فقدان الأمل... أول خطوة نحو التباطؤ
▲ 18 r/Iraq+2 crossposts

فقدان الأمل... أول خطوة نحو التباطؤ

يبدو أن عند العراقيين قابلية كبيرة لجلد الذات، أو شيء قريب من هذا المعنى. كل واحد يشوف شعبه متخلف، وحكومته فاسدة، وكل شيء أسوأ من بقية العالم. لكن هل فعلًا إحنا مختلفين إلى هذه الدرجة؟

بالحقيقة لا.

إحنا بشر مثل باقي البشر. عدنا أخطاء وعدنا نقاط قوة، وعدنا سلوكيات سيئة وعدنا حلول ذكية ابتكرها المجتمع حتى لو بشكل عفوي. ولسنا متميزين حتى بالسلبيات. كل المجتمعات تعاني من مشاكلها، لكنها تستمر بالحياة لأنها تمتلك دائمًا شيئًا يعمل، وشيئًا يحاول أن يصلح.

المشكلة أن الإنسان إذا ركّز على السلبيات فقط، راح يفقد القدرة على رؤية أي نقطة مضيئة. وبعدها يدخل بحلقة مفرغة: يرى المشاكل، فيفقد الأمل، ولأنّه فقد الأمل يتوقف عن التفكير بالحلول، فتزداد المشاكل أكثر.

وأحيانًا، بعض السلوكيات التي نعتبرها سلبية، تكون في الحقيقة استجابة ذكية لمشكلة أخرى.

خذ مثال أعقاب السكائر.

دائمًا نسمع: "ليش الناس ترمي السكارة بالأرض؟"

طيب... خل نفكر شوي.

ليش أغلب المدخنين يرمونها بالأرض ثم يدوسون عليها؟

لأن بهذه الحركة يضمنون انطفاء الجمرة بالكامل. يعني قبل أن يبتعد، يتأكد أن مصدر النار انتهى. هذا ليس حبًا بتوسيخ الشارع، وإنما طريقة بسيطة وفورية لمنع بقاء جمرة مشتعلة قد تسبب حريقًا لو رُميت مباشرة داخل سلة نفايات فيها ورق أو بلاستك أو مواد قابلة للاشتعال.

إذن المجتمع، بصورة تلقائية، اخترع آلية لإطفاء السيكارة قبل التخلص منها. نعم، هذه الآلية تخلق مشكلة نظافة، لكنها في المقابل تقلل خطرًا آخر. وهذا بحد ذاته نوع من الذكاء الاجتماعي؛ ليس لأنه الحل المثالي، وإنما لأنه محاولة عملية للتعامل مع مشكلة حقيقية بالإمكانات المتوفرة.

المشكلة الحقيقية ليست بالمدخن وحده، بل بعدم وجود بنية تحتية مناسبة.

إذا أردت أن تمنع رمي أعقاب السكائر، فلا يكفي أن تقول للناس: "لا ترموها."

اسأل نفسك: أين يضعها إذن؟

هل وفرت حاويات مخصصة تتحمل الحرارة؟ هل صممت منافض سجائر في الشوارع؟ هل اختبرت أماكن وضعها؟ هل نفذت مشاريع تجريبية؟ هل درست سلوك الناس أصلًا؟

الإصلاح الحقيقي يبدأ من فهم سبب السلوك، لا من شتم صاحبه.

حتى لو كان المقاول الذي سينفذ المشروع فاسدًا، وحتى لو لم تكن النتيجة مثالية، فأنت ما زلت تعالج مشكلة واقعية بدل أن تقضي وقتك بتكرار أن الشعب لا أمل منه.

هذه هي النظرة المتفائلة التي أقصدها.

التفاؤل ليس أن تنكر وجود المشاكل، بل أن تؤمن أن وراء كل مشكلة سببًا يمكن فهمه، وأن وراء كل سلوك تفسيرًا، وأن كل تفسير يقود إلى حل أفضل.

أما اليائس، فهو يكتفي بإطلاق الأحكام.

وأخطر ما في فقدان الأمل أنه لا يجعلك تكره شعبك فقط، بل يجعلك تتوقف عن التفكير. لأنك إذا اقتنعت أن الناس ميؤوس منهم، فلماذا تبحث عن الحل أصلًا؟

لذلك، أشعل شمعة بدل أن تلعن الظلام.

فكّر، وابحث، وجرّب، واخترع، وطوّر.

ولا تفقد الأمل بشعبك، لأن فقدان الأمل بشعبك، يعني في النهاية فقدان الأمل بنفسك أيضًا.

u/AdIll5301 — 2 days ago
▲ 17 r/Iraq

الرد على صفحة أبن الحضارة - ج ٢- :لماذا لن تصبح بغداد مثل طوكيو بالمقارنات؟

قبل أن أبدأ، يجب أن أوضح نقطة مهمة حتى لا يُساء فهم كلامي.

هدفي وهدف صفحة ابن الحضارة واحد، وهو أن يصبح العراق بلدًا أفضل، وأن تصبح بغداد مدينة تضاهي طوكيو، والبصرة تضاهي سنغافورة، وأربيل تضاهي الشارقة، وأن يعيش العراقي في بيئة نظيفة ومنظمة وآمنة.

إذن الخلاف ليس على الهدف، وإنما على طريقة الوصول إليه.

وأرى أن أسلوب المقارنات اليومية بين العراق واليابان أو غيرها من الدول، رغم أنه قد يلفت الانتباه، إلا أنه لا يمثل طريقًا ناجحًا للإصلاح، ولدي على ذلك عدة ملاحظات.

أولًا: لم يأتِ بشيء جديد

كما ذكر أحد الإخوة في التعليقات، فإن أسلوب المقارنات ليس اختراعًا جديدًا، بل هو من أقدم الأساليب المستخدمة في التربية والمجتمع.

الأب يقارن ابنه بابن الجيران.

الأم تقارن ابنتها ببنات الأقارب.

المعلم يقارن طلابه.

والدول تُقارن فيما بينها منذ عشرات السنين.

إذن نحن أمام أسلوب معروف جدًا، وليس فكرة جديدة تستحق كل هذا الاحتفاء.

لكن السؤال الحقيقي ليس: من الأفضل؟

بل: كيف ننتقل من هنا إلى هناك؟

وهنا تكمن المشكلة.

ثانيًا: المقارنات لا تقدم خارطة طريق

لنفترض أننا اتفقنا جميعًا على أن طوكيو أنظف من بغداد.

ثم ماذا؟

ما الخطوة الأولى؟

ما القانون الذي يجب تشريعه؟

ما الجهة المسؤولة؟

ما المشروع الذي يجب أن يبدأ غدًا؟

ما الميزانية المطلوبة؟

كم سنة يحتاج التنفيذ؟

لا يوجد جواب.

المقارنة تصف الواقع، لكنها لا تقدم خارطة طريق لتغييره.

هي أشبه بمن يقف أمام جبل ويقول لك: "انظر كم هو مرتفع."

حسنًا... وكيف أصعد إليه؟

هنا ينتهي دور المقارنة.

ثالثًا: المقارنات تزرع الإحباط أكثر مما تزرع الأمل

برأيي، كثرة المقارنات تنطلق أصلًا من فقدان الثقة بإمكانية التغيير.

وكأن الرسالة التي تتكرر كل يوم هي:

"انظروا كم نحن سيئون، وكم هم رائعون."

ومع مرور الوقت تتحول هذه الرسالة إلى قناعة داخلية عند الناس:

"إذن لا أمل."

وهذا أخطر ما في الموضوع.

الإصلاح يحتاج إلى التفاؤل، لا إلى جلد الذات.

أنا لا أعتقد أن العراقي يختلف عن بقية شعوب الأرض.

بل أعتقد أن الدليل أمامنا يوميًا.

خذ العراقي نفسه، وأدخله إلى مول تجاري نظيف ومنظم، فيه حراسة، وكاميرات، وعمال نظافة، وستجد أن الغالبية الساحقة تلتزم بالنظام، ولا ترمي النفايات، ولا تعبث بالمكان.

خذ العراقي نفسه، وأرسله إلى اليابان أو أوروبا أو الخليج، وستجده يحترم القوانين والتعليمات.

فهل تغيرت جيناته عندما عبر الحدود؟

بالطبع لا.

الذي تغير هو البيئة، والقانون، والإدارة.

رابعًا: كسر كبرياء الناس ليس طريقًا للإصلاح

موضوع الحضارات هو آخر شيء بقي للعراقي يشعر من خلاله بالفخر.

قد يكون الواقع مظلمًا.

قد يكون الفساد منتشرًا.

قد تكون الخدمات سيئة.

لكن الإنسان يقول لنفسه:

"على الأقل أجدادي كانوا أصحاب حضارة عظيمة."

وهذا شعور طبيعي جدًا.

المسلم يفتخر بدينه.

والمسيحي يفتخر بدينه.

والعائلات تفتخر بأنسابها.

والقبائل تفتخر بتاريخها.

والشعوب كلها تفتخر بماضيها.

