سنوات خلف المقعد الاخير
الفصل الأول: آخر الفصل
لا أتذكر أول درس تعلمته في المدرسة...
لكنني أتذكر آخر مقعد.
كان في آخر الفصل، بجوار الحائط، بعيدًا عن ضحكات الأولاد في المقدمة. لم أجلس هناك لأنني أحب العزلة، بل لأن أحدًا لم يكن يريد أن يجلس بجواري.
أما هم...
فكانوا في أول الفصل.
الأوائل في الدرجات، والأقوى بين التلاميذ، والأعلى صوتًا. كانوا يملكون شيئًا لم أملكه أنا؛ مجموعة تحميهم، وتصدقهم، وتضحك معهم حتى لو كان الضحك على حساب شخص آخر.
وذلك الشخص... كنت أنا.
في الفسحة، كنت أراقب الأولاد وهم يركضون نحو ملعب الكرة.
كنت أحبها.
أو ربما كنت أحبها قبل أن تصبح سببًا جديدًا للسخرية.
كلما دخلت الملعب، تحولت المباراة إلى محاكمة.
تتعالى الضحكات إذا أخطأت.
وتنهال الكلمات قبل أن تصل الكرة إلى قدمي.
لم يعد أحد يرى طفلًا يحاول اللعب...
بل هدفًا سهلًا للسخرية.
وبعد فترة، توقفت عن اللعب.
لم أكره كرة القدم...
بل كرهت الشعور الذي كان ينتظرني كلما اقتربت منها.
وفي يوم آخر...
كنت عائدًا من دورة المياه، أحاول أن أصل إلى الفصل قبل بدء الحصة.
ظهر أحدهم أمامي.
ثم ظهر آخر خلفي.
وجدت نفسي محاصرًا في الممر الضيق.
لم يكن هناك طريق للهرب.
كانت الضحكات تسبق الضربات، وكأن ما يحدث لعبة يعرفون نهايتها مسبقًا.
انتهى الأمر سريعًا.
لكن الإحساس بالعجز بقي طويلًا.
ركضت إلى أحد المدرسين.
كنت أظن أن الكبار يملكون حلولًا لكل شيء.
استمع إليّ، ثم استدعى الأولاد.
تخيلت أنه سيقول إن ما حدث خطأ.
لكنه ابتسم وقال:
"يلا... صالحوا بعض."
وقفت صامتًا.
لم أرد أن أصالح أحدًا.
كنت أريد فقط أن يتوقف كل هذا.
وحين رفضت، تغيرت نبرة صوته.
"إحنا مش فاضيين للعب العيال بتاعكم."
خرجت من عنده وأنا أشعر أنني لم أخسر معركة مع الأولاد فقط...
بل خسرت ثقتي في أن أحدًا سيحاول حمايتي.
أما أكثر الأيام رسوخًا في ذاكرتي...
فكان اليوم الذي وقف فيه أحدهم أمام الفصل كله.
كان أكبر مني حجمًا، وأقوى مني.
لم أفهم لماذا كان غاضبًا.
كل ما أتذكره أنني وجدت نفسي أتلقى الضرب أمام زملائي.
لم يكن الألم هو الأصعب...
بل نظرات الفصل.
كنت أحاول ألا أبكي.
لكن الدموع سبقت محاولتي.
اقتادونا أنا وهو إلى المديرة.
لأول مرة، شعرت أن الحقيقة ستظهر.
لكن المفاجأة كانت أن الولد بدأ يبكي هو الآخر.
بكى بطريقة جعلت الجميع ينظر إليه باعتباره الضحية.
ثم دخل بعض التلاميذ ليشهدوا.
لم يقل أحد ما رآه.
قالوا ما خافوا ألا يقولوه.
شهدوا ضدي.
ولأن الحقيقة اختلطت بالخوف...
انتهى الأمر بأن عوقبنا نحن الاثنان.
خرجت من المكتب وأنا لا أفهم كيف يمكن أن يُعاقَب المظلوم مع من ظلمه.
في ذلك اليوم...
عدت إلى البيت.
أغلقت باب غرفتي.
وبكيت حتى غلبني النوم.
كنت أستيقظ في الصباح التالي بعينين متورمتين...
ثم أرتدي الزي المدرسي...
وأعود إلى المدرسة من جديد.
ليس لأنني كنت شجاعًا...
بل لأنه، في ذلك العمر، لم يكن لديَّ خيار آخر.
الفصل الثاني: نصف درجة
في الإعدادية، لم تعد المعركة كما كانت.
لم يعد أحد يحاصرني بجوار الحمام.
ولم يعد الضرب هو السلاح الوحيد.
صار كل شيء يُقاس بالأرقام.
درجة...
