الغربة
هنا جزء من تجربتي مع الغربة، وبضع نصائح مستخلصة منها -وإن كنت لست بأكثركم خبرة-، لعلها تنفع كل مقبل على هذه التجربة
:
لطالما كانت فكرة الاغتراب أمنية تراودني، ولطالما حلمت أن أعيش هذه التجربة، كبرت وأنا أتابع فيديوهات المغتربين -في الداخل والخارج- للدراسة، وأحلم بيومٍ أكون فيه بمثل مكانهم
مضت بي الأيام حتى تخرجت من الثانوية، وقبلت في جامعة تبعد عني بضع ساعات، ففرحت! أخييرًا سأخوض التجربة التي ارتقبتها طويلًا، وبدأت أستعد لها بحماس.
لكن تزامن مع هذه الفترة الانتقالية وبداية الدراسة اكتئاب تداعت علي أسبابه وتعاضدت، فانزويت، وانطويت، وكرهت أن أخالط الناس -إلا الخاصة-، فكنت أذهب للجامعة وأعود وما تكلمت إلا نزرًا، وما كان هذا طبعي يومًا؛ وأنا شخص كتوم لا يذيع سره لأحد، فعانيت وحدي لشهور، ثم لذت بالكتابة فكانت خير ملاذ -بعد الدعاء-، حتى انكشف ما بي بعد سنة ونيف والحمدلله رب العالمين.
لكن هذه التجربة -على سوئها- وما رافقها من غربة وما تبعها هي مما أحمد الله عليه الآن، فبسببها وبها تكشفت لي نفسي التي لطالما ظننت أني أعرفها، وبان لي زيف أحكامي عليها؛ في الغربة يا صديقي ستعرف حقيقة نفسك، وستختبر صدقها في كل مبدأ زعمته، وستفند تجربتك أي حكم تنظيري أطلقته عليها أو تثبته.
وفي الغربة، أنت وحدك سلطان وقتك، فالقيود الاجتماعية أقل، والمسؤوليات العائلية غائبة؛ وفي كثير من الأيام، سترجع من دوامك، وتنهي مهامك، ويبقى من يومك ما شاء الله أن يبقى حتى موعد نومك؛ وإنك إن لم تشغل نفسك شغلتك! فاحرص على أن تملأ فراغك بما ينفعك، أو يؤنسك
ولا تقعد فاضي فتضيق بك نفسك وتغتم.
وقد كنت كلما فرغت من شغلي عمدت إلى القراءة، أو اليوتيوب، فاستفدت واستمتعت في آن؛ وما لحظت على نفسي تغييرًا ولا حصيلة معرفية ولغوية لا بأس بها إلا بعد عامين عندما عدت لكتاباتي القديمة، وتعليقاتي، ورأيت كيف كان فهمي للأمور وكيف هو الآن!
وكذا هي الغربة أيضًا، قد لا تلحظ بعض آثارها عليك إلا بعد مدة أو حين تعود؛ فأنا -مثلًا- من أظهر آثارها علي أني صرت أُقدّس الهدوء تقديسًا بالغًا، ولم أعد أطيق الإزعاج مهما دنت درجته!
ثم إنك -يا صديقي- ستواجه في المغترَب أناسًا مختلفين، من أماكن متباعدة، وخلفيات اجتماعية متباينة، وكلكم قد جمعتكم هذه المدينة
فعليك أن تتقبل حقيقة اختلافهم، وتتعلم كيف تتعامل معهم، وتختار أن تقترب منهم أو تبتعد عنهم بحسب ما تراه.
واعلم أن الصحبة والجيران الطيبين -خصوصًا إن كانوا مغتربين مثلك- هم خير ما يخفف عليك ويسليك، خصوصًا في المناسبات كرمضان -الذي لا تشبه الوحشة فيه الوحشة في غيره-، ومن فضل الله علي أن سخر لي جارات كالأخوات، فنجتمع ونؤنس بعضنا، ونعود المريضة منا، ونساعد المشغولة، ونواسي الحزينة،…إلخ. فاسأل الله أن يسخر لك الطيبين من خلقه.
ولعل أصعب ما تقاسيه أيها المغترب -غير لواعج الشوق وتباريح الـhomesick- هو الضغوط المالية، فإنك إن لم تحسن إدارة مالك، وكنت ممن يبطر أول الشهر فاعلم أنك ستضطر في آخره أن تطلب من أهلك أو تتسلف أو تشحذ أو تستحي من كل هذا فتأكل من خشاش الأرض🥀
ختامًا..
لا أحصي فضائل الغربة علي، ولا أعتبر تجربتي كاملة، ولا أشوفها تشبه من تغربوا خارج أوطانهم، فحالهم أصعب بلا شك.
لكن صور الغربة كثيرة، ودرجاتها متفاوتة، وقد يغترب الإنسان في بيته.
أيضًا.. جزء كبير من قصتي ما ذكرته، وقصص ومواقف كثيرة حذفتها، وعندي الكثير والكثير مما لم أكتبه خشية أن أطيل عليكم -وقد أطلت فاعذروني- في زمنٍ كثر فيه التعفن الدماغي عافانا الله وإياكم منه.
ملخص النصائح:
أحسن إدارة وقتك، ومالك، وانتق الناس حولك، وزميل سكنك، واحرص على ما ينفعك وما يخفف وحشتك.
من كان عنده إضافة أو سؤال أو تعقيب فليتفضل