فلماذا يصبح افتخار العراقي بتاريخ بلده جريمة؟

المشكلة ليست في الفخر بالماضي.

المشكلة عندما يتحول الماضي إلى عذر لعدم العمل في الحاضر.

وهناك فرق كبير بين الأمرين.

خامسًا: العراقي ضحية صناعة فكرية لم يصنعها بنفسه

هناك نقطة يغفل عنها كثيرون.

العراقي لم يستيقظ صباحًا ويقرر أن يقول: "أنا ابن حضارة."

هذه الفكرة زُرعت فيه منذ أكثر من قرن.

أول من اكتشف الحضارات العراقية القديمة هم المنقبون والباحثون الغربيون.

والجامعات الغربية هي التي أنفقت الأموال على التنقيب.

والمتاحف العالمية هي التي عرضت آثار العراق في أهم قاعاتها.

والكتب، والأفلام الوثائقية، والأساتذة، والمؤرخون، والفلاسفة، كلهم تحدثوا عن بلاد الرافدين بوصفها مهد الحضارة.

ثم يأتي اليوم من يلوم المواطن البسيط لأنه صدق كل هذا؟

كيف لا يفتخر، وهو يرى العالم كله يحتفي بتاريخ بلده؟

سادسًا: وما زال العالم يغذي هذه الفكرة إلى اليوم

ليس الباحثون فقط.

حتى اليوم، تجد اليونسكو، والمنظمات الدولية، والحكومات، والبرامج الوثائقية، والقنوات العالمية، كلها تسلط الضوء على آثار العراق.

وهذه الآثار ليست من صنع المواطن الحالي، ولا يستطيع أن يضيف إليها أو ينقص منها.

فيقف أمام خيارين فقط.

إما أن يشعر بالفخر.

أو أن يرفض هذا الإرث كله.

الأخ حيدر اختار الطريق الثاني، وهو حر في رأيه.

ويرى أن الإنسان لا ينبغي أن يتغنى بأمجاد الأجداد بينما الحاضر متردٍ.

لكن المواطن البسيط يرى الأمر بطريقة مختلفة.

يقول:

إذا كان العالم كله يحتفي بتاريخ بلدي، فلماذا لا أفتخر به أنا أيضًا؟

ولا أعتقد أن هذا سؤال غير منطقي.

سابعًا: ربما تكون الحضارات غطاءً للفشل... وربما تكون حقيقة أيضًا

قد يكون بعض الناس يستخدم الحضارات ليهرب من الواقع.

وأوافق على وجود هذه الحالة.

لكن بالمقابل، لا يمكن إنكار أن كثيرًا من الأجانب ينظرون فعلًا إلى العراق بإعجاب شديد.

لقد تحدثت مع أشخاص من أوروبا، وكانوا يشعرون بحماس كبير فقط لأنهم زاروا العراق.

أحدهم أخبرني أنه اتصل بعائلته وهو يعبر جسرًا فوق نهر الفرات، وكأنه يعيش لحظة تاريخية.

إذن ليست كل صورة "ابن الحضارة" مجرد وهم صنعناه لأنفسنا.

هناك جزء كبير منها موجود في نظرة العالم أيضًا.

كيف يكون التغيير؟

التغيير يبدأ من شيء واحد فقط...

التفاؤل.

التفاؤل بالشعب.

والتفاؤل بالمستقبل.

والتفاؤل بأن الإصلاح ممكن.

أما إذا بدأنا من فكرة أن المجتمع ميؤوس منه، فلن نبني شيئًا.

أنا لا أؤمن بالإصلاح الذي يبدأ بالشعارات العملاقة.

مثل:

"لنحاسب جميع الفاسدين."

"لنقضي على الفساد."

"لنغير الدولة."

هذه شعارات جميلة، لكنها ليست خطة عمل.

الإصلاح الحقيقي يبدأ من الأشياء الصغيرة.

اليوم يستطيع الشباب العراقي أن يطالب بحملة لتنظيم رمي أعقاب السجائر.

لكن حتى هذه الفكرة تحتاج إلى عمل علمي.

يجب تصميم حاويات خاصة لأعقاب السجائر، تكون مقاومة للحريق.

ثم تُجرَّب في منطقة معينة.

ثم تُدرس النتائج.

ثم تُطور.

ثم تُعمم على بقية المدن.

ثم تأتي بعدها الغرامات.

ثم الرقابة.

ثم تتحول إلى عادة اجتماعية.

هكذا تُبنى المجتمعات.

بالتجربة.

والبحث.

والتشريع.

والتدرج.

وليس بالصور.

كلمة أخيرة

هناك من يقول:

"قبل أن نبدأ بالإصلاح، يجب أولًا أن نُشعر الناس بحجم الكارثة التي يعيشونها."

وأنا أسأل:

هل يوجد عراقي لا يعرف أن شوارعه متعبة؟

هل يوجد من يظن أننا نعيش في مدينة تشبه طوكيو؟

الجميع يعرف الواقع.

إذن لماذا نجعل الاعتراف بالمشكلة شرطًا يسبق كل إصلاح؟

أحيانًا أشعر وكأن البعض يتصور الإصلاح على طريقة النبوة.

شخص يكتشف الحقيقة.

ثم يبشر بها الناس.

ثم يلتف الناس حوله.

ثم تتغير قناعاتهم.

ثم يبدأ الإصلاح.

أنا لا أرى أن الطريق يجب أن يكون هكذا.

يمكن أن يبدأ الإصلاح اليوم.

الآن.

التفوا حول هدف صغير.

حققوه بلا تهاون.

ثم انتقلوا إلى الهدف الذي يليه.

ثم الذي بعده.

وهكذا، خطوة بعد خطوة.

فالمجتمعات لا تُبنى بالمقارنات.

ولا بالحنين إلى الماضي.

ولا بجلد الذات.

بل تُبنى بتراكم آلاف الإصلاحات الصغيرة، حتى يأتي يوم ننظر فيه إلى بغداد، فنجد أنها أصبحت أقرب إلى المدينة التي كنا نحلم بها.

u/Martigus360 — 6 days ago
▲ 16 r/Iraq

الرد على صفحة أبن الحضارة:المقارنة ما تبني مجتمع... الإصلاح هو اللي يبنيه ،

كل فترة تنتشر صورة: شارع بالعراق مقابل شارع باليابان. أو صورة لحاوية نفايات بالعراق مقابل حديقة بأوروبا. ويجي واحد يكول: "شوفوا الفرق، ليش احنا هيج؟"

بس السؤال الحقيقي: هل هاي المقارنات غيرت المجتمع ولو بنسبة 1%؟

الجواب بكل بساطة: لا.

لأن المشكلة مو بالصورة، المشكلة بالطريق.

احنا نريد نقفز من الماضي للمستقبل، بدون ما نمر بالحاضر.

الماضي اللي جايين منه هو مجتمع السوق والبازار؛ كل واحد يتصرف على راحته. البائع يطلع بضاعته للشارع، وإذا خضرة خربانة يرميها قدام المحل. واحد يبصق بالأرض، والثاني يرمي عقب السيجارة، والثالث يوقف سيارته بنص الشارع، والرابع يشغل طفل يبيع بالشمس. هاي السلوكيات مو لأن الناس أشرار، وإنما لأن المجتمع تعود يعيش بهامش كبير من الفوضى، وصارت هاي التصرفات طبيعية.

بينما المستقبل اللي نشوفه باليابان أو أوروبا يشبه المول التجاري أكثر مما يشبه السوق الشعبي.

المول التجاري كل شيء بيه محسوب: مداخل، مخارج، كاميرات، عمال تنظيف، حراس، قوانين، وغرامات. ما تگدر ترمي عقب سيجارة لأن أكو نظام يمنعك، وما تگدر تبيع بأي مكان لأن أكو تنظيم، وما تگدر تخالف لأن العقوبة حاضرة.

إحنا شفنا النتيجة، وأعجبتنا، فگلنـا نريد نصير مثلهم... لكن نسينا الطريق اللي وصلهم إلها.

التحول ما يصير بالانتقاد، يصير بالإصلاح.

والإصلاح الحقيقي مو منشور فيسبوك، ولا صورة مقارنة، ولا تعليق ساخر.

الإصلاح يعني قرارات قاسية، وحزم، وتطبيق قانون على الجميع، حتى بالأشياء اللي نشوفها "بسيطة".

وهنا تظهر المشكلة.

كثير من عدنا يريد مجتمع منظم، لكن بنفس الوقت يريد يحتفظ بجزء من الفوضى اللي تناسبه.

يمكن يعتبر نفسه مثقف، لكن إذا وقع منه كيس نايلون أو علبة مشروب خارج سلة النفايات، يمشي ويخليها. ويمكن يكول: "مو مشكلة... غيري يشيلها."

طيب...

شنو الفرق بين هذا الشخص، وبين واحد فتح شباك السيارة ورمى الكيس بالشارع؟

الفرق بالكمية، مو بالنوع.

كل الجرائم الكبيرة إلها نسخة صغيرة، والمجتمع غالباً يتسامح ويا النسخ الصغيرة.

الفساد يبدأ من معاملة بسيطة.