ونصف درجة...
وعُشر درجة.
كان هناك ولدٌ واحد يسبقني دائمًا.
أذاكر حتى تؤلمني عيناي، ثم أفتح النتيجة لأجده في المركز الأول... وأنا خلفه بفارق نصف درجة، أو عُشر درجة.
كنت أعود إلى البيت وأنا أسأل نفسي السؤال نفسه كل مرة:
"أنا ناقصني إيه؟"
وفي أولى إعدادي، حدث ما لم أتوقعه.
ظهرت النتيجة.
اسمي...
في المركز الأول.
مكرر.
وقفت أحدق في الورقة طويلًا.
قرأت اسمي مرة...
ثم مرة أخرى.
لم أصدق.
لأول مرة، لم أكن أنظر إلى ظهر أحد.
بل كنت أقف بجواره.
لكن الفرحة لم تعش طويلًا.
جاءت كورونا.
أُلغيت الامتحانات.
وكأن الحياة قالت لي:
"ليس الآن."
مرت سنة ثانية إعدادي بلا منافسة حقيقية.
ثم جاءت السنة الأخيرة.
وقلت لنفسي:
"لن أخرج من هذه المدرسة كما دخلتها."
لم أكن أريد الانتقام.
كنت أريد أن أسترد نفسي.
لكن الحرب لم تكن مع الآخرين فقط.
كانت هناك حرب أخرى لا يراها أحد.
كل وضوء أعيده مرات.
كل صلاة أخشى أن تكون باطلة.
كل صفحة أراجعها عشر مرات.
كل فكرة تعود إليَّ رغمًا عني.
كنت أذاكر...
والوسواس يذاكر معي.
ورغم ذلك...
ظهرت النتيجة.
الأول.
ثم جاءت النتيجة التالية.
الأول مرة أخرى.
وقفت في حفل التكريم.
أول الواقفين في صف الأوائل.
رفعت رأسي.
ابتسمت.
لم تكن ابتسامة فخر...
بل ابتسامة طفل انتظر سنوات طويلة حتى يسمع أحد يقول له:
"أنت تستحق."
لكن أكثر ذكرى بقيت في رأسي...
لم تكن يوم التكريم.
كانت مسابقة أوائل الطلبة.
كعادتهم...
جلسوا معًا.
وتركوني وحدي.
وكأنني لاعب احتياط لا حاجة لهم به.
وقبلها بأيام، وقف منافسي أمام الفصل.
طرح المدرس سؤالًا في العلوم.
كان سؤالًا معقدًا.
لم أستطع الإجابة.
أما هو...
فأجاب.
دوى التصفيق في الفصل.
أما أنا...
فلم أسمع التصفيق.
سمعت شيئًا آخر.
سمعت صوتًا في داخلي يقول:
"لن تكون مثله أبدًا."
عدت إلى البيت.
بكيت.
ثم فتحت الكتاب.
لم أكن أذاكر.
كنت أحارب.
ظللت أحل أصعب المسائل واحدة تلو الأخرى، حتى وصلت إلى سؤال عجزت عنه.
نظرت إلى كتيب الإجابات.
فهمت الفكرة.
ثم أعدت حله.
مرة.
ثم مرتين.
ثم عشر مرات.
حتى حفظته.
بعد أيام...
بدأت مسابقة أوائل الطلبة.
كالعادة...
أنا على الهامش.
وهم يتصدرون المشهد.
ثم جاءت ورقة الأسئلة.
وقعت عيناي على السؤال.
توقفت أنفاسي.
إنه هو.
نفس السؤال.
راقبتهم.
واحدًا تلو الآخر.
الصمت.
لم يعرف أحد الحل.
حتى هو...
لم يعرف.
رفعت رأسي لأول مرة.
وقلت بهدوء:
"أنا عارف."
نظر الجميع إليَّ بدهشة.
أعطوني الورقة.
كتبت الحل كاملًا.
وقبل أن تُسلَّم...
أخذها منافسي.
نظر إليها.
ثم شطبها.
وكتب إجابة أخرى.
سُلِّمت الورقة.
بدأ المدرس التصحيح.
ثم رفع رأسه وقال بضيق:
"إنتوا ليه غيرتوا الإجابة الأولى؟ كانت هي الصح."
ساد الصمت.
أما أنا...
فاكتفيت بابتسامة صغيرة.
لم تكن لأنني انتصرت عليه...
بل لأنني، للمرة الأولى منذ سنوات، انتصرت على ذلك الصوت الذي كان يردد دائمًا:
"أنت لن تستطيع."
الفصل الثالث: العام الذي انكسر فيه كل شيء
حين خرجت من الإعدادية، شعرت للمرة الأولى أنني أغلقت بابًا ظل يؤلمني سنوات.
