضوي، والفلكور، وطبعًا "حرب المواقع".
البراكسيس عند جرامشي هو العلاقة بين النظرية والممارسة، بمعني إن الممارسة بتعيد تشكيل فهمنا للواقع والنظرية مع بعض وده إعادة قراءة الماركسية ومش مجرد codename لها.
أما "حرب المواقع" فهي تصور لنضال بطئ وتدريجي من أجل بناء هيمنة داخل المجتمع من خلال التداخل مع مع المؤسسات والأفكار والأيدلوجيات اللي بتشكل الوعي الجمعي. وتختلف عن حرب المناورة اللي بتستولي على السلطة مرة واحدة كده زي الثورة البلاشفية في روسيا.
صحيح إن جرامشي كان بيكتب في السياق الأوروبي وفي مواجهة الفاشية، ولكن المفهوم مع اختلاف السياق ممكن يساعدنا نفهم تجربة سياسية وثقافية معينة.
في سياقنا العربي، الإسلاميون تحديدًا كانوا هما الفصيل الأكثر قدرة على استغلال حرب المواقع. مش بمعنى أنهم قرأوا جرامشي وطبقوا أفكاره، ولكن من خلال السيطرة على النقابات المهنية، والجمعيات الخيرية، والمساجد، وقطاع من مؤسسات التعليم والصحة، أمكن من خلالها بناء شبكات نفوذ اجتماعي واقتصادي، وفرض أنماط محددة من السلوك واحتلال المجال العام بشعارات محددة، وقيم بديلة لفرض الهيمنة الثقافية والأيدلوجية.
نجاح أي تيار في أنه يخلي أي سلوك هو "الطبيعي" مش بيخلي المسألة اختلاف وجهات نظر سياسية، ولكن مناقشة للهيمنة ثقافية على كل مناحي الحياة، وتحويل أي نقد أو جدال كأنه إعتداء على الدين.
طبعًا من المهم لما نناقش مفهوم زي "حرب المواقع" اللي بينتج هيمنة نوضح أنه في فرق بين الهيمنة والمؤامرة. حيث أنه الهيمنة مش بتحتاج ناس متفقين وبيخططوا وبيمشوا الأمور على كيفهم، ولكن وبتكون في صورة خطاب وأفعال ممكن يعاد إنتاجها من خلال ناس ملهمش علاقة بالتيار الإسلامي مثلاً.