والتجاوز يبدأ من ركنة سيارة.

وقذارة الشارع تبدأ من عقب سيجارة.

وضياع حقوق الطفل يبدأ من قبول فكرة أن طفل بعمر عشر سنوات يشتغل بالسوق.

الغريب أن المجتمع أحياناً يغضب إذا شاف طفل يتعرض للضرب داخل البيت، لكنه بنفس الوقت يمر يومياً على أطفال يشتغلون عشر ساعات بالشوارع والأسواق وكأنه الأمر طبيعي.

أليس هذا أيضاً اعتداءً على حقوق الطفل؟

شنو الفرق؟

مرة ثانية...

الفرق بالدرجة، مو بالمبدأ.

ولهذا الإصلاح يفشل إذا اختار الأخطاء اللي تعجبه، وسكت عن الأخطاء اللي متعود عليها.

أعتقد أن الدول المتقدمة مرت بمرحلة كان فيها عدم تسامح مع المخالفة، مهما كانت صغيرة.

مو لأن شعوبهم ملائكة.

بالعكس، لأنهم فهموا أن الفوضى تبدأ صغيرة ثم تكبر.

ولذلك إلى اليوم تشوف مدن بأوروبا تستثمر ملايين حتى تبتكر حلولاً جديدة للنظافة، ولمرافق التبول العامة، ولإدارة النفايات، ولتنظيم الأسواق. ما زالوا يجربون، ويخطئون، ويعدلون.

أما إحنا، فكثير من الأحيان نعتبر كتابة عبارة "البول للحمير" على الجدار هي الحل.

بدل ما نسأل: ليش الناس تتبول بالشارع أصلاً؟ وهل وفرنا البديل؟

الإصلاح الحقيقي مو بس منع، وإنما فهم للسلوك، ثم بناء نظام يمنع الخطأ ويجعل الصح أسهل من الغلط.

ولهذا، كل صورة تقارن العراق باليابان قد تحصد آلاف الإعجابات، لكنها ما راح تبني شارعاً واحداً.

لأن المجتمع ما ينتقل من الفوضى إلى النظام بالقفز.

ينتقل بخطوات.

بإصلاحات قد تكون مزعجة.

وبقانون يطبق على الجميع.

وبشعب يتعلم أن يرفض الخطأ الصغير قبل أن يشتكي من الخطأ الكبير.

عندها فقط، ما راح نحتاج نقارن أنفسنا باليابان.

راح نكون مشغولين بمقارنة عراق اليوم... بعراق الأمس.

u/Martigus360 — 7 days ago
▲ 2 r/Iraqi

كيف يبحث المجتمع عن صرفة لأبنائه؟

الشاب أو الشابة، بمجرد ما يولد، أهله يريدون يلكوله صرفه، يريدون يخلصون منه بأي طريقة. هذه هي الحقيقة غير المنطوقة.

الأب والأم جزء منهم يشوف الابن أو الابنة سنداً، لكن جزءاً آخر يشوفهم عالة، ومسؤولية لازم تنتهي بأسرع وقت ممكن.

من يكبر الولد ويبدأ يشب، تبدأ الضغوط من كل الجهات حتى يتحررون من وجوده بينهم. أول ضغط يكون: "لكه شغل". وبعدها مباشرة: "لكه مرة". وبعدها: "استقل ببيتك". وحتى إذا ما استقل وبقى عايش ببيت العائلة، فيكون أغلب وقته بالشغل، منشغل بإعالة زوجته وأولاده، وما يعود مثل قبل جزءاً من حياة البيت.

أما البنت، فالضغوط تكون باتجاه واحد تقريباً: لازم تتزوج وتنجب، وبمجرد أن تروح إلى بيت زوجها، تنتقل مسؤوليتها إليه، ويصبح هو المتكفل بها.

أكو من يكول: هاي سنة الحياة.

لكن إذا نظرنا للموضوع بتمعن أكثر، يجيك إحساس غريب، وكأن الأب والأم ارتكبوا غلطة يوم أنجبوا، ومن بعدها قضوا بقية حياتهم يحاولون معالجة هذه الغلطة، وإيجاد "صرفة" لكل ابن وبنت.

وراح أربط هذا الموضوع بموضوع ساخن جداً، وهو موضوع التعيينات في العراق.

التعيينات أصبحت الشغل الشاغل لملايين الشباب. وأصبح الضغط الشعبي كله باتجاه واحد: افتحوا باب التعيينات. والحكومة أحياناً ترضخ لهذا الضغط، فتعيّن عشرات الآلاف كلما ارتفعت الأصوات المطالبة بذلك.

وفي المقابل، كل المحللين الاقتصاديين يدقون جرس الإنذار، ويقولون إن هذا الرخاء، رخاء الرواتب الحكومية، لن يستمر إلى ما لا نهاية.

لكن برأيي، السبب أن المجتمع استثمر بهذه الفكرة لعقود طويلة. ضغوط العائلة والمجتمع جعلت الشاب أحادي التفكير. بالنسبة له، النجاح يعني وظيفة حكومية فقط. لذلك، لا بد أن تنجح التعيينات، ولا بد أن تستمر الرواتب بلا حدود، لأن المجتمع كله بنى تصوراته على هذا الأساس.

ولهذا، حتى من يأتي باقتراحات أفضل، تُوأد اقتراحاته منذ اللحظة الأولى. وهذا ما سيشعر به كثير من الناس وهم يقرأون هذه السطور.

أعطيكم أمثلة على حلول أخرى.

أنا أيضاً أريد أن أوفر تعيينات وفرص عمل للشباب، لكن ليس بالضرورة داخل الدولة.

العراق يستورد سنوياً بمليارات الدولارات من دول مثل تركيا وإيران. فلماذا لا تتحول هذه القوة الشرائية إلى ورقة ضغط؟ لماذا لا تدخل الحكومة في مفاوضات مع هذه الدول، وتفرض عليها تشغيل عشرات الآلاف من العراقيين مقابل استمرار العلاقات التجارية؟ وإذا رفضت، فلماذا لا يُستخدم سلاح تقييد أو حظر استيراد بعض السلع القادمة منها؟

ومثال آخر، تقوية الجواز العراقي.

من الأسباب التي يُشاع أنها تضعف الجواز العراقي، أن بعض حاملي الجواز يفتعلون المشاكل أو يخالفون القوانين في الدول الأخرى، فتأتي النتيجة بمعاقبة ملايين العراقيين بسبب تصرفات قلة منهم.

إذاً، لماذا لا تكون هناك عقوبات صارمة على من يسيء استخدام الجواز العراقي أو يسيء لسمعة البلد؟ عندها سيتحسن وضع الجواز تدريجياً، وستُفتح فرص أكبر للعراقيين للعمل والسفر، وسيجد كثير من الشباب "صرفة" خارج العراق، بدلاً من انتظار التعيين الحكومي.

هذه مجرد أمثلة، وهناك عشرات الحلول المشابهة.

لكن مع شديد الأسف، المجتمع قافل على نفسه، ويحارب كل من يطرح حلولاً عقلانية، ويهاجمه، لأن الحل بنظره لا يكون حلاً إلا إذا كان متوافقاً مع الرأي السائد.

والرأي السائد يقول شيئاً واحداً فقط:

الدولة يجب أن توفر تعيينات للجميع.

حتى من لم يولد بعد، يجب أن تكون له حصته... حصة من النفط، وحصة من أموال الدولة، وحصة من الراتب.

أحياناً الإنسان يملأ عقله بأفكار غير عقلانية، فتتشكل داخل رأسه رواية متكاملة، وكل حدث جديد يصبح دليلاً إضافياً على صحة تلك الرواية. عندها لا يعود يرى الواقع كما هو، وإنما يراه من خلال هذه القصة التي بناها لنفسه.

خذ العراق مثالاً.

البلد مستعمر، والفساد ينخر الدولة، والسياسيون جميعهم فاسدون، والقوى الخارجية تتحكم بكل شيء، ولا يوجد أمل، ولا يوجد مستقبل... شيئاً فشيئاً تتحول هذه الأفكار إلى صورة كاملة مغلقة.

وعندما تصبح الصورة مكتملة، يختفي السؤال الأهم: ما هي الحلول؟

بدلاً من التفكير بكيفية خلق فرص عمل، أو إصلاح التعليم، أو تقوية القطاع الخاص، أو تحسين الجواز العراقي، أو فتح أسواق عمل خارجية، أو أي حل عملي آخر، يصبح التفكير كله منصباً على سؤال واحد:

من سينقذنا؟

وهنا تكمن المشكلة.

فبمجرد أن تؤمن أن كل شيء خارج عن إرادتك، وأن جميع أسباب الفشل خارجية، فإنك أيضاً تؤمن ضمناً أن الحل لا يمكن أن يأتي منك، بل يجب أن يأتي من شخص آخر، أو من حدث خارق، أو من حكومة مثالية، أو من زعيم، أو من معجزة.

