
المتنبي لأبي فهر
رحم الله محمود شاكر وجزاه عنا وعن العربية خير الجزاء
وقد كتب محمود شاکر كتابه الموسوم بـ"المتنبي" وهو بعمر الـ٢٧، وأنا بعمر الـ٢٧ أقرؤه، وليس الأمر في التأليف فالكل يطوله، ولكن في أن يكتب ذلك الكتاب على المنهج الذي ألزم به نفسه يجعل السفر حقيقًا بالإعجاب.
ولي فترة وأنا أجد نفسي منكبًا على كتابه "المتنبي" انكباب شرهٍ على عشاء دسم، فأعد الساعات وأتحرى اللحظات لالتقي بهما.
ولا أدري ما وراء هذا الانكباب والاشتياق والتحري من أسباب، فقد قرأت لمحمود شاكر من قبل ولم أجد هذا التلهف للقراءة، وقرأت الديوان فما كنت اكترث إذا مر اليوم دوم أن أقرأ ولو يسيرًا، وإذا قرأت لهما منفردين أجد همتي تثاقلت ومللي تسارع في آخر الوقت المخصص للقراءة، إلا إذا قرأت لهما معًا فيمر الوقت دون إحساس أو اكتراث.
ربما لأن الكتاب جمع بينهما، فيقصُّ علي أبو فهر بأبرع بيانٍ عن سيرة أبي الطيب، ويفتق ما اكتنف سيرته من غموض ساحر.
والكتاب يسبقه كتيب باسم "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا" ولو كان لي رأي نافذ، لألزمته في المدارس، لما يؤسس فيه من عزة إسلامية وروح إيمانية، وقد شخص فيه حقبة زمنية مرت بالمجتمع المصري؛ لولا الله ثم أمثاله من الكتاب الأدباء الأغيار لضاعت كثير من أدب الأمة ولغتها وتاريخها.
ناقش الكتاب مسائل تتعلق بسيرة المتنبي، واعتمد أبو فهر على منهجه (الذي وضعه في ال٢٧) في التذوق، واستنطاق ظلال سيرة المتنبي من شعره، واستخدمها للنقد على المرويات التاريخية والتراجم عنه. فتكلم عن نسبه والأخبار في مسألة نبوؤته، وعلاقته بخولة الحمدانية أخت سيف الدولة، وأمور أخرى.
واردف بالكتاب بعض النقد لكتاب طه حسين (مع المتنبي) الذي قلّد فيه طه محمود شاكر، فاستقعد له استقعادًا على كل نقطة.
الخلاصة أن الكتاب جميل وغني بالأخبار واللغة العالية والتحليل الجيد، وقد تختلف أو تتفق إلى ما وصل إليه أبو فهر، ولكن حتمًا سيعجبك الكتاب، وهو الكتاب الذي يجب أن يلي ديوان المتنبي.