
فقدان الأمل... أول خطوة نحو التباطؤ
يبدو أن عند العراقيين قابلية كبيرة لجلد الذات، أو شيء قريب من هذا المعنى. كل واحد يشوف شعبه متخلف، وحكومته فاسدة، وكل شيء أسوأ من بقية العالم. لكن هل فعلًا إحنا مختلفين إلى هذه الدرجة؟
بالحقيقة لا.
إحنا بشر مثل باقي البشر. عدنا أخطاء وعدنا نقاط قوة، وعدنا سلوكيات سيئة وعدنا حلول ذكية ابتكرها المجتمع حتى لو بشكل عفوي. ولسنا متميزين حتى بالسلبيات. كل المجتمعات تعاني من مشاكلها، لكنها تستمر بالحياة لأنها تمتلك دائمًا شيئًا يعمل، وشيئًا يحاول أن يصلح.
المشكلة أن الإنسان إذا ركّز على السلبيات فقط، راح يفقد القدرة على رؤية أي نقطة مضيئة. وبعدها يدخل بحلقة مفرغة: يرى المشاكل، فيفقد الأمل، ولأنّه فقد الأمل يتوقف عن التفكير بالحلول، فتزداد المشاكل أكثر.
وأحيانًا، بعض السلوكيات التي نعتبرها سلبية، تكون في الحقيقة استجابة ذكية لمشكلة أخرى.
خذ مثال أعقاب السكائر.
دائمًا نسمع: "ليش الناس ترمي السكارة بالأرض؟"
طيب... خل نفكر شوي.
ليش أغلب المدخنين يرمونها بالأرض ثم يدوسون عليها؟
لأن بهذه الحركة يضمنون انطفاء الجمرة بالكامل. يعني قبل أن يبتعد، يتأكد أن مصدر النار انتهى. هذا ليس حبًا بتوسيخ الشارع، وإنما طريقة بسيطة وفورية لمنع بقاء جمرة مشتعلة قد تسبب حريقًا لو رُميت مباشرة داخل سلة نفايات فيها ورق أو بلاستك أو مواد قابلة للاشتعال.
إذن المجتمع، بصورة تلقائية، اخترع آلية لإطفاء السيكارة قبل التخلص منها. نعم، هذه الآلية تخلق مشكلة نظافة، لكنها في المقابل تقلل خطرًا آخر. وهذا بحد ذاته نوع من الذكاء الاجتماعي؛ ليس لأنه الحل المثالي، وإنما لأنه محاولة عملية للتعامل مع مشكلة حقيقية بالإمكانات المتوفرة.
المشكلة الحقيقية ليست بالمدخن وحده، بل بعدم وجود بنية تحتية مناسبة.
إذا أردت أن تمنع رمي أعقاب السكائر، فلا يكفي أن تقول للناس: "لا ترموها."
اسأل نفسك: أين يضعها إذن؟
هل وفرت حاويات مخصصة تتحمل الحرارة؟ هل صممت منافض سجائر في الشوارع؟ هل اختبرت أماكن وضعها؟ هل نفذت مشاريع تجريبية؟ هل درست سلوك الناس أصلًا؟
الإصلاح الحقيقي يبدأ من فهم سبب السلوك، لا من شتم صاحبه.
حتى لو كان المقاول الذي سينفذ المشروع فاسدًا، وحتى لو لم تكن النتيجة مثالية، فأنت ما زلت تعالج مشكلة واقعية بدل أن تقضي وقتك بتكرار أن الشعب لا أمل منه.
هذه هي النظرة المتفائلة التي أقصدها.
التفاؤل ليس أن تنكر وجود المشاكل، بل أن تؤمن أن وراء كل مشكلة سببًا يمكن فهمه، وأن وراء كل سلوك تفسيرًا، وأن كل تفسير يقود إلى حل أفضل.
أما اليائس، فهو يكتفي بإطلاق الأحكام.
وأخطر ما في فقدان الأمل أنه لا يجعلك تكره شعبك فقط، بل يجعلك تتوقف عن التفكير. لأنك إذا اقتنعت أن الناس ميؤوس منهم، فلماذا تبحث عن الحل أصلًا؟
لذلك، أشعل شمعة بدل أن تلعن الظلام.
فكّر، وابحث، وجرّب، واخترع، وطوّر.
ولا تفقد الأمل بشعبك، لأن فقدان الأمل بشعبك، يعني في النهاية فقدان الأمل بنفسك أيضًا.