الروايات المغلقة لا تقتل الحقيقة فقط، بل تقتل القدرة على رؤية البدائل.

reddit.com
u/Martigus360 — 14 days ago

كيف يبحث المجتمع عن صرفة لأبنائه؟

الشاب أو الشابة، بمجرد ما يولد، أهله يريدون يلكوله صرفه، يريدون يخلصون منه بأي طريقة. هذه هي الحقيقة غير المنطوقة.

الأب والأم جزء منهم يشوف الابن أو الابنة سنداً، لكن جزءاً آخر يشوفهم عالة، ومسؤولية لازم تنتهي بأسرع وقت ممكن.

من يكبر الولد ويبدأ يشب، تبدأ الضغوط من كل الجهات حتى يتحررون من وجوده بينهم. أول ضغط يكون: "لكه شغل". وبعدها مباشرة: "لكه مرة". وبعدها: "استقل ببيتك". وحتى إذا ما استقل وبقى عايش ببيت العائلة، فيكون أغلب وقته بالشغل، منشغل بإعالة زوجته وأولاده، وما يعود مثل قبل جزءاً من حياة البيت.

أما البنت، فالضغوط تكون باتجاه واحد تقريباً: لازم تتزوج وتنجب، وبمجرد أن تروح إلى بيت زوجها، تنتقل مسؤوليتها إليه، ويصبح هو المتكفل بها.

أكو من يكول: هاي سنة الحياة.

لكن إذا نظرنا للموضوع بتمعن أكثر، يجيك إحساس غريب، وكأن الأب والأم ارتكبوا غلطة يوم أنجبوا، ومن بعدها قضوا بقية حياتهم يحاولون معالجة هذه الغلطة، وإيجاد "صرفة" لكل ابن وبنت.

وراح أربط هذا الموضوع بموضوع ساخن جداً، وهو موضوع التعيينات في العراق.

التعيينات أصبحت الشغل الشاغل لملايين الشباب. وأصبح الضغط الشعبي كله باتجاه واحد: افتحوا باب التعيينات. والحكومة أحياناً ترضخ لهذا الضغط، فتعيّن عشرات الآلاف كلما ارتفعت الأصوات المطالبة بذلك.

وفي المقابل، كل المحللين الاقتصاديين يدقون جرس الإنذار، ويقولون إن هذا الرخاء، رخاء الرواتب الحكومية، لن يستمر إلى ما لا نهاية.

لكن برأيي، السبب أن المجتمع استثمر بهذه الفكرة لعقود طويلة. ضغوط العائلة والمجتمع جعلت الشاب أحادي التفكير. بالنسبة له، النجاح يعني وظيفة حكومية فقط. لذلك، لا بد أن تنجح التعيينات، ولا بد أن تستمر الرواتب بلا حدود، لأن المجتمع كله بنى تصوراته على هذا الأساس.

ولهذا، حتى من يأتي باقتراحات أفضل، تُوأد اقتراحاته منذ اللحظة الأولى. وهذا ما سيشعر به كثير من الناس وهم يقرأون هذه السطور.

أعطيكم أمثلة على حلول أخرى.

أنا أيضاً أريد أن أوفر تعيينات وفرص عمل للشباب، لكن ليس بالضرورة داخل الدولة.

العراق يستورد سنوياً بمليارات الدولارات من دول مثل تركيا وإيران. فلماذا لا تتحول هذه القوة الشرائية إلى ورقة ضغط؟ لماذا لا تدخل الحكومة في مفاوضات مع هذه الدول، وتفرض عليها تشغيل عشرات الآلاف من العراقيين مقابل استمرار العلاقات التجارية؟ وإذا رفضت، فلماذا لا يُستخدم سلاح تقييد أو حظر استيراد بعض السلع القادمة منها؟

ومثال آخر، تقوية الجواز العراقي.

من الأسباب التي يُشاع أنها تضعف الجواز العراقي، أن بعض حاملي الجواز يفتعلون المشاكل أو يخالفون القوانين في الدول الأخرى، فتأتي النتيجة بمعاقبة ملايين العراقيين بسبب تصرفات قلة منهم.

إذاً، لماذا لا تكون هناك عقوبات صارمة على من يسيء استخدام الجواز العراقي أو يسيء لسمعة البلد؟ عندها سيتحسن وضع الجواز تدريجياً، وستُفتح فرص أكبر للعراقيين للعمل والسفر، وسيجد كثير من الشباب "صرفة" خارج العراق، بدلاً من انتظار التعيين الحكومي.

هذه مجرد أمثلة، وهناك عشرات الحلول المشابهة.

لكن مع شديد الأسف، المجتمع قافل على نفسه، ويحارب كل من يطرح حلولاً عقلانية، ويهاجمه، لأن الحل بنظره لا يكون حلاً إلا إذا كان متوافقاً مع الرأي السائد.

والرأي السائد يقول شيئاً واحداً فقط:

الدولة يجب أن توفر تعيينات للجميع.

حتى من لم يولد بعد، يجب أن تكون له حصته... حصة من النفط، وحصة من أموال الدولة، وحصة من الراتب.

أحياناً الإنسان يملأ عقله بأفكار غير عقلانية، فتتشكل داخل رأسه رواية متكاملة، وكل حدث جديد يصبح دليلاً إضافياً على صحة تلك الرواية. عندها لا يعود يرى الواقع كما هو، وإنما يراه من خلال هذه القصة التي بناها لنفسه.

خذ العراق مثالاً.

البلد مستعمر، والفساد ينخر الدولة، والسياسيون جميعهم فاسدون، والقوى الخارجية تتحكم بكل شيء، ولا يوجد أمل، ولا يوجد مستقبل... شيئاً فشيئاً تتحول هذه الأفكار إلى صورة كاملة مغلقة.

وعندما تصبح الصورة مكتملة، يختفي السؤال الأهم: ما هي الحلول؟

بدلاً من التفكير بكيفية خلق فرص عمل، أو إصلاح التعليم، أو تقوية القطاع الخاص، أو تحسين الجواز العراقي، أو فتح أسواق عمل خارجية، أو أي حل عملي آخر، يصبح التفكير كله منصباً على سؤال واحد:

من سينقذنا؟

وهنا تكمن المشكلة.

فبمجرد أن تؤمن أن كل شيء خارج عن إرادتك، وأن جميع أسباب الفشل خارجية، فإنك أيضاً تؤمن ضمناً أن الحل لا يمكن أن يأتي منك، بل يجب أن يأتي من شخص آخر، أو من حدث خارق، أو من حكومة مثالية، أو من زعيم، أو من معجزة.

الروايات المغلقة لا تقتل الحقيقة فقط، بل تقتل القدرة على رؤية البدائل.

reddit.com
u/Martigus360 — 14 days ago

كيف يبحث المجتمع عن صرفة لأبنائه؟

الشاب أو الشابة، بمجرد ما يولد، أهله يريدون يلكوله صرفه، يريدون يخلصون منه بأي طريقة. هذه هي الحقيقة غير المنطوقة.

الأب والأم جزء منهم يشوف الابن أو الابنة سنداً، لكن جزءاً آخر يشوفهم عالة، ومسؤولية لازم تنتهي بأسرع وقت ممكن.

من يكبر الولد ويبدأ يشب، تبدأ الضغوط من كل الجهات حتى يتحررون من وجوده بينهم. أول ضغط يكون: "لكه شغل". وبعدها مباشرة: "لكه مرة". وبعدها: "استقل ببيتك". وحتى إذا ما استقل وبقى عايش ببيت العائلة، فيكون أغلب وقته بالشغل، منشغل بإعالة زوجته وأولاده، وما يعود مثل قبل جزءاً من حياة البيت.

أما البنت، فالضغوط تكون باتجاه واحد تقريباً: لازم تتزوج وتنجب، وبمجرد أن تروح إلى بيت زوجها، تنتقل مسؤوليتها إليه، ويصبح هو المتكفل بها.

أكو من يكول: هاي سنة الحياة.

لكن إذا نظرنا للموضوع بتمعن أكثر، يجيك إحساس غريب، وكأن الأب والأم ارتكبوا غلطة يوم أنجبوا، ومن بعدها قضوا بقية حياتهم يحاولون معالجة هذه الغلطة، وإيجاد "صرفة" لكل ابن وبنت.

وراح أربط هذا الموضوع بموضوع ساخن جداً، وهو موضوع التعيينات في العراق.

التعيينات أصبحت الشغل الشاغل لملايين الشباب. وأصبح الضغط الشعبي كله باتجاه واحد: افتحوا باب التعيينات. والحكومة أحياناً ترضخ لهذا الضغط، فتعيّن عشرات الآلاف كلما ارتفعت الأصوات المطالبة بذلك.

وفي المقابل، كل المحللين الاقتصاديين يدقون جرس الإنذار، ويقولون إن هذا الرخاء، رخاء الرواتب الحكومية، لن يستمر إلى ما لا نهاية.

لكن برأيي، السبب أن المجتمع استثمر بهذه الفكرة لعقود طويلة. ضغوط العائلة والمجتمع جعلت الشاب أحادي التفكير. بالنسبة له، النجاح يعني وظيفة حكومية فقط. لذلك، لا بد أن تنجح التعيينات، ولا بد أن تستمر الرواتب بلا حدود، لأن المجتمع كله بنى تصوراته على هذا الأساس.