كنت الأول.
وقفت في حفل التكريم رافعًا رأسي، وقلت لنفسي إن القادم سيكون بداية جديدة.
دخلت مدرسة المتفوقين.
كنت أظن أنني سأكون الأقل بينهم.
كانوا يحلون أكثر من كتاب في المادة الواحدة، ويتحدثون عن المذاكرة وكأنها شيء طبيعي.
أما أنا...
فكنت أقضي وقتًا طويلًا في صفحة واحدة.
الوسواس لم يكن يسمح لي أن أمر بسهولة.
كل سؤال يجب أن يُعاد.
كل خطوة يجب أن أتأكد منها.
كل إجابة يجب أن أراجعها مرات لا تنتهي.
كنت أظن أنني سأفشل.
لكن ظهرت النتيجة.
الأول.
قلت إنها صدفة.
ثم ظهرت نتيجة الترم الثاني.
الأول مرة أخرى.
لأول مرة، شعرت أن الحياة تبتسم لي.
لكنها كانت ابتسامة قصيرة.
في نهاية العام، بدأت أمي تتعب.
في البداية، ظننا أنها أزمة عابرة.
ثم بدأت المستشفيات.
والأدوية.
والخوف.
لم أعد أرى أمي كما عرفتها.
كانت تنظر إلينا طويلًا، وكأنها تريد أن تحفظ وجوهنا.
وأنا...
كنت أحاول أن أقنع نفسي أن كل شيء سيعود كما كان.
دخلت الصف الثاني الثانوي وأنا شخص آخر.
لم يعد ذهني في الكتب.
كلما فتحت كراسة، وجدت صورة أمي أمامي.
وفي الامتحانات، كنت أرى زملاءً أعرف أنهم أقل استعدادًا مني، لكنهم يجيبون بثقة بعد انتشار تسريبات الامتحانات.
أما أنا...
فلم أستطع أن أفعل ذلك.
خرجت من آخر امتحان منهكًا.
عدت إلى البيت.
وجدت أمي أعدت لي طعامًا بسيطًا.
جلست بجوارها.
لم أكن أعرف...
أنها ستكون آخر مرة آكل فيها من يديها.
في الليل...
استيقظت على صراخ.
ركضت.
كان البيت كله يرتجف.
ومن تلك الليلة...
بدأت رحلة طويلة بين المستشفيات، والأمل، والخوف.
ثم...
عاد الصمت.
في أحد الأيام، عدت من المدرسة.
سمعت صوت جدتي تبكي.
لم أحتج إلى سؤال.
عرفت.
شعرت بأن ساقيّ لم تعودا تحملانني.
جلست على سرير أمي.
أنظر إلى المكان الذي كانت تجلس فيه.
لم أبكِ.
لم أصرخ.
لكن شيئًا في داخلي انكسر.
كان ذلك أول وداع أحضره في حياتي.
وأصعب وداع.
دخلت الصف الثالث الثانوي...
لكنني لم أدخله وحدي.
دخلت ومعي الوسواس.
والحزن.
وجلد الذات.
كنت أعيد مسائل الفيزياء مرات لا تنتهي.
لا لأنني لا أفهمها...
بل لأن عقلي كان يرفض أن يطمئن.
كنت أؤجل كل شيء حتى آخر لحظة، ثم ألوم نفسي لأن الوقت انتهى.
وفي كل ليلة، كان هناك صوت يهمس:
"لن تنجح."
دخلت امتحانات الثانوية العامة وأنا أشعر أنني لم أستعد كما يجب.
كنت أراجع أقل مما أردت.
وأخشى أكثر مما ينبغي.
ومع ذلك...
كان هناك شيء صغير داخلي يرفض أن يستسلم.
خرجت النتيجة.
91.4%.
لم يكن ذلك الرقم انتصارًا على الامتحان فقط.
كان انتصارًا على عام ظننت أنني لن أخرج منه واقفًا.
دخلت كلية الطب البيطري.
لكنني اكتشفت أن الإنسان قد يغيّر مدرسته، ومدينته، وحتى مرحلته الدراسية...
ولا يستطيع بسهولة أن يغيّر ما تركته السنوات داخله.
اليوم...
أجلس بين زملائي، لكنني أشعر أنني بعيد عنهم.
أصمت أكثر مما أتكلم.
أخاف من أبسط المواقف.
أفضل غرفتي على أي مكان آخر.
وأتابع علاجي النفسي، لأنني أدرك أخيرًا أن بعض المعارك لا تُكسب بالقوة وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى من يساعدك على حملها.
لقد نجوت من سنوات كثيرة...
لكنني ما زلت أتعلم كيف أعيش بعدها.