الحجة البالغة
كان أبو العباس السفاح يحب مجالس السمر والمناظرات بين أهل العلم والأدب، لما فيها من إظهار الفصاحة وقوة الحجة.
وفي إحدى الليالي حضر مجلسًا ضمَّ إبراهيم بن مخرمة الكندي، وعددًا من رجال بني الحارث بن كعب – وهم أخوال الخليفة – كما حضره خالد بن صفوان التميمي.
ودار الحديث بين الحاضرين حول المفاضلة بين اليمن ومضر، فبدأ إبراهيم بن مخرمة بالكلام، فقال:
«إن اليمن هم أصل العرب وأشرفهم، فقد دانت لهم البلاد، وكانت لهم المدن والقرى، وتعاقبوا على الملك جيلاً بعد جيل، وورث الأبناء مُلك الآباء. ومن ملوكهم النعمانيون والمنذريون والقابوسيون والتبابعة، وفيهم رجال أثنت عليهم الكتب السابقة، ومنهم من غسّلته الملائكة، ومنهم من اهتز لموته العرش، ومنهم من كلّمه الذئب، ومنهم الملك الذي وصفه القرآن بقوله:
﴿وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا﴾.»
وأضاف أن كل ما عُرف بالنفاسة والقيمة كان يُنسب إلى اليمن، من الخيل الأصيلة، والسيوف القاطعة، والدروع الحصينة، والحلل الفاخرة، والدرر الثمينة.
ووصفهم بأنهم أهل كرم وإباء، فإن سُئلوا أعطوا، وإن أُريد منهم الذل أبوا، وإذا نزل بهم ضيف أكرموه خير إكرام، ثم ختم بقوله:
«هم العرب العاربة، وأما غيرهم فالعرب المستعربة.»
فنظر أبو العباس السفاح إلى خالد بن صفوان وقال:
«لا أظن التميمي يرضى بهذا الكلام، فما رأيك يا خالد؟»
فقال خالد:
«إن أذن لي أمير المؤمنين بالكلام تكلمت.»
فقال السفاح:
«قد أذنت لك، فتكلم ولا تهاب أحدًا.»
فقال خالد:
«لقد أخطأ من تكلم بغير علم، ونطق بغير صواب.
وكيف يصح ما ذكره، وقومه ليسوا أهل الحجة والبيان الذي يثبت دعواهم؟ ثم إنهم يفاخروننا بملوك مضوا وانقضت أيامهم، بينما نفاخرهم بأعظم نعمة أنعم الله بها على البشر، وهي بعثة سيدنا محمد ﷺ، خير الخلق وأكرمهم.»
ثم قال:
«لقد كانوا أتباعًا للنبي ﷺ، وبه عزّوا، وتحت رايته جاهدوا، ومنا النبي ﷺ، ومنا الخلفاء، ولنا البيت الحرام، وزمزم، والمقام، والمسعى، والركن، والحطيم، والمشاعر، والحجابة، والبطحاء، ولنا من المآثر والمفاخر ما لا يبلغه أحد.»
وأضاف:
«ومنا أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعلي بن أبي طالب، وحمزة أسد الله، وجعفر ذو الجناحين، وخالد بن الوليد سيف الله، فهم الذين عرفوا الله حق المعرفة، فمن فاخرنا فاخرناه، ومن عادانا قهرناه.»
ثم التفت خالد إلى إبراهيم بن مخرمة، وأراد أن يحتج عليه باللغة، فقال:
«أتعرف لغة قومك؟»
قال إبراهيم:
«نعم.»
فسأله خالد:
\- ما اسم العين عندكم؟
\- قال: الجمجمة.
\- وما اسم السن؟
\- قال: الميذن.
\- وما اسم الأذن؟
\- قال: الصنارة.
\- وما اسم الأصابع؟
\- قال: الشناتر.
\- وما اسم اللحية؟
\- قال: الذئب.
\- وما اسم الذئب؟
\- قال: الكنع.
فقال خالد:
«أفتؤمن بكتاب الله؟»
قال:
«نعم.»
فقال خالد:
«إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ويقول: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، ويقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾.»
ثم أخذ يستشهد بألفاظ القرآن الكريم، فقال:
«لقد قال الله تعالى: ﴿العين بالعين﴾، ولم يقل: الجمجمة بالجمجمة. وقال: ﴿والسن بالسن﴾، ولم يقل: الميذن بالميذن. وقال: ﴿والأذن بالأذن﴾، ولم يقل: الصنارة بالصنارة. وقال: ﴿يجعلون أصابعهم في آذانهم﴾، ولم يقل: شناترهم. وقال على لسان هارون عليه السلام: ﴿لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي﴾، ولم يقل: بذنبي. وقال تعالى: ﴿فأكله الذئب﴾، ولم يقل: فأكله الكنع.»
ثم قال له:
«أسألك عن أربع مسائل، فإن أقررت بها غلبتك، وإن أنكرتها كفرت.»
فقال إبراهيم:
«وما هي؟»
قال خالد:
\- الرسول ﷺ منا أم منكم؟
\- قال: منكم.
\- والقرآن نزل علينا أم عليكم؟
\- قال: عليكم.
\- والبيت الحرام لنا أم لكم؟
\- قال: لكم.
\- والخلافة فينا أم فيكم؟
\- قال: فيكم.
فقال خالد في ختام المناظرة:
«أما بعد هذه الأربع، فما بقي لكم فيه حجة.»
المصدر:
\- نوادر الخلفاء: إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس، باب مفاخرة اليمن ومضر، ص 82–84.