ولهذا، حتى من يأتي باقتراحات أفضل، تُوأد اقتراحاته منذ اللحظة الأولى. وهذا ما سيشعر به كثير من الناس وهم يقرأون هذه السطور.

أعطيكم أمثلة على حلول أخرى.

أنا أيضاً أريد أن أوفر تعيينات وفرص عمل للشباب، لكن ليس بالضرورة داخل الدولة.

العراق يستورد سنوياً بمليارات الدولارات من دول مثل تركيا وإيران. فلماذا لا تتحول هذه القوة الشرائية إلى ورقة ضغط؟ لماذا لا تدخل الحكومة في مفاوضات مع هذه الدول، وتفرض عليها تشغيل عشرات الآلاف من العراقيين مقابل استمرار العلاقات التجارية؟ وإذا رفضت، فلماذا لا يُستخدم سلاح تقييد أو حظر استيراد بعض السلع القادمة منها؟

ومثال آخر، تقوية الجواز العراقي.

من الأسباب التي يُشاع أنها تضعف الجواز العراقي، أن بعض حاملي الجواز يفتعلون المشاكل أو يخالفون القوانين في الدول الأخرى، فتأتي النتيجة بمعاقبة ملايين العراقيين بسبب تصرفات قلة منهم.

إذاً، لماذا لا تكون هناك عقوبات صارمة على من يسيء استخدام الجواز العراقي أو يسيء لسمعة البلد؟ عندها سيتحسن وضع الجواز تدريجياً، وستُفتح فرص أكبر للعراقيين للعمل والسفر، وسيجد كثير من الشباب "صرفة" خارج العراق، بدلاً من انتظار التعيين الحكومي.

هذه مجرد أمثلة، وهناك عشرات الحلول المشابهة.

لكن مع شديد الأسف، المجتمع قافل على نفسه، ويحارب كل من يطرح حلولاً عقلانية، ويهاجمه، لأن الحل بنظره لا يكون حلاً إلا إذا كان متوافقاً مع الرأي السائد.

والرأي السائد يقول شيئاً واحداً فقط:

الدولة يجب أن توفر تعيينات للجميع.

حتى من لم يولد بعد، يجب أن تكون له حصته... حصة من النفط، وحصة من أموال الدولة، وحصة من الراتب.

أحياناً الإنسان يملأ عقله بأفكار غير عقلانية، فتتشكل داخل رأسه رواية متكاملة، وكل حدث جديد يصبح دليلاً إضافياً على صحة تلك الرواية. عندها لا يعود يرى الواقع كما هو، وإنما يراه من خلال هذه القصة التي بناها لنفسه.

خذ العراق مثالاً.

البلد مستعمر، والفساد ينخر الدولة، والسياسيون جميعهم فاسدون، والقوى الخارجية تتحكم بكل شيء، ولا يوجد أمل، ولا يوجد مستقبل... شيئاً فشيئاً تتحول هذه الأفكار إلى صورة كاملة مغلقة.

وعندما تصبح الصورة مكتملة، يختفي السؤال الأهم: ما هي الحلول؟

بدلاً من التفكير بكيفية خلق فرص عمل، أو إصلاح التعليم، أو تقوية القطاع الخاص، أو تحسين الجواز العراقي، أو فتح أسواق عمل خارجية، أو أي حل عملي آخر، يصبح التفكير كله منصباً على سؤال واحد:

من سينقذنا؟

وهنا تكمن المشكلة.

فبمجرد أن تؤمن أن كل شيء خارج عن إرادتك، وأن جميع أسباب الفشل خارجية، فإنك أيضاً تؤمن ضمناً أن الحل لا يمكن أن يأتي منك، بل يجب أن يأتي من شخص آخر، أو من حدث خارق، أو من حكومة مثالية، أو من زعيم، أو من معجزة.

الروايات المغلقة لا تقتل الحقيقة فقط، بل تقتل القدرة على رؤية البدائل.

reddit.com
u/Martigus360 — 14 days ago
▲ 6 r/Iraq

كيف يبحث المجتمع عن صرفة لأبنائه؟

الشاب أو الشابة، بمجرد ما يولد، أهله يريدون يلكوله صرفه، يريدون يخلصون منه بأي طريقة. هذه هي الحقيقة غير المنطوقة.

الأب والأم جزء منهم يشوف الابن أو الابنة سنداً، لكن جزءاً آخر يشوفهم عالة، ومسؤولية لازم تنتهي بأسرع وقت ممكن.

من يكبر الولد ويبدأ يشب، تبدأ الضغوط من كل الجهات حتى يتحررون من وجوده بينهم. أول ضغط يكون: "لكه شغل". وبعدها مباشرة: "لكه مرة". وبعدها: "استقل ببيتك". وحتى إذا ما استقل وبقى عايش ببيت العائلة، فيكون أغلب وقته بالشغل، منشغل بإعالة زوجته وأولاده، وما يعود مثل قبل جزءاً من حياة البيت.

أما البنت، فالضغوط تكون باتجاه واحد تقريباً: لازم تتزوج وتنجب، وبمجرد أن تروح إلى بيت زوجها، تنتقل مسؤوليتها إليه، ويصبح هو المتكفل بها.

أكو من يكول: هاي سنة الحياة.

لكن إذا نظرنا للموضوع بتمعن أكثر، يجيك إحساس غريب، وكأن الأب والأم ارتكبوا غلطة يوم أنجبوا، ومن بعدها قضوا بقية حياتهم يحاولون معالجة هذه الغلطة، وإيجاد "صرفة" لكل ابن وبنت.

وراح أربط هذا الموضوع بموضوع ساخن جداً، وهو موضوع التعيينات في العراق.

التعيينات أصبحت الشغل الشاغل لملايين الشباب. وأصبح الضغط الشعبي كله باتجاه واحد: افتحوا باب التعيينات. والحكومة أحياناً ترضخ لهذا الضغط، فتعيّن عشرات الآلاف كلما ارتفعت الأصوات المطالبة بذلك.

وفي المقابل، كل المحللين الاقتصاديين يدقون جرس الإنذار، ويقولون إن هذا الرخاء، رخاء الرواتب الحكومية، لن يستمر إلى ما لا نهاية.

لكن برأيي، السبب أن المجتمع استثمر بهذه الفكرة لعقود طويلة. ضغوط العائلة والمجتمع جعلت الشاب أحادي التفكير. بالنسبة له، النجاح يعني وظيفة حكومية فقط. لذلك، لا بد أن تنجح التعيينات، ولا بد أن تستمر الرواتب بلا حدود، لأن المجتمع كله بنى تصوراته على هذا الأساس.

ولهذا، حتى من يأتي باقتراحات أفضل، تُوأد اقتراحاته منذ اللحظة الأولى. وهذا ما سيشعر به كثير من الناس وهم يقرأون هذه السطور.

أعطيكم أمثلة على حلول أخرى.

أنا أيضاً أريد أن أوفر تعيينات وفرص عمل للشباب، لكن ليس بالضرورة داخل الدولة.

العراق يستورد سنوياً بمليارات الدولارات من دول مثل تركيا وإيران. فلماذا لا تتحول هذه القوة الشرائية إلى ورقة ضغط؟ لماذا لا تدخل الحكومة في مفاوضات مع هذه الدول، وتفرض عليها تشغيل عشرات الآلاف من العراقيين مقابل استمرار العلاقات التجارية؟ وإذا رفضت، فلماذا لا يُستخدم سلاح تقييد أو حظر استيراد بعض السلع القادمة منها؟

ومثال آخر، تقوية الجواز العراقي.

من الأسباب التي يُشاع أنها تضعف الجواز العراقي، أن بعض حاملي الجواز يفتعلون المشاكل أو يخالفون القوانين في الدول الأخرى، فتأتي النتيجة بمعاقبة ملايين العراقيين بسبب تصرفات قلة منهم.

إذاً، لماذا لا تكون هناك عقوبات صارمة على من يسيء استخدام الجواز العراقي أو يسيء لسمعة البلد؟ عندها سيتحسن وضع الجواز تدريجياً، وستُفتح فرص أكبر للعراقيين للعمل والسفر، وسيجد كثير من الشباب "صرفة" خارج العراق، بدلاً من انتظار التعيين الحكومي.

هذه مجرد أمثلة، وهناك عشرات الحلول المشابهة.

لكن مع شديد الأسف، المجتمع قافل على نفسه، ويحارب كل من يطرح حلولاً عقلانية، ويهاجمه، لأن الحل بنظره لا يكون حلاً إلا إذا كان متوافقاً مع الرأي السائد.

والرأي السائد يقول شيئاً واحداً فقط:

الدولة يجب أن توفر تعيينات للجميع.

حتى من لم يولد بعد، يجب أن تكون له حصته... حصة من النفط، وحصة من أموال الدولة، وحصة من الراتب.

أحياناً الإنسان يملأ عقله بأفكار غير عقلانية، فتتشكل داخل رأسه رواية متكاملة، وكل حدث جديد يصبح دليلاً إضافياً على صحة تلك الرواية. عندها لا يعود يرى الواقع كما هو، وإنما يراه من خلال هذه القصة التي بناها لنفسه.

