
هل سمعت بالمجاهد الموريتاني الذي قتل حفيد الرئيس الفرنسي باتريس دو مكماهون وأباد كتيبته كاملة؟
الزمان: 16 ربيع الآخر 1351هـ، الموافق 18 أغسطس 1932م. في تلك الفترة، كانت أعين الاستخبارات الفرنسية ترصد تحركات المقاومة في المنطقة، بعد أن تبلّغت بوجود كتيبة مجاهدين تستعد لمهاجمة وحدة فرنسية تضم الضابط “دو مكماهون”، حفيد الرئيس الفرنسي الشهير باتريس مكماهون (1808م–1893م). تحركت القوات الفرنسية نحو منطقة تُعرف بـ “أم التونسي” لاختيار مواقعها القتالية، استعدادًا لمواجهة مرتقبة، سرعان ما ستُعرف في الروايات الفرنسية والعربية باسم المعركة ذاتها. كان ميزان القوة مختلًا منذ البداية؛ قناصة يتمركزون فوق المرتفعات، جنود مجهزون بأحدث الأسلحة والذخائر، جهاز استخبارات عسكري يراقب كل حركة، ودعم قوة استعمارية كبرى تفرض هيمنتها، مع احتمال تدخل الطيران الحربي عند الحاجة. لكن في المقابل، كان في الميدان رجل واحد سيُعيد تعريف معنى الجرأة: إبراهيم السالم ولد ميشان . تروي الروايات أن الخطة بدأت بتقدم المجاهدين نحو خطوط النار لإشغال العدو، لكن “ولد ميشان” اختار طريقًا آخر… طريقًا أكثر خطورة وجرأة. التفّ وحده حول مواقع العدو، متسللًا من الخلف، ليباغت القناصة في لحظة لم تكن في حساباتهم. في دقائق معدودة، سقط سبعة من القناصة، وتبعهم عدد من الجنود، فيما تراجع الباقون مذعورين نحو الخنادق والحفر، وقد باغتهم الرعب أكثر من الرصاص. لم يكن “ولد ميشان” مجرد مقاتل ، كان يُعرف لدى الفرنسيين بلقب “المتخصص” أو “الاختصاصي” ، في إشارة إلى دقته وسرعته في تنفيذ المباغتات، وكأن المعركة بين يديه تتحول إلى مشهد خاطف لا يمنح العدو فرصة لالتقاط أنفاسه. ويذكر النقيب الفرنسي دوتوه لويوسكي في كتابه الغزوات على أدرار أن الفرقة الفرنسية تعرضت لهزيمة قاسية، وأن الملازم ماكماهون قُتل مع عدد من الضباط والجنود، لتنسحب القوة بعد خسائر كبيرة بين قتيل وجريح، وهو ما خلّف صدى واسعًا في باريس وأثار غضبًا داخل الأوساط العسكرية الفرنسية. وفي رواية المجاهد سلمنه، جاءت شهادة أكثر التصاقًا بحرارة الميدان: لقد كانت المعركة سريعة وعنيفة، وكان رجال المقاومة فيها على قدر كبير من البأس، غير أن إبراهيم السالم ولد ميشان كان يتقدمهم جميعًا في الجرأة والإقدام. يلتف خلف صفوف العدو، فيسقط من الفرنسيين من يسقط، ويصول ويجول كأنه برق خاطف لا يُدرك أثره. حتى أنه قتل عثمان بن أحمد، أحد أبرز مقاتلي فرقة الترارزة (الهجانة) التي كانت تقاتل إلى جانب الفرنسيين. وهكذا بقي اسم إبراهيم السالم ولد ميشان حاضرًا في الذاكرة الشعبية، بين الرواية والتاريخ، وبين البطولة والأسطورة. المصدر : كتاب الشيخ ماء العينين علماء وأمراء في مواجهة الإستعمار الأوروبي ...الجزء الثاني .