
قال رسول الله ﷺ :
شرح الحديث:
أمَرَ اللهُ سُبحانَه وتَعالَى نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يُبلِّغَ ما أُرسِلَ به إلى النَّاسِ، ويُبيِّنَ لهم سُبلَ الهُدى والرَّشادِ، ويَنْهاهم عن طَريقِ الضَّلالِ، وقد قام النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بما أمَرَه به اللهُ عزَّ وجلَّ؛ فأوضَحَ لأُمَّتِه طَريقَ الجنَّةِ وطَريقَ النَّارِ، وسَبيلَ الخيرِ والشَّرِّ.
وفي هذا الحديثِ يَرْوي الصَّحابيُّ عِيَاضُ بنُ حِمارٍ رَضيَ اللهُ عنه: أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَطَبَ في أصحابِه رَضيَ اللهُ عنهم ذاتَ يومٍ: «ألَا إنَّ ربِّي أمَرَني أنْ أُعلِّمَكم ما جَهلْتُم، مِمَّا علَّمَني يَومِي هذا» أي: اليومَ الَّذي يقولُ فيه خُطبتِه تلكَ على وَجهِ الخُصوصِ، وقدْ أمَرَ اللهُ سُبحانه نَبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يُبلِّغَ النَّاسَ بكلِّ ما أُنزِلَ إليه، فيُحمَلُ قولُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في هذا الحديثِ على فَوريَّةِ الإعلامِ بمَعلوماتِ اليومِ، وأنَّ غيْرَها كان على التَّراخي، أو يُحمَلُ على بعضِ الأُمورِ الَّتي كان يَخُصُّ بها ممَّا لا تُطِيقُه أفْهامُهم.
وأنَّه سُبحانه قال: «كلُّ مالٍ نَحَلْتُه عبدًا حَلالٌ»، والنِّحلةُ العطاءُ بدونِ مُقابلٍ، والمعنى: كلُّ مالٍ أعطيْتُه عبدًا مِن عِبادي بطَريقٍ مَشروعٍ فهو له حَلالٌ، والمرادُ إنكارُ ما حَرَّموا على أنفُسِهم، مِثلَ بعضِ البهائمِ، كالسَّائبةِ والوَصيلةِ والبَحيرةِ والحامِي وغيرِ ذلك، وأنَّها لم تَصِرْ حَرامًا بتَحريمِهم، وكلُّ مالٍ مَلَكَه العبدُ بطَريقٍ مَشروعٍ فهو حَلالٌ له، يَتصرَّفُ فيه في أيِّ وَجهٍ مِن الوجوهِ المشْروعةِ.
«وإنِّي خَلقْتُ عِبادي حُنفاءَ كلَّهم» جمْعُ حَنيفٍ، وهو المائلُ عَنِ الباطلِ المُنقطِعُ لِلحقِّ، والمعنى: أنَّه سُبحانه خَلَقهم على الفِطرةِ مُسلِمين، وقيل: طاهِرين مِن المعاصي، وقيل: مُستقيمِين مُنيبِين لقَبولِ الهدايةِ. «وإنَّهم أَتتْهمُ الشياطينُ فَاجتالَتْهم عَن دِينِهم»، أي: صرَفَتْهم وذَهبَتْ بهم عَن دِينِهم إلى الأباطيلِ، وحرَّمَتْ عليهم ما أحلَّ اللهُ لهم، وأمرَتْهم أنْ يُشركوا باللهِ ما لم يُنزِّلْ به سُلطانًا، أي: دونَ حُجَّةٍ وبُرهانٍ.
«وإنَّ اللهَ نظَرَ إلى أهلِ الأرضِ فَمقَتَهم»، أي: أَبغضَهم أشدَّ البغضِ، عرَبَهم وعجَمَهم، والمرادُ بهذا المقْتِ والنَّظرِ ما قبْلَ بَعثِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولذلك قال: «إلَّا بَقايا مِن أهلِ الكتابِ» وهمُ الَّذينَ لم يَزالوا مُتمسِّكِينَ بِالحقِّ ولم يُبدِّلوا دِينَهم، فقال اللهُ تعالَى: «إنَّما بَعثْتُك» يا محمَّدُ «لِأبتَلِيَكَ»، أي: لِأمتحِنَك وأَخْتبِرَك بما يَظهَرُ منكَ مِن قِيامِكَ بما أمَرْتُكَ به؛ مِن تَبليغِ الرِّسالةِ والجهادِ في اللهِ حقَّ جِهادِه، والصَّبرِ في اللهِ تعالَى وغيرِ ذلك، «وأَبتلِيَ بكَ» مَنْ أرسلتُكَ إليهم، فمنْهم مَن يُظهِرُ إيمانَه ويُخلِصُ في طاعاتِه، ومنهم مَن يَتخلَّفُ ويُعلِنُ العَداوةَ والكفْرَ، ومنهم مَن يُنافِقُ.
«وأنزَلْتُ عليكَ كِتابًا» وهو القرآنُ «لا يَغسِلُه الماءُ» أي: لا يَمحوُه ولا يَذهَبُ به، بل يَبْقى على مرِّ العصورِ؛ لكونِه مَحفوظًا في الصُّدورِ، فخَفَّ على الألسنةِ ووَعَتْه القلوبُ، فلو غُسِلَت المصاحفُ لَما انغَسَلَ مِن الصُّدورِ، ولَما ذَهَب مِن الوجودِ، ويَشهَدُ لذلك قولُه تعالَى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ، وقولُه: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر: 17]، «تَقرؤُه نائمًا ويَقظانَ»، ومعناه: يكونُ مَحفوظًا لكَ في حالتَي النَّومِ واليَقَظةِ، فلا تَغفُلْ عنه، وقيل: تَقْرؤه في يُسرٍ وسُهولةٍ.