خذ العراق مثالاً.

البلد مستعمر، والفساد ينخر الدولة، والسياسيون جميعهم فاسدون، والقوى الخارجية تتحكم بكل شيء، ولا يوجد أمل، ولا يوجد مستقبل... شيئاً فشيئاً تتحول هذه الأفكار إلى صورة كاملة مغلقة.

وعندما تصبح الصورة مكتملة، يختفي السؤال الأهم: ما هي الحلول؟

بدلاً من التفكير بكيفية خلق فرص عمل، أو إصلاح التعليم، أو تقوية القطاع الخاص، أو تحسين الجواز العراقي، أو فتح أسواق عمل خارجية، أو أي حل عملي آخر، يصبح التفكير كله منصباً على سؤال واحد:

من سينقذنا؟

وهنا تكمن المشكلة.

فبمجرد أن تؤمن أن كل شيء خارج عن إرادتك، وأن جميع أسباب الفشل خارجية، فإنك أيضاً تؤمن ضمناً أن الحل لا يمكن أن يأتي منك، بل يجب أن يأتي من شخص آخر، أو من حدث خارق، أو من حكومة مثالية، أو من زعيم، أو من معجزة.

الروايات المغلقة لا تقتل الحقيقة فقط، بل تقتل القدرة على رؤية البدائل.

reddit.com
u/Martigus360 — 15 days ago
▲ 6 r/Iraq+1 crossposts

الدولة ليست أبًا... وحدود المسؤولية التي لا يريد المجتمع الاعتراف بها

كلما اشتدت أزمة التعيينات في العراق، ارتفع صوت الناس بمطلب واحد: الدولة يجب أن تعين الجميع. حتى أصبح هذا المطلب يبدو وكأنه حق بديهي، ومن يعترض عليه يُتهم بأنه ضد الشباب، أو ضد العدالة، أو أنه لا يشعر بمعاناة الناس.

لكن قبل أن نسأل: هل تستطيع الدولة أن تعين الجميع؟ ربما علينا أن نسأل سؤالًا أكثر إزعاجًا:

هل يجب عليها أصلًا؟

هذا السؤال لا يعني أن الدولة لا تتحمل مسؤولية تجاه مواطنيها، ولا يعني أن الفقراء يُتركون لمصيرهم، بل يعني أننا بحاجة إلى فهم حدود المسؤولية، لأن كل مسؤولية في هذا الكون لها سقف، وما يتجاوز السقف يتحول إلى عبء، ثم إلى انهيار.

المشكلة لا تبدأ عند وزارة المالية، ولا عند الموازنة، بل تبدأ داخل عقل المجتمع.

فالإنسان يولد، فيتكفل به والداه، ثم يدخل المدرسة فتتحمل الدولة جزءًا من مسؤولية تعليمه، ثم يذهب إلى الجامعة، ثم إلى المستشفى عند المرض، ثم بعد التخرج ينتظر وظيفة، ثم بعد الزواج ينتظر دعمًا جديدًا، ثم ينجب أطفالًا، لتبدأ الدورة نفسها من جديد.

ومع مرور الزمن، تنتقل المسؤولية تدريجيًا من الفرد إلى الأسرة، ومن الأسرة إلى الدولة، حتى تصبح الدولة مطالبة بأن تكون الأب، والأم، والمعلم، والطبيب، وصاحب العمل، وضامن المستقبل.

لكن هل هذه هي وظيفة الدولة فعلًا؟

إذا كانت الدولة مسؤولة عن كل شيء، فما الذي بقي مسؤولية على الفرد؟

قد يبدو السؤال قاسيًا، لكنه ضروري.

المجتمعات لا تنهار بسبب الفساد فقط، ولا بسبب سوء الإدارة فقط، بل قد تنهار أيضًا عندما تصبح توقعات الناس أكبر من قدرة أي نظام على تلبيتها.

هناك فرق كبير بين أن تساعد الدولة مواطنيها، وبين أن تصبح مسؤولة عن صناعة حياة كل مواطن.

فالدولة تستطيع أن توفر الأمن، والعدالة، والتعليم، والصحة، والبنية التحتية، وأن تهيئ اقتصادًا يسمح بخلق فرص العمل، لكنها لا تستطيع أن تخلق وظيفة حكومية لكل إنسان، ولا أن تتحمل نتائج كل قرار شخصي يتخذه المجتمع.

الإسلام... توزيع للمسؤولية لا إلغاؤها

من الجميل أن الإسلام دعا إلى التكافل، لكنه لم يجعل التكافل مرادفًا لنقل كل المسؤوليات إلى الدولة.

بل على العكس، وزع المسؤولية توزيعًا دقيقًا.

فالطفل مسؤولية والديه أولًا، ولهذا يقول الله تعالى:

﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.

فالنفقة تبدأ من الأب، لا من بيت المال.

وهذا يعني أن الإنجاب في الإسلام ليس مجرد حق، بل مسؤولية. فمن يقرر أن ينجب، يقرر في الوقت نفسه أن يتحمل تبعات هذا القرار، لا أن يفترض مسبقًا أن المجتمع أو الدولة سيكملان المهمة عنه.

ولهذا قال النبي ﷺ:

"كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته."

لم يقل: كلكم راعٍ إلا إذا قامت الدولة مقامكم.

بل جعل المسؤولية تبدأ من الإنسان نفسه.

بل حتى عندما حث الإسلام على العمل، لم يجعل الأصل هو انتظار العطاء، وإنما الإنتاج. يقول النبي ﷺ:

"لأن يأخذ أحدكم حبله، فيحتطب على ظهره، خير له من أن يسأل الناس."

ليس المقصود أن يصبح الجميع حطابين، وإنما أن قيمة الإنسان في سعيه، وأن العمل - مهما كان متواضعًا - أشرف من تعليق الحياة كلها على انتظار وظيفة أو عطية.

حتى الزكاة، وهي أعظم نظام للتكافل في الإسلام، لم تكن بلا حدود.

فلها نسبة محددة، ومصارف محددة، وشروط محددة.

وكأن الشريعة تقول إن التكافل واجب، لكنه ليس بلا سقف.

فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد جعل للتكافل حدودًا وتنظيمًا، فكيف نتوقع أن تكون مسؤولية الدولة بلا حدود؟

هل تحل الدولة محل الأسرة؟

خذ الزواج والإنجاب مثالًا.

المجتمع يشجع عليهما بقوة، بل قد يضغط على الشباب حتى يشعروا أن قيمتهم ناقصة إن لم يتزوجوا.

لكن عندما يأتي الطفل إلى الدنيا، تبدأ عملية توزيع المسؤولية على الآخرين.

الأسرة تنتظر المدرسة لتربيه.

والجامعة لتؤهله.

والمستشفى لتعالجه.

والدولة لتوظفه.

ثم ينتظر المجتمع أن يتزوج هذا الشاب، وينجب أطفالًا، وتبدأ الدورة من جديد.

لكن من الذي قرر أن هذه السلسلة يجب أن تستمر إلى ما لا نهاية؟

لا يوجد قانون في الطبيعة يقول إن الموارد تنمو بلا حدود.

ولا يوجد اقتصاد يستطيع أن يضمن وظيفة حكومية لكل مواطن، جيلًا بعد جيل، مع استمرار زيادة السكان.

حتى الأسرة نفسها تعترف بأن لها حدًا لما تستطيع تحمله من أبناء.

وحتى الإنسان له حد لما يستطيع تحمله من المسؤوليات.

فلماذا نتعامل مع الدولة وكأنها الكيان الوحيد الذي لا يحق له أن تكون له حدود؟

من ثقافة الإنتاج إلى ثقافة الانتظار

الأخطر من ذلك أن الاعتماد الكامل على الدولة لا يغير الاقتصاد فقط، بل يغير طريقة التفكير.

بدل أن يسأل الشاب:

كيف أخلق قيمة؟

يبدأ يسأل:

متى يأتي دوري؟

وبدل أن يصبح النجاح مرتبطًا بالإبداع، أو التجارة، أو الصناعة، أو الزراعة، أو تأسيس مشروع، يصبح مرتبطًا بقرار إداري.

وهنا تتغير الثقافة كلها.

تصبح الوظيفة الحكومية هي الحلم، بينما يُنظر إلى القطاع الخاص وكأنه حل مؤقت، وإلى ريادة الأعمال وكأنها مغامرة غير مضمونة.

لكن لا توجد دولة تستطيع أن تبني مستقبل مجتمع، إذا كان المجتمع نفسه لا يريد أن يشارك في بناء مستقبله.

ماذا كانت وظيفة بيت المال؟

قد يقول قائل: لكن الدولة في الإسلام كانت تنفق على الفقراء.

وهذا صحيح.

لكن السؤال هو: على من كانت تنفق؟

كانت تعين العاجز، والفقير، وابن السبيل، ومن انقطعت به الأسباب.

أما القادر على العمل، فلم يكن الأصل أن يعيش على ما يمنحه بيت المال، بل أن يسعى ويعمل، ثم يأتي دور الدولة عند الحاجة أو العجز.

وهذا فرق جوهري بين شبكة أمان اجتماعي تحفظ كرامة الإنسان، وبين تحويل الدولة إلى رب عمل دائم لكل المجتمع.

التوقعات التي تصنع الانفجار

المشكلة الحقيقية ليست قلة التعيينات.

بل تضخم التوقعات.

حين يعتقد ملايين الشباب أن مستقبلهم كله يعتمد على وظيفة حكومية، فإن أي حكومة، مهما كانت نزيهة، ستفشل في تحقيق هذا الوعد.

ليس لأنها لا تريد.

بل لأن المعادلة نفسها مستحيلة.

ولو احتاج مليون شخص إلى وظائف، ولم يتوفر إلا جزء منها، فسيشعر الباقون بالظلم، حتى لو كان السبب اقتصاديًا لا سياسيًا.

وهكذا يتولد الاحتقان.

ثم يتحول الاحتقان إلى غضب.

ثم يتحول الغضب إلى أزمة اجتماعية، لأن المجتمع بنى آماله على وعد لا يستطيع أي اقتصاد الوفاء به.

خاتمة

ربما لا تبدأ المشكلة من وزارة، ولا من موازنة، ولا من حكومة.

ربما تبدأ من الفكرة التي تربينا عليها.

فكرة أن الدولة مسؤولة عن كل شيء.

بينما الإسلام، والعقل، وتجارب الأمم، تقول شيئًا مختلفًا.

تقول إن المجتمع السليم يقوم على توزيع المسؤوليات، لا على تجميعها.

على أن يتحمل الفرد مسؤولية تطوير نفسه.

وتتحمل الأسرة مسؤولية أبنائها.

ويتحمل المجتمع واجب التكافل.

وتتحمل الدولة مسؤولية إقامة العدل، وبناء المؤسسات، وتهيئة البيئة التي تتيح للناس أن يعملوا وينتجوا ويبدعوا.

فإذا اختل هذا التوازن، وتحولت الدولة إلى الأب الوحيد الذي يُنتظر منه أن يربي، ويعلم، ويعالج، ويوظف، ويضمن المستقبل، فلن تكون النتيجة دولة أقوى، بل دولة مثقلة بما لا تستطيع حمله.

والدولة التي تُحمَّل فوق طاقتها، لا تسقط وحدها... بل يسقط معها المجتمع الذي اعتقد أن المسؤولية يمكن أن تُلقى كلها على كتفيها.

reddit.com
u/Martigus360 — 18 days ago
▲ 11 r/Iraq

لماذا أصبح شبابنا منهكين نفسياً؟

موضوعي اليوم عن الأزمات النفسية الي يمر بيها أغلب العراقيين. هاي الأزمات مو جاية من فراغ، وإنما هي نتيجة الضغوط والغوطات اليومية، وهذا الشي كلنا نعرفه. لكن أكو نقطة أشوفها الناس مرات تغفل عنها، وهي أن المجتمع يرفع سقف توقعاته بشكل كبير، ويطالب أبناءه بالكد والاجتهاد والتفوق، وكأن الظروف ما إلها أي تأثير.

مثلاً، شاب كان عايش بمدينته، ببيت واسع، عنده خصوصية وحديقة وغرفته الخاصة، وفجأة بسبب الظروف ينزح لمدينة ثانية، ويسكن بشقة صغيرة أو بيت ضيق، يمكن كل العائلة عايشة بغرفة أو غرفتين، لا مكان هادئ، ولا خصوصية، ولا بيئة تساعد على الدراسة أو التفكير أو الراحة. وبعد هذا كله، يطلع واحد يكله: "ليش ما نجحت؟ ليش ما اشتغلت؟ ليش بعدك ما كونت نفسك؟"

زين... الإنسان مو آلة، ولا يشتغل بطريقة "كن فيكون". الحياة إلها مراحل، وكل نتيجة إلها أسباب. حتى الإنسان يبدع ويبتكر ويخطط، يحتاج أولاً إلى شيء من الاستقرار النفسي والراحة. العقل البشري الي وهبنا الله سبحانه وتعالى إياه يشتغل بأفضل صورة من يكون الإنسان مطمئن، مو وهو محاصر بالهموم والخوف وضيق المكان وفقدان الأهل والأصدقاء.

ولهذا الإسلام دائماً يربط بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله. الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وهذا تذكير بأن الإنسان عنده حدود وقدرات تختلف حسب ظروفه.

ويقول أيضاً:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم﴾، يعني المطلوب هو أن يبذل الإنسان ما يستطيع، مو أكثر من طاقته.

لكن المشكلة الثانية، ويمكن هي الأخطر، هي الرسائل المسمومة الي انتشرت بالمجتمع. من أول ما يكبر الشاب أو الشابة، يسمعون نفس الكلام:
"لازم تشتغل."
"لازم تكون نفسك."
"لازم تصير غني."
"إذا ما تعبت محد راح يفيدك."
"المستقبل مخيف."
"الناس كلها راح تتركك."

صحيح، جزء بسيط من التحفيز مطلوب، لكن لما يتحول التحفيز إلى تخويف دائم، فالرسالة الي توصل للشاب هي أن المجتمع عبارة عن غابة، وأن كل الناس ضده، وأنه إذا تعثر، راح يبقى وحده.

وهنا يجي سؤال مهم:
إذا أقنعنا الشاب أن المجتمع كله شرير، فمن وين راح يجيب الدافع حتى يخدم هذا المجتمع؟
شلون راح يحب أبناء مجتمعه؟
شلون راح يضحي من أجلهم؟
شلون راح يبني وطنه؟

لاحظوا حتى كلمة "الخدمة" صارت شبه غائبة من خطابنا. اليوم قليل جداً من يتحدث عن خدمة المجتمع قبل المكاسب الشخصية. مع أن الإنسان مكانته الحقيقية ما تبنى فقط بالمال، وإنما بالأثر الطيب الي يتركه بين الناس.

تخيلوا طفل أو بنت شاطرة، أول رسالة يسمعوها:
"ادرس حتى تصير دكتور وتحصد ملايين."

ليش ما نكول:
"ادرس حتى تشفي المرضى، وتخفف آلام الناس، ويكون إلك أثر طيب."

ليش المهندس ما يصير هدفه يعمر بلده؟
وليش المعلم ما يصير هدفه يبني جيلاً واعياً؟
وليش التاجر ما يصير هدفه يخدم الناس بالأمانة قبل الربح؟

الإسلام ربّى الإنسان على أن قيمة العمل مو بالمردود المادي فقط، وإنما بالنفع العام. قال النبي ﷺ:
"خير الناس أنفعهم للناس."

وقال أيضاً:
"أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس."
فهنا معيار التفاضل هو مقدار الخير الي تقدمه للآخرين.

والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، يعني المجتمع الإسلامي أساسه التعاون، مو أن كل واحد يخوف الثاني ويخليه يحس أنه وحده بالحياة.

نحن محتاجين نغيّر الرسالة الي نوجهها للشباب. نعم، شجعوهم على الاجتهاد، لكن لا تحمّلوهم فوق طاقتهم. علموهم أن النجاح يحتاج وقت، ويحتاج ظروف مناسبة، ويحتاج صبر، ويحتاج مجتمع يحتضن أبناءه، مو يرعبهم.

وخلّوا النجاح مرتبط بخدمة الناس، مو فقط بجمع الأموال. لأن المجتمع الي كل أفراده يفكرون بخدمة بعضهم، هو المجتمع الي ينهض، وتقل بيه الأزمات النفسية، ويصير الإنسان يحس أنه مو وحده، وإنما جزء من عائلة كبيرة اسمها المجتمع.

reddit.com
u/Martigus360 — 22 days ago
▲ 13 r/Iraq

كيفة النوم وأنت مرتاح بدون مبردة أو سبلت حتى في الطابق الثاني

قبل سنوات، إذا أحد كالّي أگدر أنام بالصيف العراقي بدون سبلت أو مبردة، جان ضحكت. لكن بعد سنين من المعاناة ويا انقطاع الكهرباء، تكتشف أن الإنسان عنده قابلية عجيبة على التكيّف إذا استخدم عقله.

المغزى مو بس بطريقة النوم، المغزى بالحياة كلها. أكو مشكلتين تواجهك:

  • يا إمّا تبقى تنتظر الظروف تتصلح، ويمكن تنتظر سنين.
  • أو تستخدم العقل اللي الله سبحانه وتعالى وهبك إياه حتى تدبّر حلول جديدة وتخفف بيها معاناتك.

بتراثنا الإسلامي هم أكو هذا المعنى. لما سألوه النبي ﷺ عن التوكل، كال: "اعقلها وتوكّل". يعني لا تترك الأمور للظروف فقط، سوِّ اللي عليك، استخدم الأسباب، وبعدها توكل على الله. فالتدبير والاجتهاد مو ضد التوكل، وإنما جزء منه.

هاي الطريقة بالنسبة إلي كانت من أنجح الطرق للنوم براحة حتى بغياب السبلت أو المبردة:

  1. قبل النوم استحمّ بماء وصابون، واغسل جسمك زين حتى تزيل الدهون والعرق، لأن الجسم النظيف يتفاعل أفضل ويا التبريد.
  2. جهّز مناشف أو بشاكير كبيرة، وكلما كانت سميكة ونوعية زينة يكون أفضل.
  3. بلّل المناشف بالماء، وبعدها علّقها دقائق حتى ينزل الماي الزائد، المطلوب تكون رطبة مو تقطر.
  4. فرش مناشف ناشفة على الفراش أو على الأماكن اللي راح يلامسها جسمك.
  5. تغطَّى بمنشفة رطبة ثانية، مو غرقانة بالمي، بس رطبة بشكل مريح.
  6. شغّل مروحة، سواء سقفية أو عامودية، وخلي الهوا يجي باتجاهك مباشرة.
  7. وبالمبارك عليك. غالباً راح تحس بفرق كبير، ويمكن تكتشف إنك تگدر تنام براحة حتى بدون سبلت أو مبردة.

طبعًا هاي الطريقة تكون أفضل إذا الجو جاف أو رطوبته مو عالية، ولازم تنتبه إذا عندك حساسية من البرد أو أي حالة صحية ممكن تتأثر بالرطوبة. لكن إذا الظروف مناسبة، فهي من أبسط وأرخص الطرق اللي ممكن تساعدك تتغلب على حر الصيف وانقطاع الكهرباء.

reddit.com
u/Martigus360 — 25 days ago
▲ 3 r/Iraq

الكارثة ليست خلف الباب

ليوم أصدقائي أريد أحچي عن الخطوات... عن الشجاعة، وعن التأني، وعن الحكمة. أريد أحچي عن المسافة اللي تكون بين الحدث وبين النتيجة، وعن الخطوات الكثيرة اللي إحنا غالباً نتجاهلها ونقفز مباشرة لأسوأ احتمال.

الإنسان بطبعه يخاف، وعقله أحياناً يروح بعيد. مثلاً، الطفل من يكبر يسمع: "لا تطلع للشارع، لا تصدمك سيارة"، أو "لا تمشي وحدك حتى لا تصدمك سيارة". ومع الوقت يتكون عنده انطباع أن مجرد المشي بالشارع ممكن ينتهي بدهس أو كارثة.

واليوم أكو عوائل تربي أطفالها بعزلة شبه تامة، لدرجة الطفل ما يعرف شلون يروح للبقال وحده أو يشتري غرض بسيط بنفسه.

بس الحقيقة أكو عشرات، ويمكن مئات الخطوات بين المشي بالشارع وبين الاصطدام بسيارة.

بالعراق، وبأغلب المناطق، الناس تعبر الشارع كل يوم وترجع لبيوتها بسلام. نسبة الخطر موجودة دائماً، وماكو شي بالحياة نسبته صفر بالمئة، لكن وجود الخطر لا يعني حتمية وقوعه. حتى لو كان الاحتمال موجود، فهو قليل جداً مقارنة بعدد المرات اللي تمر بسلام.

أكو مئات الأمور لازم تصير وتتراصف قبل ما يوصل الإنسان لأسوأ نتيجة يتخيلها. وأكو أيضاً رحمة إلهية وعناية تحيط بالإنسان أكثر مما يتصور.

أذكر قبل أشهر، وأنا أمشي بأحد الشوارع، مريت يم محمية للكلاب. الكلاب بدت تنبح، وبعضها صار يقفز داخل السياج بطريقة خوفتني. من الخوف عبرت للجزرة الوسطية، وكانت مليانة أعشاب وتحجب الرؤية. كعدت أفكر: لازم أعبر بسرعة قبل لا يطلعون الكلاب أو يصير شي.

طلعت من بين الأعشاب وقفزت للشارع، ونسيت تماماً أتأكد إذا أكو مركبات جاية أو لا. فجأة سمعت زمور قوي، وتجمدت بمكاني. دراجة نارية كانت جاية باتجاهي، لكنها خففت سرعتها قبل ما توصلني وكملت طريقها.

بهذه اللحظة حسيت أني كنت قريب جداً من كارثة. وبعدها بفترة طويلة ظللت أفكر بالموقف وأقلق منه. لكن من رجعت راجعت الأحداث بهدوء، اكتشفت شيئاً مهماً.

اكتشفت أن عقلي كان مركز على أسوأ نهاية ممكنة، لكنه تجاهل كل الأشياء اللي حمتني قبلها.

الكلاب أصلاً ما قدرت تطلع من السياج. والدراجة ما كانت قريبة للدرجة اللي تصدمني فوراً. وأنا من سمعت الزمور توقفت بمكاني بدل ما أركض بشكل عشوائي.

بل أكثر من هذا، أسوأ سيناريو ممكن كان يحتاج سلسلة طويلة من الأحداث حتى يتحقق: أن يخرج كلب من السياج، ويركض باتجاهي، وأهرب منه بدون انتباه، وأعبر الشارع بنفس اللحظة اللي تمر بيها سيارة أو دراجة بسرعة مناسبة حتى تدهسني.

كل هذه الأمور لازم تتراصف حتى يصير أسوأ احتمال.

وهنا العبرة.

غالباً بيننا وبين الكارثة اللي نتخيلها عشرات أو مئات الخطوات. لكن عقولنا تختصر الطريق كله وتقفز مباشرة للنهاية.

وهذا الشي ما يصير فقط بحياتنا الشخصية، بل حتى بالمجتمع.

مثلاً، من يطلع فلوجر أو محتوى هابط، نسمع مباشرة: "هذوله راح يفسدون المجتمع". طيب، شلون؟ أكو ألف خطوة بين ظهور شخص على الإنترنت وبين إفساد مجتمع كامل.

أغلب المشاهير يختفون مع الوقت إذا ما بقت عليهم الأضواء. لكن أحياناً حملات الملاحقة والضجيج الإعلامي تسوي العكس تماماً. شخص ما يعرفه إلا عدد قليل من الناس، فجأة يصير حديث الأخبار والبرامج والقنوات وصفحات التواصل.

بمعنى آخر، الخوف والقفز إلى الاستنتاج أحياناً يصنع المشكلة اللي يدّعي أنه يحاول يحلها.

ولهذا أعتقد أن الحكمة مو بالخوف من كل احتمال سيئ، ولا بتجاهل المخاطر بالكامل، وإنما بفهم المسافة بين السبب والنتيجة، وبين الحدث وأسوأ احتمال ممكن.

الحياة مو خط مستقيم يوصل مباشرة للكارثة. بين كل بداية ونهاية أكو خطوات كثيرة، وأبواب كثيرة، وفرص كثيرة للنجاة، وعناية إلهية أكبر مما نتخيل.

reddit.com
u/Martigus360 — 27 days ago
▲ 11 r/Iraq

كلمة لكل روح تتمنى تعيش بحرية

اليوم صحيت من النوم وإجا على بالي موضوع، وكليت أفيد بيه الأعضاء هنا، وهو موضوع حالة المجتمع بالعراق.

كل واحد عدّه قناعة معينة عن مدى انفتاح أو انغلاق المجتمع، بس المشكلة أكو هواي أمور تعطيك انطباعات ممكن تضللك وتخليك ما تشوف الصورة الحقيقية.

من جهة، التطور التكنولوجي، الموبايلات، السوشيال ميديا، والمولات الحديثة كلها تعطيك إحساس بأن المجتمع صار أكثر انفتاحاً. بس انتبه لا توقع بهالفخ. إذا تريد تعرف فعلاً شكد المجتمع منفتح فكرياً، جرّب تسوي تصعيد بسيط ويا أهلك أو محيطك بموضوع يمس القيم والعادات، وراح تشوف بعينك شلون تتحول ردود الأفعال بسرعة، وكأنك تجاوزت خطوطاً حمراء ما يصير الاقتراب منها.

الحقيقة أن المجتمع العراقي، رغم كل مظاهر الحداثة، ما زال محافظاً على كثير من عاداته وقيمه الأساسية، وأي محاولة للمساس بيها غالباً تواجه مقاومة قوية.

بس هذا مو معناه إنه نقطع الأمل. بالعكس، الشي الوحيد اللي نكدر نسويه واللي فعلاً ممكن يحدث تأثير هو إن نعمّق فهمنا للمجتمع أكثر؛ نشوف، نلاحظ، نحلل، ونفهم ليش الناس تفكر بهالطريقة قبل لا نحكم عليها.

ونخلي ببالنا دائماً إن التغيير مو مستحيل. يمكن بعد سنوات تتحسن الحالة شويّة شويّة، ويمكن الأجيال الأكبر بالعمر تفسحلنا مجال أكثر حتى نعيش بالطريقة اللي نؤمن بيها. التغيير مرات ما يجي بثورة، وإنما يجي بهدوء، جيل وراء جيل، إلى أن تصير مساحات الحرية أوسع والقيود أقل مما هي عليه اليوم.

reddit.com
u/Martigus360 — 29 days ago